الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل الإيمان لأهله نوراً، وللقلوب سكينةً وحبوراً، نحمده سبحانه على نعمة اليقين، ونستهديه لصراط المتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل قلوب المؤمنين أوعيةً لتعظيمه، وألسنتهم رطبةً بذكره وتحميده. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وصف المؤمنين بالرقة واللين، وبشّرهم بعظيم الأجر في عليين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. اتقوا الله عباد تفوزوا بالنعيم المقيم. يقول تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: 119].
أما بعد:
عباد الله: إن لقلب المؤمن أمارات، وللمسلم الصادق علامات، سطرها الحق سبحانه في كتابه لتكون ميزاناً يزن به العبد إيمانه. تأملوا معي في قوله جل وعلا: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الأنفال: 2]. بهذا الحصر الإلهي بـ "إنما"، يضعنا القرآن أمام صفات ثلاث هي عماد الإيمان: الأولى: وجل القلوب وهيبتها عند ذكر الله تعالى، فالمؤمن إذا ذُكر الله ارتعدت فرائصه تعظيماً، بخلاف أهل الشرك والصدود. والمؤمن قلبه يرفرف طرباً بذكر مولاه، ويجد فيه راحته، كما قال تعالى: {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد: 28]. الثانية: زيادة الإيمان بتلاوة القرآن، فكلما سمع آية تجدد في قلبه عهد اليقين. الثالثة: التوكل الكامل على رب العالمين، وهذا التوكل هو جوهر العبادة، وهو الذي حرر المؤمن من الأوهام والتشاؤم، ومن الركون إلى الخلق.
أيها المسلمون: إن الحياة التي تخلو من حقائق الإيمان هي حياة محفوفة بالمخاطر، ومشرعة الأبواب أمام كل شر، فبمجرد أن يفارق المرء جوهر الدين؛ يجد نفسه يتخبط في ظلمات متراكمة بعضها فوق بعض، في حيرة وضلال لا يهتدي فيهما سبيلاً، حتى إنه إذا أخرج يده لم يكد يراها من شدة القتامة، ومن حرمه الله من ضياء الوحي فلا نور له يهديه؛ وهنا تبرز حياة المؤمنين المشرقة، الذين خصهم الله بمنزلة رفيعة وسمة جليلة، وهي صفة التوكل عليه سبحانه، وهو عين كمال التوحيد وتمام الإيمان؛ أن يقطع العبد تعلقه بالخلق ويصل قلبه بالخالق، فلا يلتفت لخيالات التشاؤم بشهر أو أسبوع أو عام، ولا يتطير برجل أو امرأة، بل يمضي في حياته واثقاً بالله تعالى، مفوضاً أمره إليه. وهذا المنهج هو ديدن الأنبياء من قبل عليهم السلام، فلطالما فوضوا أمورهم إلى ربهم في أحلك الظروف؛ فهذا نبي الله نوح عليه السلام، بعد رحلة دعوة امتدت ألف سنة إلا خمسين عاماً، لم يستجب له فيها إلا فئة قليلة لا تتجاوز الثلاثين نفراً، تآلبت عليه الأحزاب، واجتمع الخصوم ليبطشوا به بطشة واحدة، فواجه كيدهم بقلب المؤمن الواثق، وحجة التوكل الساطعة، متحدياً جموعهم بقول الحق تبارك وتعالى على لسانه: {إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيۡكُم مَّقَامِي وَتَذۡكِيرِي بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَعَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡتُ فَأَجۡمِعُوٓاْ أَمۡرَكُمۡ وَشُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ لَا يَكُنۡ أَمۡرُكُمۡ عَلَيۡكُمۡ غُمَّةٗ ثُمَّ ٱقۡضُوٓاْ إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ} [يونس: 71].
عباد الله: وهذا مشهد آخر من مشاهد العزة واليقين في سير أنبياء الله ورسله، نجد كليم الله موسى عليه الصلاة والسلام، وقد تكالبت عليه قوى البغي بقيادة فرعون، ذلك الطاغية الذي لم يشهد التاريخ له مثيلاً في تجبره، ومع ذلك صمد أمام هذا الطغيان عبدٌ اعتصم بالله رب العالمين، فاستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها، مصداقاً لقوله تعالى: {وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ} [آل عمران: 101]. لقد ادعى فرعون الألوهية والربوبية بصلف وغرور حين قال: {أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ} [النازعات: 24]. فأتاه موسى عليه السلام داعياً وناصحاً لعل ذلك القلب القاسي يلين أو يراجع ما هو فيه من ضلال، لكن فرعون استكبر وأبى، وجحد بآيات الله مع استيقان قلبه بها، كما وصفه ربه، ثم شرع في إعلان حالة الطوارئ مهدداً موسى وهارون ومن آمن معهما بالصلب والتنكيل، فقال بلسان المتغطرس: {قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى} [طه: 71]. وأمام هذا الوعيد المخيف، غرس موسى عليه السلام في قلوب قومه روح الثبات والتوكل، مبيناً لهم أن الإيمان والتوكل قرينان لا يفترقان، فقال لهم: {إِن كُنتُمۡ ءَامَنتُم بِٱللَّهِ فَعَلَيۡهِ تَوَكَّلُوٓاْ إِن كُنتُم مُّسۡلِمِينَ 84 فَقَالُواْ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَا رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ * وَنَجِّنَا بِرَحۡمَتِكَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ *} [يونس: 84-86]. فكان الصبر واليقين سبباً في نصرة أولياء الله تعالى، واندحار فرعون وجنده وهزيمتهم النكراء. ولم يكن نبي الله هود عليه السلام بمنأى عن هذا المنهج، حين أُرسل إلى قوم عاد الذين غرتهم قوتهم المادية حتى نحتوا من الجبال بيوتاً فارهة، فبدلاً من شكر النعمة، واجهوا نبيهم بالتهديد والوعيد، فما كان منه إلا أن أعلن توكله المطلق على خالق كل شيء، قائلاً بلسان المؤمن القوي: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [هود: 56].
أما إبراهيم الخليل عليه السلام، فقد ضرب أروع الأمثلة في الثبات حين جابه قوماً أشركوا بالله أصناما صنعوها بأيديهم، وقد كان أبوه آزر في مقدمة هؤلاء الضالين، لكن إبراهيم الذي وصفه ربه بقوله: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 120]، وقف شامخاً رغم محاولات قومه الغدر به وإحراقه، فأوقدوا نيرانهم وقذفوه بالمنجنيق، لكن تعلقه بالله جعل النار برداً وسلاماً، ونطقت جوارحه بأعظم كلمة قالها المكروبون: "حسبنا الله ونعم الوكيل"، فجعل الله كيدهم في نحورهم، قال تعالى: {قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوٓاْ ءَالِهَتَكُمۡ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ 68 قُلۡنَا يَٰنَارُ كُونِي بَرۡدٗا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبۡرَٰهِيمَ * وَأَرَادُواْ بِهِۦ كَيۡدٗا فَجَعَلۡنَٰهُمُ ٱلۡأَخۡسَرِينَ * وَنَجَّيۡنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا لِلۡعَٰلَمِينَ *} [الأنبياء: 68-71].
أيها المسلمون: انتقلت وراثة هذا اليقين العظيم إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ليجسد أعلى مقامات التوكل في أصعب اللحظات. فحينما عاد المشركون من أُحد، وأراد أبو سفيان أن يوهن عزائم المسلمين، أرسل من يهددهم باستئصال شأفتهم والعودة لإبادتهم في المدينة، فما زاد ذلك النبيَّ وأصحابه إلا ثباتاً ويقيناً، كما سجل القرآن خلود هذا الموقف بقوله: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنَعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]. فمقام المتوكلين مقامٌ رفيع، والتوكل من أجل صفات المؤمنين؛ والمتوكلون هم الذين فوضوا أمورهم للباقي الذي لا يزول سبحانه، وتحرروا من قيود المخلوقين، لأنهم استيقنوا بقوله تعالى: {مَا عِندَكُمۡ يَنفَدُ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ بَاقٖۗ وَلَنَجۡزِيَنَّ ٱلَّذِينَ صَبَرُوٓاْ أَجۡرَهُم بِأَحۡسَنِ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ} [النحل: 96]. فالمتوكل لا يضطرب لضيق رزق، ولا يجزع من خوفٍ على أجل، بل يمشي في أرض الله مطمئناً، واثقاً بوعد الله، عالماً أن الذي خلقه وسواه هو الذي يكفله ويرعاه. ولقد كان من دعائه صلى الله عليه وسلم الدائم الذي يرسخ هذا المعنى في النفوس: (اللهم لك أسلمتُ، وبك آمنتُ وعليك توكلتُ، وبك خاصمتُ، وإليك حاكمتُ، إني أعوذ بعزتك، لا إله إلا أنت الحي الذي لا يموت والجن والإنس يموتون) رواه البخاري. وتجلى هذا الإعجاز القلبي يوم الهجرة، حين وقف المشركون بأسيافهم على باب غار ثور، حتى قال الصديق رضي الله عنه: (يا رسول الله، لو نظر أحدُهم إلى شراك نعله لرآنا، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بفيض من السكينة: يا أبا بكر، ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما) رواه البخاري.
لقد أراد الله أن تكون النجاةُ معجزةً معنويةً خالصةً ببركة التوكل، ليعلم المؤمنون في كل زمان ومكان أن من كان الله معه فلا غالب له.
أيها المؤمنون: إن التوكل ليس عجزاً ولا تواكلاً، بل هو اعتماد القلب على الله مع الأخذ بالأسباب؛ فزكريا كان نجاراً، وداود كان حداداً، ونبينا صلى الله عليه وسلم كان تاجراً، فاعمل واجتهد وافتح باب رزقك، وتوكل على ربك، وكن واثقاً موقناً أن الرزق بيد خالق الأسباب لا بالأسباب ذاتها، وتذكر دوماً وصية النبي صلى الله عليه وسلم لعمر الفاروق رضي الله عنه: (لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكله، لرزقكم كما يرزُق الطير تغدو خماصاً وتروح بطانًا) رواه الترمذي.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وليُّ الصالحين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله، إمام المتوكلين وسيد المرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله: إن المؤمن الحقيقي هو من جعل من سِيَر الأنبياء عليهم السلام مِرآةً لقلبه؛ فيقتدي بوجل قلب إبراهيم، وثبات موسى، وصمود نوح، ويقين هود، وأمانة شعيب، وكمال توكل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم؛ فهم السادة الذين علمونا أن الإيمان ليس بالتمني، بل هو ما وقر في القلب وصدقه العمل، وأن العبد كلما ازداد بالله معرفةً، ازداد له خشيةً وتوكلاً؛ فتخلقوا يا عباد الله بصفاتهم، واعلموا أن من اعتصم بالله كفاه، ومن فوض أمره إليه هداه، ومن جعل ربه أكبر همه، كفاه الله همَّ دنياه وآخرته، فكونوا ممن إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا، وعلى ربهم يتوكلون.
وصلى الله على نبينا محمد عدد ما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون، وعلى آله وصحبه أجمعين.
فتاوى الحج
مقالات الحج
تسجيلات الحج
استشارات الحج






