الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ماذا أفعل مع أخواتي المتبرجات؟

السؤال

عندي أخواتٌ متبرّجات، وقد حاولتُ كثيرًا إقناعهن بارتداء الحجاب، ولم أحصل على ردّ مناسب. بل إنني أبيّن لهن آياتٍ من القرآن، وتَعجّبتُ من كونهن حافظاتٍ للقرآن أكثر مني. كلّمتُ الوالدة فقالت لي بهدوء: لا تصارخ ولا تهدّد. وكذلك والدي يرفض أن أفرض عليهن الحجاب.
أشعر بخجل شديد جدًّا عندما يخرجن إلى الشارع. ماذا أفعل؟ هل أقتلهن؟ أخشى أن أكون ديّوثًا، وأن لا يراني الله عزّ وجل ولا يزكّيني يوم القيامة. أرجوكم، أريد النصيحة والحل.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

فاعلم أن كلاً منا مسؤول عن رعيته، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: كلكم راع ومسؤول عن رعيته، والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها. رواه البخاري ومسلم.

والله سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم: 6].

فعلى أبيك وأمك أن يستشعرا هذه المسؤولية، وأن يتقيا الله في أسرتهما وأبنائهما، فكما يحرصان على نفعهم في الدنيا، عليهما أن يحرصا على نجاتهم من النار يوم القيامة، فالإسلام قد حرم التبرج على النساء، ووحرم عليهن مخالطة الرجال الأجانب، بل حرم على المرأة أن تخرج من بيتها متعطرة، ووصف فاعلة ذلك بالوصف الشنيع..

والتبرج والزنا رفيقان لا يفترقان غالبًا. فكيف يرضى المسلم أن تعرض زوجته، أو إحدى محارمه مفاتنها للرجال لأجانب، ينهشون في عرضها، وهو بذلك -ومن حيث لا يشعر- يذبح عفافها، ويهدر شرفها، ويجعلها عرضة ومضغة للأفواه تلوكها، وللأعين تهمزها؟ بل لربما أدى هذا السلوك إلى ما لا تحمد عقباه، فلا ينفع الندم حينئذ، وكيف تنعدم الغيرة من نفسه على ألصق الناس به، والغيرة من صميم الأخلاق والإيمان؟!

ففي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وإن غيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه.

والغيرة المحمودة هنا هي الغيرة المستندة لسبب محسوس، كالسبب المذكور في السؤال.

ويقابل الغيور الديوث، وهو الذي يقر الخبث في أهله، أو لا يغار على محارمه إذا اختلطن بالرجال الأجانب، فقد أخرج النسائي وأحمد عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه والمرأة المترجلة، والديوث.

بل إن أهل الجاهلية قبل الإسلام استقرت الغيرة في نفوسهم، ولربما قامت الحروب بين القبائل من أجل امرأة، وما حرب الفِجار التي نشبت بين العرب قبل الإسلام إلا بسبب امرأة، تعرض لها بعض الشباب في سوق عكاظ، وطلبوا منها أن تكشف عن وجهها.

فعلى والدك وأمك، وجميع أسرتك أن يعلموا أن ستر النساء وصيانتهن أعظم عون على عفافهن، وأن الالتزام بتعاليم الإسلام صمام أمان من الفتنة والعار والفضيحة.

وعلى والدك -لأنه المسؤول الأول في الأسرة- أن يلزم بناته وزوجته بالحجاب الشرعي، والحشمة عند الخروج، تعظيماً لحرمات الله، وصيانة لعرضه، ومحافظة على النسل، وتطهيراً للمجتمع من الرذيلة وأسبابها.

وأما أنت، فلم تقع في الدياثة؛ لأنك تكره ما ذكرت، ولا تقره، بل نسأل الله أن يجزيك خيراً على غيرتك، وحرصك على محارمك أن يلتزمن بتعاليم الإسلام، ولكن مهما كان، فلا يجوز لك القتل لما ذكرت، فإن المنكر لا يعالج بمنكر أكبر منه، وشأن القتل عظيم، ويكفي في ذلك قول الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء: 93].

بل عليك التلطف بأبويك وأخواتك، والرفق في نصحهم، والإحسان إليهم، وسلوك سبل الدعوة التي تؤثر في القلوب.

واحرص على الكتب والمنشورات الإسلامية، لا سيما التي تعنى بالتبرج وأخطاره، وبأحكام الحجاب، احرص عليها أن تكون موجودة في البيت، وأن يقرأها الجميع، مع الحرص على الدعاء لهم بالهداية والاستقامة.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني