الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

الإيمان والصراط وأحوال الناس في المرور عليه

الإيمان والصراط وأحوال الناس في المرور عليه

 الإيمان والصراط وأحوال الناس في المرور عليه

الخطبة الأولى

الحمد لله الذي كتب على عباده الموت، وجعل بعده بعثًا ونشورًا، وأقام عليهم الحجة بالرسل والكتب، ووعد المتقين جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، وأوعد الكافرين نارًا تلظّى لا يصلاها إلا الأشقى، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الإيمان نورًا يسعى بين أيدي أهله يوم القيامة، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بيّن للناس معالم الطريق، وحذّرهم من مزالق الصراط، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر: 18].
أما بعد،
عباد الله: إن من مشاهد يوم القيامة العظيمة التي تهتز لها القلوب، وتقشعر لها الجلود، مشهد الصراط المنصوب على متن جهنم، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم وإيمانهم، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمشي، ومنهم من يزحف، ومنهم من تخطفه الكلاليب فيسقط في النار، عياذًا بالله. وهذا المشهد ثابت في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو من الغيب الذي يجب الإيمان به والتصديق به. والصراط جسرٌ منصوب على جهنم، أدقّ من الشعر، وأحدّ من السيف، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة. قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصفه: (ويضرب الصراط بين ظهري جهنم، فأكون أول من يجوز من الرسل بأمته، ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل، وكلام الرسل يومئذ: اللهم سلِّم سلِّم. وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان…) رواه البخاري. وهو ممرٌّ لا بد لكل أحدٍ من المرور عليه، قال الله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم: 71]، ثم قال سبحانه: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} [مريم: 72]، فنجاة المتقين بعد الورود دليل على أن العبور مرتبط بالتقوى والإيمان.
أيها المؤمنون: إن المرور على الصراط ليس سواءً بين الناس، وإنما يكون على قدر الإيمان والعمل الصالح. فالإيمان نور، والطاعة زاد، والاستقامة طريق، وكلما ازداد العبد إيمانًا ازداد نوره يوم القيامة. قال الله تعالى: {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} [الحديد: 12]، فهذا النور هو الذي يعينهم على اجتياز الصراط، أما المنافقون فإنهم يُحرَمون من النور، ويقعون في الحيرة والظلمة. وتأملوا – رحمكم الله – حال الناس عند المرور على الصراط، ذلك الجسر العظيم المضروب على متن جهنم، أدق من الشعرة، وأحدّ من السيف، مظلمٌ تحت الأقدام، تتلظى من تحته النيران، وتحيط به الكلاليب والخطاطيف، والناس عليه حفاةٌ عراة، قد بلغت القلوب الحناجر، واشتد الكرب، وعظم الهول، وكلٌّ ينتظر مصيره، لا يدري: أإلى نجاةٍ أم إلى هلاك؟! تأملوا تفاوت الناس على هذا الصراط، تفاوتًا يعكس تفاوتهم في الدنيا إيمانًا وعملاً؛ فمنهم من يعبر سريعًا كالبرق الخاطف، لا يشعر إلا وقد جاوزه، وذلك جزاء من أضاء الإيمان قلبه، وعمر حياته بطاعة ربه. ومنهم من يكون مروره كالريح المرسلة، سرعةً وخفة، ومنهم من يكون كأجاويد الخيل الكريمة التي تنطلق بقوة وثبات، ومنهم من يكون مروره دون ذلك، فيمشي مشيًا تتعثر فيه خطاه، وتزل فيه أقدامه، ومنهم من يحبو حبوًا، يزحف زحفًا، وقد أثقله حمل الذنوب، وأبطأ به ثقل التقصير.
ومنهم – عباد الله – من تتخطفه الكلاليب، فتخدشه وتمزق جسده، فينجو بعد بلاء، ويسلم بعد عناء، ومنهم من يُخطف خطفًا، ويُلقى في قعر جهنم، والعياذ بالله، جزاءً وفاقًا لما قدّم من عمل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فيمر أولكم كالبرق، ثم كالريح، ثم كأجاويد الخيل والركاب، فناجٍ مسلم، ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم) رواه مسلم.
مشاهد تهز القلوب، وتخلع الأفئدة، وتبيّن أن النجاة هناك ليست بالأماني، ولا بالانتساب، ولا بالمظاهر، وإنما تكون بالإيمان الصادق والعمل الصالح. هناك يظهر أثر الصلاة، وأثر السجود، وأثر الطاعة، فمن ثقل ميزانه هناك، خفّ مروره هنا، ومن أضاع نفسه بالمعاصي، ثقل سيره، وعظم خطره.
فيا عباد الله: تذكروا ذلك المقام العصيب، وتذكروا أنكم ستمرون على هذا الصراط لا محالة، وحدكم بلا مال ولا أهل ولا نصير، وإنما معكم عملكم، فإن كان صالحًا حملكم وأنجاكم، وإن كان غير ذلك أبطأ بكم وأرداكم، {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [سورة الشعراء: 88–89]. فاستعد لذلك اليوم، وخفف حملك بالتوبة، وأكثر من صالح العمل، لعل الله أن يجعلك من الناجين السالمين.
أيها المسلمون: إن الذي يثبّت الأقدام على الصراط يوم القيامة هو الثبات على الصراط المستقيم في الدنيا، فإن الله أمرنا في كل صلاة أن نقول: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [الفاتحة: 6]، فمن استقام على أمر الله هنا، سهل عليه المرور هناك، ومن انحرف عن الصراط المستقيم في الدنيا، خيف عليه أن يزلّ قدمه على صراط الآخرة. وإن الذنوب والمعاصي تُثقِل كاهل العبد، وتضعف نوره، وقد تكون سببًا في تعثره على الصراط. فكم من نظرةٍ محرمة، وكم من كلمةٍ جارحة، وكم من مالٍ حرام، وكم من صلاةٍ مُضيّعة، كلها تؤثر في ميزان العبد ونوره يوم القيامة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اتقوا النار ولو بشق تمرة) رواه البخاري. فالتقوى وقاية، والعمل الصالح نجاة.
عباد الله: ومن أعظم ما يعين على الثبات عند المرور على الصراط صدق التوحيد، وسلامة العقيدة، وكثرة ذكر الله تعالى، والمحافظة على الصلاة، والبعد عن الظلم، قال صلى الله عليه وسلم: (الظلم ظلمات يوم القيامة) رواه البخاري. فمن ظلم نفسه بالمعاصي، أو ظلم الناس بأخذ حقوقهم؛ عرّض نفسه للخطر يوم العرض الأكبر.
أيها المسلمون: إن من رحمة الله بعباده، ومن تمام فضله وإحسانه، أن لم يتركهم سدى في طريقٍ محفوفٍ بالمخاطر والأهوال، بل جعل لهم أسبابًا عظيمة للنجاة، وأبوابًا مشرعة للفوز والفلاح، فمن أعظمها التوبة النصوح التي تمحو الذنوب وتهدم ما قبلها، والإكثار من الحسنات التي تثقل الميزان وتنوّر الصراط، وصلة الأرحام التي يبارك الله بها في العمر والعمل، والصدقة التي تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وحفظ اللسان عن الغيبة والنميمة والباطل، وإصلاح ذات البين الذي هو أفضل من كثير من نوافل العبادات. فكل هذه الأعمال ليست مجرد طاعات عابرة، بل هي أنوار يضيء الله بها طريق العبد يوم الظلمات، وأثقال خيرٍ ترجّح ميزانه يوم توزن الأعمال، وعونٌ له على اجتياز الصراط حين تزل الأقدام وتضطرب القلوب.
تذكروا – رحمكم الله – أن الصراط ممرٌّ لا بد منه لكل أحد، وأنه ليس بين العبد وبين الجنة إلا أن يعبره، وأن أمام هذا الصراط حسابًا عسيرًا، وقبله عرضًا على الله جل جلاله، وبعده مصيرًا أبديًا لا رجعة بعده: إما جنةٌ عرضها السماوات والأرض، وإما نارٌ وقودها الناس والحجارة. وإن العاقل حقًا هو من جعل هذا اليوم نصب عينيه، فلم تغره الدنيا بزخرفها، ولم تلهه بشهواتها، بل استعد لذلك المقام، وأعدّ له عدته، وزوّد نفسه بالتقوى والعمل الصالح، فإنما هي أيام قلائل ثم يلقى العبد ربه، فيندم المفرّط، ويفرح المحسن. قال الله تعالى: {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ} [سورة آل عمران: الآية: 185]. أي أُبعد عنها أدنى إبعاد، وأُدخل الجنة دار النعيم والخلود، فذلك هو الفوز العظيم الذي لا فوز بعده، ولا نجاح فوقه، فليس الفوز بكثرة الأموال، ولا بعلو المناصب، ولا بزينة الدنيا الزائلة، وإنما الفوز كل الفوز أن ينجو العبد من النار، ويعبر الصراط سالمًا، ويُكتب في زمرة أهل الجنة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده سبحانه وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد،
فيا عباد الله، تذكروا أن الصراط حق ثابت، وأن الناس يمرون عليه على قدر إيمانهم وأعمالهم، وأن النور يوم القيامة بحسب نور الطاعة في الدنيا، وأن الثبات على الصراط المستقيم هنا هو سبب الثبات هناك، وأن الذنوب والظلم من أعظم أسباب التعثر، وأن التوبة والعمل الصالح من أعظم أسباب النجاة؛ فاتقوا الله عباد الله، واستقيموا على أمره، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأدوا الحقوق، وابتعدوا عن الظلم والمعاصي، وأكثروا من الدعاء بأن يثبتكم الله على الصراط في الدنيا والآخرة، واجعلوا نصب أعينكم قول الله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} [الفجر: 14].
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

مواد ذات الصله

المقالات

المكتبة