الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ قَوْلُهُ: كُتِبَ عَلَيْكُمْ أَيْ: فُرِضَ وَأُوجِبَ، إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ يُرِيدُ: أَسْبَابَ الْمَوْتِ وَمُقَدِّمَاتِهِ مِنَ الْعِلَلِ وَالْأَمْرَاضِ، إِنْ تَرَكَ خَيْرًا أَيْ: مَالًا، وَ "الْخَيْرُ": اسْمٌ جَامِعٌ لِلْمَالِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْقُرْآنِ، كَقَوْلِهِ: وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ ، وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ، وَ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ، الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ أَيْ: بِالْعَدْلِ الَّذِي لَا يُنْكَرُ، يَعْنِي: لَا يَزِيدُ عَنِ الثُّلُثِ، حَقًّا يَعْنِي: حَقَّ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ حَقًّا، أَيْ: وَجَبَ، عَلَى الْمُتَّقِينَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ. وَكَانَ السَّبَبُ فِي نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّ أَهْلَ الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يُوصُونَ بِمَا لَهُمْ لِلْبُعَدَاءِ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَصَرَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَةِ مَا كَانَ يُصْرَفُ إِلَى الْبُعَدَاءِ إِلَى الْأَهْلِ وَالْأَقْرِبَاءِ، فَعُمِلَ بِهَا مَا كَانَ الْعَمَلُ، ثُمَّ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْمَوَارِيثِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، وَكَانَتِ الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ فَرْضًا عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَهُ مَالٌ، حَتَّى نُسِخَ حُكْمُ الْآيَةِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ وَصِيَّةٌ لِأَحَدٍ قَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ، وَإِذَا أَوْصَى فَلَهُ أَنْ يُوصِيَ لِكُلِّ مَنْ يَشَاءُ مِنَ الْأَقَارِبِ وَالْأَبَاعِدِ إِلَّا الْوَارِثَ. أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْوَاعِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْلِمٍ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْهُذَلِيُّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنْمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَارِجَةَ قَالَ: كُنْتُ تَحْتَ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ تَقْصُعُ بِجِرَّتِهَا وَلُعَابُهَا يَنُوسُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "أَلَّا إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى كُلَ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا يَجُوزُ لِلْوَارِثِ وَصِيَّةٌ". أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ الْمَنْصُورِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنَا دَاوُودُ بْنُ رُشَيْدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا حَقُ امْرِئٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ وَلَهُ مَالٌ يُرِيدُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ" . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ، عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ. وَ "الْخَيْرُ" فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَالِ الْكَثِيرِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَنْ لَمْ يَتْرُكْ سِتِّينَ دِينَارًا لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا، وَقَالَ طَاوُسٌ: مَنْ لَمْ يَتْرُكْ ثَمَانِينَ دِينَارًا لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا. قَوْلُهُ: فَمَنْ بَدَّلَهُ الْكِنَايَةُ تَعُودُ إِلَى الْإِيصَاءِ ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِمَعْنَى الْإِيصَاءِ، كَقَوْلِهِ: فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ أَيْ: وُعِظَ، بَعْدَمَا سَمِعَهُ مِنَ الْمَيِّتِ، قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: أَيْ: فَمَنْ غَيَّرَ الْوَصِيَّةَ مِنَ الْأَوْصِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ وَالشُّهُودِ بَعْدَمَا سَمِعَهُ مِنَ الْمَيِّتِ،فَإِنَّمَا إِثْمُهُ إِثْمُ التَّبْدِيلِ، عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ أَيْ: عَلَى مَنْ بَدَّلَ الْوَصِيَّةَ، وَبَرِئَ الْمَيِّتُ، إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ سَمِيعٌ مَا قَالَهُ الْمُوصِي، عَلِيمٌ بِنِيَّتِهِ وَمَا أَرَادَ، وَعَلِيمٌ بِمَا فَعَلَهُ الْمُوصَى. قَالَ الْكَلْبِيُّ: كَانَ الْأَوْلِيَاءُ وَالْأَوْصِيَاءُ يُمْضُونَ وَصِيَّةَ الْمَيِّتِ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَغْرِقَةً لِلْمَالِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ قَوْلَهُ: فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ أَيْ: عَلِمَ، وَ "الْخَوْفُ" يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ فِي الْخَوْفِ طُرُقًا مِنَ الْعِلْمِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ إِذَا قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَقَعَ أَمْرُ كَذَا. كَأَنَّهُ يَقُولُ: أَعْلَمُ. وَإِنَّمَا يَخَافُ لِعِلْمِهِ بِوُقُوعِهِ، فَاسْتُعْمِلَ الْخَوْفُ فِي الْعِلْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا ، وَقَوْلُهُ: إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ . قَوْلُهُ: جَنَفًا أَوْ إِثْمًا أَيْ: مَيْلًا، يُقَالُ: جَنِفَ يَجْنَفُ جَنَفًا، إِذَا مَالَ. وَكَذَلِكَ تَجَانَفَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ: خَطَأً مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدٍ. وَقَالَ السُّدِّيُّ، وَعِكْرِمَةُ، وَالرَّبِيعُ، وَعَطِيَّةُ: الْجَنَفُ: الْخَطَأُ، وَالْإِثْمُ: الْعَمْدُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: هَذَا حِينَ يَحْضُرُ الرَّجُلَ وَهُوَ يَمُوتُ، فَإِذَا أَسْرَفَ أَمَرُوهُ بِالْعَدْلِ، وَإِذَا قَصَّرَ عَنْ حَقٍّ قَالُوا: افْعَلْ كَذَا، أَعْطِ فُلَانًا كَذَا. وَمَعْنَى الْآيَةِ: أَنَّ الْمَيِّتَ إِذَا أَخْطَأَ فِي وَصِيَّتِهِ أَوْ خَافَ فِيهَا مُتَعَمِّدًا فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ أَنْ يُغَيِّرَهُ وَيُصْلِحَ بَعْدَ مَوْتِهِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ وَبَيْنَ الْمُوصَى لَهُمْ، وَمَنْ وُلِّيَ أَوْ وُصِّيَ أَوْ وَالَى أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَرُدُّ الْوَصِيَّةَ إِلَى الْعَدْلِ. قَوْلُهُ: فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ يَعْنِي: بَيْنَ الْوَرَثَةِ وَالْمُخْتَلِفِينَ فِي الْوَصِيَّةِ، وَهُمُ الْمُوصَى لَهُمْ. قَوْلُهُ: فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُتَوَسِّطٌ لِلْإِصْلَاحِ، وَلَيْسَ بِمُبَدِّلٍ بِإِثْمٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ النَّضْرُوِيُّ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَنْمَاطِيُّ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِصْمَةَ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ حَضَرَهُ الْمَوْتُ فَوَضَعَ وَصِيَّتَهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ كَانَ ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لِمَا ضَيَّعَ مِنْ زَكَاتِهِ فِي حَيَاتِهِ"

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية