الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

حكم السمسرة في صفقة المبيع فيها مسروق

السؤال

سؤالي بخصوص صفقة كنت وسيطا بها بين البائع والمشتري واتضح لي أن البائع يتعامل مع جهات تحضر البائع بصورة غير رسمية أو يأخذ البضائع من مستودعات إحدى المصانع بصورة غير رسمية (كسرقة)، وأنا قد أخذت نصيبا من صفقة من الصفقات وأريد أن أتحلل منه، ولكن لا أستطيع أن أرجع المبلغ للشركة الأم لأنه يمكن أن أدخل في مشاكل لا حصر لها وتحقيقات وسين وجيم.. فأرجو إفادتي؟ ولكم الشكر.

الإجابــة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

ففي المسألة تفصيل بيانه أنك إن كنت تعلم أن المبيع مسروق، ومع ذلك توسطت في بيعه، وأخذت على ذلك جُعْلاً (سمسرة)، فقد ارتكبت إثما وأَعَنْتَ على عدوان، وقد قال الله تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].

والواجب عليك حينئذ أن تتوب إلى الله تعالى، وأن تسعى لرد المسروق لمالكه إن استطعت، وأما الجُعْل (السمسرة) الذي أخذته فلا يحل لك، لأن عوض العمل المحرم حرام، والقاعدة أن ما حرم فعله حرمت أجرته وثمنه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل إذا حرم أكل شيء، حرم ثمنه. رواه أحمد، وأبو داود، وصححه الألباني.

قال ابن عقيل في «كتاب الفنون»: لا شك أن من مذهب أحمد تحريم عوض كل محرم ... واستدل في تحريم عوض الحرام بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله اليهود! حرمت عليهم الشحوم، فباعوها وأكلوا أثمانها، إن الله إذا حرك شيئا حرم ثمنه". اهـ.

وقال القرافي في الذخيرة: المنافع المحرمة لا تقابل بالأعواض. اهـ.

وقال الشيرازي في المهذب: لا تجوز على المنافع المحرمة؛ لأنه يحرم، فلا يجوز أخذ العوض عليه. اهـ.

وهذا الجعل المقبوض مقابل منفعة محرمة يمكن وضعه في أبواب الخير ويعطي للفقراء والمساكين، ولا يُرّدُّ للسارق الذي دفعه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى: من أخذ عوضا عن عين محرمة، أو نفع استوفاه، مثل أجرة حمال الخمر وأجرة صانع الصليب وأجرة البغي ونحو ذلك، فليتصدق بها، وليتب من ذلك العمل المحرم، وتكون صدقته بالعوض كفارة لما فعله؛ فإن هذا العوض لا يجوز الانتفاع به؛ لأنه عوض خبيث، ولا يعاد إلى صاحبه لأنه قد استوفى العوض، ويتصدق به كما نص على ذلك من نص من العلماء. كما نص عليه الإمام أحمد في مثل حامل الخمر ونص عليه أصحاب مالك وغيرهم. اهـ.

وأما إذا لم تعلم بالسرقة إلا بعد إتمام الصفقة وقبض الجعل، فلا إثم عليك، لجهلك بحقيقة الأمر، وفي استحقاق الجعل حينئذ خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال لا يُرَدُّ الجُعل، كالحنفية، كما جاء في درر الحكام في شرح مجلة الأحكام عند المادة (579): لَوْ ظَهَرَ مُسْتَحَقٌّ لِلْمَبِيعِ بَعْدَ أَنْ بَاعَهُ الدَّلَّالُ وَأَخَذَ دَلَالَتَهُ وَضَبَطَهُ الْمُسْتَحِقُّ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ أَوْ بِغَيْرِ حُكْمٍ. أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ أَوْ إقَالَةٍ أَوْ فَسْخٍ أَوْ بِسَبَبٍ آخَرَ مِنْ الْأَسْبَابِ لَا تُسْتَرَدُّ أُجْرَةُ الدَّلَّالِ .. لِأَنَّ الدَّلَالَةَ أُجْرَةُ عَمَلِ الدَّلَّالِ وَمَتَى تَمَّ الْعَمَلُ وَأُخِذَتْ الْأُجْرَةُ، فَلَا تُسْتَرَدُّ حَتَّى أَنَّهُ لَوْ لَمْ تَكُنْ قَدْ أُعْطِيت الْأُجْرَةُ لِلدَّلَّالِ لَزِمَ إعْطَاؤُهَا لَهُ. اهـ.

ومنهم من قال بِرَدِّ الجعل هنا، كالمالكية والحنابلة. فقد نقل ابن يونس في الجامع لمسائل المدونة عن سحنون قال: لو استحقت من يد المشتري فرجع بالثمن، رجع بأجر السمسرة. اهـ.

قال الحطاب في مواهب الجليل: يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ هَذَا بِأَنْ لَا يَكُونَ الْبَائِعُ عَالِمًا بِأَنَّ الْمَبِيعَ لَيْسَ مِلْكًا لَهُ. اهـ.

وقال ابن رجب في قواعده: فأمَّا إن كانت العطيَّة لغير المتعاقدين بسبب العقد؛ كأجرة الدَّلَّال ونحوها؛ ففي «النَّظريات» لابن عقيل: (إن فُسِخ البيع بإقالة ونحوها ممَّا يقف على التَّراضي؛ فلا تردُّ الأجرة، وإن فسخ بخيار أو عيب؛ رُدَّت؛ لأنَّ البيع وقع متردِّداً بين اللُّزوم وعدمه). اهـ.

ولا ريب في أن الأحوط هو رد الجعل، ومعاملته بما سبق ذكره في الحالة الأولى.

والله أعلم.

مواد ذات صلة

الفتاوى

الصوتيات

المكتبة

بحث عن فتوى

يمكنك البحث عن الفتوى من خلال البريد الإلكتروني



 
 
 
 
فتاوى إسلام ويب - QR Code

فتاوى إسلام ويب