الخطبة الأولى
الحمد لله الذي جعل في تقلب الأزمان عبرة للمعتبرين، وصرف الأوقات والدهور ليتذكر أولو الألباب واليقين. الحمد لله الذي جعل الشمس ضياءً والقمر نوراً، وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، القائل في كتابه {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ} [النور: 44]، جعل شدة الحر فَيْحاً من جهنم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، كان أشد الناس خشية لربه، وأقومهم بحقه، الذي كان يستعيذ بالله من "حر جهنم" في كل صلاة، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.
عباد الله: اتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله، اتقوا ناراً وقودها الناس والحجارة، اتقوا الله في السراء والضراء، وفي الحر والبرد، فإن تقوى الله هي النجاة يوم العرض الأكبر. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحشر: 18].
أما بعد: أيها المسلمون: ها نحن نعيش أياماً ترتفع فيها درجات الحرارة، وتشتد فيها لظى الشمس، ويقبل الصيف بلهيبه وسمومه. وإن المؤمن البصير لا يمر عليه هذا الفصل مرور العابرين، بل يقف وقفة المتأمل المستبصر، فالكون كله آيات، والزمان كله عبر وعظات، وهذا الحر الذي نجد إنما هو "نَفَس" واحد من أنفاس جهنم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (اشتكت النار إلى ربها، فقالت: يا رب أكل بعضي بعضا، فأذن لها بنفسين، نفس في الشتاء ونفس في الصيف، فهو أشد ما تجدون من الحر، وأشد ما تجدون من الزمهرير) متفق عليه.
عباد الله: إذا كان هذا الحر الذي ندفعه بالمكيفات، ونفرّ منه إلى الظلال، ونبرد له الأبدان بالماء البارد، هو مجرد "نَفَس" واحد، فكيف بجسد النار؟ وكيف بقعرها؟ وكيف بلهيبها؟
معاشر المؤمنين: قفوا مع أنفسكم وقفة تأمل تحت لهيب هذه الشمس، إن هذا الحر الذي يحملنا على البحث عن الظلال، ليس إلا نذيراً ليوم لا ظل فيه إلا لمن اتخذ عند الرحمن عهداً، تخيلوا مشهد الحشر والخلائق وقوف، والشمس قد أدنيت من الرؤوس، والناس يغرقون في عرقهم، فمنهم من يبلغ العرق كعبيه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاماً.
عباد الله: إن نار الدنيا هذه، بكل ما فيها من حرق وإيلام، هي جزء واحد من سبعين جزءاً من نار جهنم، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ناركم هذه التي يوقد ابن آدم جزء من سبعين جزءا من حر جهنم. قالوا: والله إن كانت لكافية يا رسول الله. قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا، كلها مثل حرها) متفق عليه.
فإذا كان الجزء الواحد لا يطاق، فكيف بالسبعين؟ وكيف بوقودها الذي هو "الناس والحجارة"؟
أيها المسلمون: إن حرارة الصيف تذكرنا بذاك اليوم العظيم، يوم تدنو الشمس من الرؤوس قدر ميل، ويغرق الناس في عرقهم على قدر أعمالهم. {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} [التوبة: 81]؛ نزلت هذه الآية في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك في عسرة الصيف وحره، فقالوا: "لا تنفروا في الحر"، فرد الله عليهم بأن نار جهنم التي ينتظرهم المصير إليها أشد حراً لو كانوا يعقلون.
لقد وعظ الشعراء والزهاد بهذا الحر، فقال أحدهم:
تفر من الهجير وتتقيه *** فهلا من جهنم قد فررتا
ولست تطيق أهونها عذابا *** ولو كنت الحديد به لذبتا
ولا تنكر فإن الأمر جد *** وليس كما حسبت ولا ظننتا
وكان السلف الصالح إذا رأوا شدة الحر بكوا خوفاً من نار الله، يُروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: "أكثروا ذكر النار، فإن حرها شديد، وإن قعرها بعيد، وإن مقامعها حديد." وهذا ابن عمر رضي الله عنهما شرب ماءً بارداً فبكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: ذكرت آية في كتاب الله، {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ} [سبأ: 54]، فعلمت أن أهل النار لا يشتهون شيئاً كشهوتهم للماء البارد، وقد قال الله فيهم، {وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ} [الأعراف: 50]. وكان الحسن البصري إذا دخل بيته في وقت الظهيرة وباشر حرارة الشمس، قال: "يا لها من نار لا تنطفئ، ويا له من عذاب لا ينقطع، اللهم أجرنا من النار".
معاشر المؤمنين: وإذا تسائلنا هنا، كيف نستعد ونتقي نار الآخرة ونحن في لهيب الدنيا؟
إن العاقل هو من يحول هذا الحر إلى "سوق للطاعات" و"ميدان للقربات".
فعليكم بالصدقة الخفية: فهي تطفئ غضب الرب، وتقي مصارع السوء، وتكون ظلاً لصاحبها يوم القيامة.
واحرصوا على صنائع المعروف: كما في الحديث (صنائع المعروف تقي مصارع السوء).
والزموا الصبر على الطاعة: وأعظمها "صيام الهواجر"، فقد كان كثير من السلف يصومون في الصيف ويفطرون في الشتاء. وكان بعض السلف يبكي عند موته ويقول: "إنما أبكي على ظمأ الهواجر".
وسقيا الماء في هذه الأيام من أعظم القربات وخاصة في شدة الحر، سُئل ابن عباس: أي الصدقة أفضل؟ قال: "الماء، ألم تروا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة قالوا: أفيضوا علينا من الماء؟".
ومن القربات، توفير الظل للناس: سواء بمساعدة عامل يكدح تحت الشمس، أو بتوفير برادات الماء في الطرقات.
ولا تنسوا الدعاء والتضرع: فإذا اشتد الحر فقل: "اللهم أجرني من حر جهنم".
أيها المسلمون: إن من رحمة الله بنا أن هذا الدين يسر، وقد شرع لنا في شدة الحر أحكاماً تخفف عنا، وآداباً نهتم بها، فمنها:
الإبراد بصلاة الظهر: وهي سنة نبوية مهجورة عند البعض، عن أبي ذر الغفاري قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أبرد). ثم أراد أن يؤذن، فقال له: (أبرد). حتى رأينا فيء التلول، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن شدة الحر من فيح جهنم، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة) رواه البخاري؛ والإبراد هو تأخير الصلاة حتى تنكسر حدة الحر، رحمة بالناس وطلباً للخشوع.
ومن التخفيفات، الوضوء في الحر: إن إسباغ الوضوء على المكاره له أجر عظيم وهو أن يتوضأ المؤمن والماء قد اشتدت حرارته، لكن لا حرج في تبريد الماء، فالله لا يريد بنا العنت، بل قد عدَّ بعض الفقهاء الوضوء بالماء الحار من المكروهات في الوضوء.
ومن الآداب، الاغتسال: ففي الحر يكثر العرق وتتغير الروائح، وهنا تبرز سنة الاغتسال، ليس فقط للجمعة، بل للتنظف الدائم.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على رسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله: أوصيكم بتقوى الله في السر والعلن، فهي حبل النجاة من المحن والفتن، وخير زاد ليوم العرض العظيم.
أما بعد: معاشر المؤمنين: إذا كان أهل الدنيا يفرون من الحر إلى المصايف والمتنزهات، فأين المفر يوم القيامة؟ يوم لا ظل إلا ظل عرش الرحمن. لقد أخبرنا النبي ﷺ عن سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق في المساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال، فقال إني أخاف الله، ورجل تصدق، أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) متفق عليه.
فهؤلاء من الذين استعدوا لحر ذلك اليوم بالعمل الصالح في الدنيا.
عباد الله: إن هذا الحر سينقضي، وسيأتي الخريف ثم الشتاء، ولكن حر الآخرة لا يزول إلا برحمة الله. قالت امرأة صالحة لابنها وهي تعظه: "يا بني، إذا ذكرت النار فاترك النوم، وإذا ذكرت الجنة فشد المئزر، فوالله ما رأيت مثل النار نام هاربها، ولا مثل الجنة نام طالبها".
أيها المؤمنون: اجعلوا من هذا الصيف واعظاً لقلوبكم، ومذكراً لمصيركم، تذكروا العطش الأكبر، والوقوف الأطول.
هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، بقول ربنا سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].
فتاوى الحج
مقالات الحج
تسجيلات الحج
استشارات الحج






