الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
جزء صفحة
وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَمُوتُ لِمُؤْمِنٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ الْوَلَدِ فَتَمَسُّهُ النَّارُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ". وَهَذَا أَيْضًا مِمَّا فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ: نَرَى قَوْلَهُ: "تَحِلَّةَ الْقَسَمِ" يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا يَقُولُ: فَلَا يَرِدُهَا إِلَّا بِقَدْرِ مَا يَبِرُّ اللَّهُ قَسَمَهُ فِيهِ. وَعَارَضَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِهِ الْمَوْسُومِ بِإِصْلَاحِ الْغَلَطِ، كَمَا عَارَضَهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ، فَقَالَ: هَذَا مَذْهَبُ الْحَسَنِ مِنَ الِاسْتِخْرَاجِ إِنْ كَانَ هَذَا قَسَمًا، قَالَ: وَفِيهِ مَذْهَبٌ آخَرُ أَشْبَهُ بِكَلَامِ الْعَرَبِ وَمَعَانِيهِمْ، وَهُمْ إِذَا أَرَادُوا تَقْلِيلَ مَكْثِ الشَّيْءِ وَتَقْصِيرَ مُدَّتِهِ شَبَّهُوهُ بِتَحْلِيلِ الْقَسَمِ، وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ بَعْدَهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَيَقُولُونَ: مَا يُقِيمُ فُلَانٌ عِنْدَنَا إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، وَمَا يَنَامُ الْعَلِيلُ إِلَّا كَتَحْلِيلِ الْأَلِيَّةِ وَكَحَسْوِ الطَّيْرِ، وَهُوَ كَثِيرٌ مَشْهُورٌ فِي الْكَلَامِ وَالشِّعْرِ، قَالَ: وَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّ النَّارَ لَا تَمَسُّهُ إِلَّا قَلِيلًا كَتَحْلِيلِ الْيَمِينِ، ثُمَّ يُنْجِيهِ اللَّهُ مِنْهَا. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: وَلَا إِشْكَالَ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ إِلَّا أَنَّهُ أَغْفَلَ بَيَانَ مَوْضِعِ الْقَسَمِ، فَتَوَهَّمَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أَنَّهُ لَيْسَ بِقَسَمٍ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ حَدَّثَنِيهِ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ قُتَيْبَةَ الْعَسْقَلَانِيُّ، نَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي السَّرِيِّ، نَا رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ، نَازَبَانُ بْنُ فَايِدٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ حَرَسَ لَيْلَةً مِنْ وَرَاءِ عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ مُتَطَوِّعًا لَمْ يَأْخُذْهُ السُّلْطَانُ، لَمْ يَرَ النَّارَ تَمَسَّهُ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ"، قَالَ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا وَفِي هَذَا مَا يَقْطَعُ بِصِحَّةِ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدٍ. وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَالِكٍ، نَا مُعَاذُ بْنُ الْمُثَنَّى، نَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ السُّدُوسِيُّ، نَا سَعْدُ بْنُ زِيَادٍ أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ كَيْسَانَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ، نَا سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لِابْنِ الزُّبَيْرِ لِصَنِيعٍ كَانَ مِنْهُ: "لَا تَمَسُّكَ النَّارُ إِلَّا قَسَمَ الْيَمِينِ". وَهَذَا اللَّفْظُ خَارِجٌ عَنْ جُمْلَةِ مَا حَكَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ فِي تَحِلَّةِ الْقَسَمِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا إِذَا أَرَادُوا تَقْلِيلَ مَكْثِ الشَّيْءِ وَتَقْصِيرَ مُدَّتِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا قَسَمَ الْيَمِينِ، كَمَا قَالُوا: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو عُبَيْدٍ. قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ: فَإِنْ قِيلَ: فَأَيْنَ مَوْضِعُ الْقَسَمِ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا قِيلَ: هُوَ مَرْدُودٌ إِلَى قَوْلِهِ: فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ . . . الْآيَةَ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الْعَرَبَ تَحْلِفُ وَتُضْمِرُ الْمُقْسَمَ بِهِ كَقَوْلِهِ: وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ مَعْنَاهُ: وَإِنَّ مِنْكُمْ وَاللَّهِ لَمَنْ لَيُبْطِئَنَّ فَأَضْمَرَ "وَاللَّهِ" وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا الْمَعْنَى: وَإِنْ مِنْكُمْ وَاللَّهِ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا، قِيلَ: هُوَ مَرْدُودٌ إِلَى قَوْلِهِ: فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ الْآيَةَ.

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية