الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

فادعوه بها

فادعوه بها

 فادعوه بها

الخطبة الأولى

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أوصيكم ونفسي المقصرة بتقوى الله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102].
أما بعد؛
أيها المؤمنون: أمرنا ربنا جل جلاله وحضَّنا أن ندعوه، ووعدنا الإجابة، فقال سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، ثم بين لنا سبحانه كيف ندعوه، فقال عز شأنه: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]. فأمر بالدعاء، وعلّمنا الأدب في الدعاء أن يكون بذكر أسمائه الحسنى، وأسماؤه سبحانه حسنى في ألفاظها، وحسنى في معانيها، وحسنى في مقتضياتها، وكل اسم من أسمائه سبحانه مفتاح من مفاتيح الخير، وباب من أبواب الرجاء.
أيها المسلمون: لقد بين لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل معرفة أسماء الله تعالى وكيف ندعو ربنا بها فقال: (إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسمًا، مَن أحصاها دخلَ الجنَّةَ) متفق عليه. ومن معاني الإحصاء في هذا الحديث: أن نعرف أسماء الله ونذكرها ونحفظها، ومنه أن نتعبد الله تعالى بها، ومنه أن ندعوه بمقتضاها سبحانه وتعالى. فمن إحصاء أسماء الله تعالى ودعائه بها: أن يمجّد العبد ربَّه إذا ما قام يدعوه، فيذكر من أسماء الله سبحانه بين يدي مسألته قبل الدعاء، فيقول مثلًا: يا رحمن، يا رحيم، يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام. وقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول في قيامه قبل أن يذكر مسألته: (اللَّهمَّ لَكَ الحمدُ أنتَ ربُّ السَّمواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ، ولَكَ الحمدُ أنتَ قيُّومُ السَّمواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ، ولَكَ الحمدُ أنتَ نور السَّمواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ ، أنتَ الحقُّ، وقولُكَ الحقُّ، ووعدك حقٌّ، والجنَّةُ حقٌّ، والنَّارُ حقٌّ، والنَّبيُّونَ حقٌّ، ومحمَّدٌ حقٌّ، اللَّهمَّ لَكَ أسلمتُ، وبِكَ آمنتُ، وعليْكَ توَكَّلتُ، وإليْكَ أنَبتُ، وبِكَ خاصَمتُ، وإليْكَ حاكمتُ، فاغفِر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلَنتُ، أنتَ إلَهي لاَ إلَهَ إلَّا أنتَ) رواه البخاري ومسلم.
ومن إحصاء أسماء الله تعالى ودعائه بها: أن نتعبد لله تعالى بها في جوارحنا في أعمالنا، فنستحي أن نعصيه سبحانه لأننا نؤمن أنه البصير الرقيب، ونكثر من ذكره سبحانه لأننا نؤمن أنه السميع العليم، ونكثر من التوبة والإنابة إليه لأننا نؤمن أنه تواب غفور رحيم، وهكذا.
عباد الله: إمن إحصاء أسماء الله تعالى ودعائه بها: أن نسأل الله حاجاتِنا بأسمائه الحسنى ونذكر في كل دعاء الاسم الذي يتناسب مع ما نطلب وندعو به، فنقول: اللهم ارزقنا فإنك أنت الرزاق ذو القوة المتين، ونقول اللهم اغفر لنا فإنك أنت الغفور الرحيم، ونقول اللهم اشفنا فإنك الشافـي، ونقول اللهم ارحمنا فإنك أنت الرحيم وأرحم الراحمين، وهذا من تمام الأدب مع الله تعالى، أن يُسأل كل مطلوب بما يناسبه من أسمائه. ومن الخطأ أن يختم الداعي على الكفار بالعذاب دعاءه مثلا فيقول: "اللهم عذبهم يا أرحم الراحمين"! فهذا تناقض في الدعاء، لأن اسم الرحيم لا يناسب مقام الانتقام. بل يُقال: اللهم عليك بهم يا قوي يا جبار يا منتقم يا عزيز، ونحوها من الأسماء التي تتناسب وهذا الدعاء.
أيها المؤمنون: إن من أعظم وجوه إحصاء أسماء الله تعالى ودعائه بها: التأمل في ترتيب أسماء الله تعالى في القرآن، فالله تعالى ما ذكر اسمًا مع آخر إلا لحكمة بالغة. قال تعالى: {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} في مواضع كثيرة، فقدَّم العزة لأنها تدل على القدرة والغلبة، وأتبعها بالحكمة لأنها تضبط القوة بالعدل والعلم. ولم يقل: "الغفور الرحيم" في موضع و"الرحيم الغفور" في آخر عبثًا، بل كل ترتيب له مناسبة وسياق، فـ"الغفور الرحيم" حين تكون المغفرة مقدمة على الرحمة، و"الرحيم الغفور" حين تكون الرحمة سبب المغفرة. ومعرفة ذلك والتأمل فيه مما ينبغي على المسلم الوقوف عليه ليتعرف على ربه ويزداد إيمانه به سبحانه.
أيها المؤمنون: تأملوا أسماء الله تعالى في أواخر سورة الحشر، حين قال سبحانه: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ * هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ} [الحشر: 22-23]. فلم يقدم اسمه المتكبر على اسمه القدوس؛ لأن القداسة تطهير وتنزيه، وهي الأساس الذي تُبنى عليه الكبرياء الإلهية، ولو تدبرنا ترتيبها كلها لعرفنا عظمة الخالق وحكمته، وازددنا إيمانًا ويقينًا.
قال سبحانه: هو الله أي المستحق للعبادة وحده، ثم قال الملك أي مالك كل شيء وخزائنه لا تنفذ، ولما كان الملك في نظر البشر يقتضي السطوة والظلم والتمادي في الشهوات؛ ذكر بعده اسمه القدوس أي المنزه عن النقائص والعيوب فلا ظلم في ملكه سبحانه، ثم قال: السلام أي سلم منه خلقه سبحانه، ثم قال: المؤمن أي أمن خلقه وصدق رسله أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، ولما قد يظن أن السلام منه والأمن قد يكن فيه ضعف أو ارتخاء؛ قال بعدهما: المهيمن أي المحيط بكل شيء لا ضعف في سلمه ولا ارتخاء في أمنه، وبعده قال: العزيز أي الذي له العزة والغلبة والمنعة، وبعده قال: المتكبر أي له الكبرياء والعظمة. ومن كانت هذه أسماؤه وصفاته كيف يُشرك معه غيره؟ ولذا ختم هذه الأسماء بقوله: سبحان الله عما يشركون.
فلم يرتب الله تعالى أسماءه في القرآن عبثًا بل لحكم ومعانٍ تزيد معرفتُها إيمانَ العبد بربه، وتربطه وتعلق قلبه بخالقه سبحانه. فلينتبه المؤمن لهذه الأسماء في كتاب ربه، وليتعرف على معانيها، ثم يدعو ربه بها، ليكون ممن أحصاها فدخل الجنة بفضل الله ومنه وكرمه .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها المؤمنون: إن لله تعالى في أسمائه الحسنى كنوزًا من الإيمان والمعرفة، فمن عرف الله بها أحبه، ومن أحبه أطاعه، ومن أطاعه سعد في دنياه وأخراه. تأملوا اسم الله العظيم الجامع لكل صفات الكمال، واسمه الحي القيوم الذي إذا دُعي به أجاب، واسمه الغفور الذي لا يُقنط العاصي من رحمته، واسمه الرزاق الذي يفتح أبواب البركات، واسمه العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة؛ وادعوا اللهَ بها، فمن دعاه بها على علم ويقين، كان من المحسنين الذين قال الله فيهم: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً، إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55].
عباد الله: اعرفوا ربكم بأسمائه وصفاته، وادعوه بها في الشدائد والرخاء، وكونوا من المحصين لأسمائه في القول والعمل؛ لتكونوا ممن أحصاها فدخل الجنة، نسأل الله أن يجعلنا منهم بمنِّه وكرمه.
وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة