الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار..
أما بعد، أيها المسلمون:
القلوب هي محل نظر الرب جل وعلا، وهي ميزان العبد عند الله، وصلاح القلوب هو أصل كل صلاح، وفسادها أصل كل فساد، ومن هنا كانت العناية بها أعظم من العناية بالأجساد، وحديثنا اليوم مع أقسام القلوب وعلامات مرضها، وكيف نكون من أصحاب القلوب السليمة، الذين يحيي الله قلوبهم بنور طاعته، وينجيهم بها يوم القيامة: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}(الشعراء:89:88). فلنقف معًا وقفة صادقة نتأمل: أي قلب نحمله بين صدورنا؟ هل هو قلب سليم منير، أم قلب مريض متردد، أم قلب منكوس أو ميت؟
إن صلاحِ الجَسدِ والجوارح مبنيٌّ على صلاحِ القَلْبِ، فإذا صلَحَ القلبُ صلَحَت الجوارحِ، فلم تَنبعِثْ إلَّا إلى طاعةِ اللهِ، وإذا فسَد القلبُ فسَدَت الجوارحُ وانبعثَتْ في مَعاصي اللهِ، ولم تَقنَعْ بالحلالِ، بلْ أسرَعَتْ في الحرامِ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، ألَا وهي القَلْبُ) رواه البخاري. فالله سبحانه جعل القلب كالملك، والجوارح جنوده، فإذا صلح الملك صلحت الرعية، وإذا فسد فسدوا جميعاً.. ويا للعجب! يموت الجسد فيبكي الناس عليه، ويموت القلب فلا يجد من يبكيه، مع أن موت القلب أشد وأخطر، لأنه يقطع العبد عن الدنيا والآخرة، ويورثه شقاءً أبدياً لا ينتهي..
وقد قسَّم العلماء القلوب إلى ثلاثة أقسام: قلب سليم، وقلب ميت، وقلب سقيم أو مريض، وهذه الأقسام ليست مجرد كلمات، بل هي صور حية نراها في واقعنا كل يوم..
فالقلب السليم: هو القلب الذي طهّره الله من عبودية غيره، فأخلص العبودية لله وحده، لا يتحرك إلا لله، ولا يحب إلا في الله، ولا يبغض إلا في الله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله، إنه قلب مطمئن بالإيمان، راضٍ بقدر الله، متبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله، هذا القلب يشبه في عصرنا إنسانًا يعيش وسط الفتن لكنه ثابت على الحق، لا تغريه الشهوات ولا تفتنه الأموال والشبهات، بل يظل قلبه متعلقًا بالمساجد والصلاة والقرآن وطاعة الرحمن، وهو القلب الذي ينجو صاحبه يوم القيامة..
وفي مقابل هذا القلب السليم هناك القلب الميت: وهو الذي يعبد هواه وينساق وراءه، فإذا أحب أحب لهواه، وإذا كره كره لهواه، وإذا أعطى أعطى لهواه، وإذا منع منع لهواه، فهواه ونفسه آثر عنده من رضا مولاه، الدنيا تُسخطه وتُرضيه، وصاحب هذا القلب يبيع دينه لأجل دنياه وشهواته، لا يلتفت ويسأل نفسه ولو مرة هل هو في رضا الله أم في غضب الله، لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، يشبه في عصرنا إنسانًا غارقًا في المعاصي والشهوات، لا يرتدع عن مقارفة المحرّمات، بينما ينادى إلى الصلاة خمس مرات كل يوم وليلة ولا يستجيب، وربما لا يذهب لصلاة الجمعة، هذا هو القلب الذي مات، فلا حياة فيه ولا نور..
وبين القلب السليم والقلب الميت، القلب المريض: وهذا القلب فيه من محبة الله وطاعته وإيثار الآخرة ما هو مادة حياته، وفيه من إيثار الشهوات والمعاصي ومحبة الدنيا ما هو مادة هلاكه وخسرانه، هو قلب مريض بين الحياة والموت، تراه أحيانًا مقبلًا على الطاعة، وأحيانًا منجذبًا إلى المعصية، فقد تدعوه إلى الله وطاعته فيستجيب لك، وقد يدعوه غيرك إلى المعاصي فيستجيب له، يشبه في عصرنا إنسانًا ممزقًا بين داعي الهوى الذي يجره إلى اللهو والمعاصي أوقاتا، وبين كتاب الله والمساجد والصلاة وما فيه هدايته وسعادته، بين صحبة صالحة ترفعه، وصحبة سيئة تجره إلى المعاصي، فهو قلب مريض متردد، يقوى أحيانا فيَسْلم، ويضعف أحيانا فيهلك، ودرجات هذا المرض تختلف، فمنه ما هو قريب من الشفاء، ومنه ما هو قريب إلى الموت..
فالقلوب ثلاثة: قلب حي لين، وقلب يابس ميت، وقلب مريض متردد..
عباد الله: بعد أن عرفنا أقسام القلوب الثلاثة: السليم والميت والمريض، يأتينا تقسيم آخر بديع رواه حذيفة رضي الله عنه، ليكشف لنا صورة أعمق لحقيقة القلوب، ويبين لنا أن اختلافها ليس في الصحة والمرض فقط، بل في طبيعة استجابتها للحق أو صدودها عنه، قال ابن القيم: "وقد قسَّم الصحابة رضي الله تعالى عنهم القلوب إلى أربعة، كما صح عن حذيفة بن اليمان القلوب أربعة: قلب أجرد فيه سراج يزهر، فذلك قلب المؤمن، وقلب أغلف، فذلك قلب الكافر، وقلب منكوس، فذلك قلب المنافق، عرف ثم أنكر وأبصر ثم عمي، وقلب تمده مادتان، مادة إيمان، ومادة نفاق، وهو لما غلب عليه منهما"..
فالقلب الأول في هذا التقسيم: قلب أجرد فيه سراج يزهر، وهو قلب المؤمن، قلب صافٍ متجرد مما سوى الله، فيه نور يضيء طريقه، يفرق به بين الحق والباطل، وبين السنة والبدعة، وبين الهدى والضلال، هذا القلب هو الذي قال الله فيه: {إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}(الأنفال:29)، يعيش صاحب هذا القلب وسط الفتن لكنه يملك بصيرة تنير له الطريق، فلا تغره الشهوات ولا تفتنه الشبهات، بل يظل قلبه منيرًا بالقرآن وطاعة الله وعبادته، وهذا هو قلب فيه سراج يزهر..
وأما القلب الثاني: قلب أغلف وهو قلب الكافر، قلب مغلق قاس مظلم، لا يدخل فيه إيمان ولا يخرج منه كفر، كما قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ}(البقرة:6)..
وأما القلب الثالث: فهو قلب منكوس، وهو قلب المنافق، يعرف الحق ثم ينكره، يبصر ثم يعمى، يسمع الحق لكنه لا يرضى به، يرى الهداية لكنه يعرض عنها، يرفع شعار الدين بلسانه، لكنه في واقعه يتبع الهوى، كما قال تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا}(النساء:88)، فذلك قلب المنافق عرف ثم أنكر، وأبصر ثم عمي..
وأما القلب الرابع: فهو قلب متردد، تارة ينجذب إلى الطاعة والإيمان، وتارة يضعف أمام الشهوات والدنيا، وهذا هو القلب المريض الذي ذكرنا، فيه ما يدعوه إلى الله والدار الآخرة، وفيه ما يدعوه إلى الدنيا وعاجلها، صاحبه مشتت وممزق بين داعي الله وداعي الهوى، بين صحبة صالحة ترفعه وصحبة سيئة تجره إلى المعاصي، قلبه في صراع دائم، والغالب عليه هو الذي يحدد مصيره..
وخلاصة القول عباد الله: القلوب هي ميدان المعركة الحقيقية، وليست المعركة مع الدنيا أو مع الناس، والعلماء حين قسموا القلوب إلى ثلاثة ـ قلب سليم، وقلب ميت، وقلب مريض ـ أو إلى أربعة كما في حديث حذيفة رضي الله عنه، أرادوا أن يبينوا لنا طريق النجاة وطريق الهلاك، فهذه التقسيمات ليست لمجرد العلم والمعرفة، بل هي مرآة نعرض عليها قلوبنا، لنرى حقيقتها قبل أن نُعرض على الله، والغاية منها أن نحاسِب أنفسنا ونلتفت إلى قلوبنا، فننظر: هل هي سليمة منيرة مطمئنة، أم مُغْلَقَة ميتة، أم منكوسة منافقة، أم مترددة مريضة؟ فمن وجد قلبه حيًا سليمًا فليحمد الله وليزدد، ومن وجده مريضًا أو منكوسًا فليبادر بالعلاج قبل أن يفوت الأوان، فالسعيد حقًا هو من حاسَب نفسه وسعى أن يكون قلبه سليمًا حيًا مضيئًا، يلقى الله به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، عباد الله:
إن علامات مرض القلب كثيرة، ينبغي أن نبتعد عنها ونكون منها على حذر، وهي أجراس إنذار تدق في حياة الإنسان كل يوم، لكنها قد تمر عليه دون أن ينتبه، ومنها: أن صاحبه يقع في المعصية فلا يحس بندم ولا ألم، ولا يسارع إلى التوبة، وكأن شيئًا لم يكن، بينما صاحب القلب السبيم إذا زلّ دمعت عينه واشتعل قلبه بالندم حتى يعود تائبا إلى الله، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ}(آل عمران:135).
ومن علامات مرض القلب: أن صاحبه يخلد إلى الدنيا ويرضى بها، وتصير الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه، فلا يسعى للآخرة والجنة، بل كل سعيه لدنياه وهواه، يسمع الأذان فلا تتحرك قدماه إلى المسجد، وكأن النداء لا يعنيه، فإذا سمع عن لهو سارع إليه..
ومنها أنه يفرح بما يبغضه الله، ويحزن بما يحبه الله، ومن علامات مرض القلب أيضًا أن يعتاد الغفلة، فلا يتأثر بالمواعظ ولا يعتبر بالمصائب، ويستبدل غذاء القلوب النافع ـ القرآن والذِكر والصدقة والصلاة على النبي ـ، بسموم ضارة من لهو ولغو وغفلة، فيزداد مرضه يومًا بعد يوم.
ومنها: أن يستوطن الدنيا ويرضى بها، فيجعلها أكبر همه ومبلغ علمه، فلا يتطلع إلى الآخرة ولا يشتاق إلى الجنة ولا يخاف من النار..
فيا عباد الله، هذه الصور وما شابهها نراها في واقعنا وهي دلائل وعلامات على مرض القلب، ومن لم يبادر إلى علاج قلبه اليوم، خُشي عليه أن يأتي غدًا وقد مات قلبه وهو لا يشعر..
فلنفتش في قلوبنا قبل أن نُعرَض على الله، ولنحاسِب أنفسنا قبل أن نحاسُب، فالسعيد حقًا هو من سعى أن يكون قلبه حيًا سليمًا، يلقى الله به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..
فتاوى الحج
مقالات الحج
تسجيلات الحج
استشارات الحج






