الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                            صفحة جزء
                                                                            باب فتنة الشيطان .

                                                                            قال الله سبحانه وتعالى: ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ) ، وقوله عز وجل: ( فدلاهما بغرور ) أي: قربهما إلى المعصية بغروره، وقيل: دلاهما من الجنة إلى الأرض، وقيل: فأطمعهما، وقيل: فجرأهما، والأصل: دللهما من الدل، وهو الجرأة.

                                                                            وقال جل ذكره إخبارا عن إبليس: ( ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) قال الحسن ومجاهد : أي دين الله يعني حكم الله. [ ص: 403 ] .

                                                                            وقوله سبحانه وتعالى: ( لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته ) أي: لأقتادنهم إلى طاعتي، يقال: احتنك دابته: إذا قادها، وقيل: لأستأصلنهم بالإغواء، يقال: احتنك البعير الصليانة: إذا اقتلعها من أصلها.

                                                                            وقوله سبحانه وتعالى: ( واستفزز من استطعت منهم ) أي: استدعهم استدعاء تستخفهم به، وقوله عز وجل: ( وأجلب عليهم بخيلك ورجلك ) جاء في التفسير أن خيله كل راكب في معصية الله، ورجله: كل ماش في معصية الله.

                                                                            وقوله عز وجل: ( أرأيتك هذا الذي كرمت علي ) ، قوله: أرأيتك وأرأيتكم: معناه الاستخبار، تقول: أخبروني، تقول: أرأيتك وأرأيتكما، وأرأيتكم مفتوحة التاء في التذكير والتأنيث، فإذا كان بمعنى الرؤية، قلت: أرأيت وأرأيتما وأرأيتم.

                                                                            وقوله سبحانه وتعالى: ( إنما يأمركم بالسوء والفحشاء ) [ ص: 404 ] أي: بما يسوءكم عواقبه في منقلبكم.

                                                                            قوله تبارك وتعالى: ( ربنا استمتع بعضنا ببعض ) أي: استنفع، واستمتاع الإنس بالجن، استعاذتهم بهم كان الرجل إذا سافر، فنزل واديا قال: أعوذ برب الوادي، واستمتاع الجن بالإنس تعظيمهم إياهم حيث يستعيذون بهم، قاله الأزهري .

                                                                            وقال سبحانه وتعالى: ( ولا تتبعوا خطوات الشيطان ) يعني: مسالكه ومذاهبه، أي: لا تسلكوا الطرق التي يدعوكم إليها الشيطان، وواحد الخطوات: خطوة: وهي ما بين القدمين، والخطوة بالفتح المصدر، يقال: خطوت خطوة، وجمعها: خطوات.

                                                                            4208 - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا أبو اليمان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، أخبرني علي بن الحسين ، أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته أنها جاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوره في اعتكافه في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، فتحدثت عنده ساعة، ثم قامت تنقلب، وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم معها يقلبها، حتى إذا بلغت باب المسجد [ ص: 405 ] عند باب أم سلمة مر رجلان من الأنصار، فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : "على رسلكما، إنها صفية بنت حيي ".

                                                                            فقالا: سبحان الله يا رسول الله.

                                                                            وكبر عليهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا".


                                                                            هذا حديث متفق على صحته أخرجه مسلم ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، عن أبي اليمان .

                                                                            الشيطان من الشطن: وهو البعد، ويقال للحبل الطويل: شطن، سمي به لبعده من الخير، وطوله في الشر، وقيل في قوله: "يبلغ مبلغ الدم"، ويروى: يجري مجرى الدم: أراد به أنه يتسلط عليه، لا أن يدخل جوفه، وهو مثل.

                                                                            وفي الحديث استحباب التحرز عن مظان السوء، وطلب السلامة من الناس بإظهار البراءة.

                                                                            ويحكى عن الشافعي رضي الله عنه، في معنى الحديث، أن النبي صلى الله عليه وسلم [ ص: 406 ] خاف على الرجلين الكفر، إذ لو وقع في قلوبهما ريبة في أمره، لكفرا به، فابتدر إليهما بتلك الكلمة شفقة عليهما، والله أعلم.

                                                                            التالي السابق


                                                                            الخدمات العلمية