الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى : ( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) . أَيْ إِلَّا كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُهُ لَهُ : ( كُنْ ) [ يس : 82 ] هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الظَّاهِرُ ، وَعَلَى هَذَا فَاللَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا قَالَ لَهُ : ( كُنْ ) فَهُنَاكَ شَيْئَانِ : الْإِرَادَةُ وَالْقَوْلُ ، فَالْإِرَادَةُ قَدَرٌ ، وَالْقَوْلُ قَضَاءٌ ، وَقَوْلُهُ : ( وَاحِدَةٌ ) يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : بَيَانُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى تَكْرِيرِ الْقَوْلِ إِشَارَةً إِلَى نَفَاذِ الْأَمْرِ . ثَانِيهِمَا : بَيَانُ عَدَمِ اخْتِلَافِ الْحَالِ ، فَأَمْرُهُ عِنْدَ خَلْقِ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ كَأَمْرِهِ عِنْدَ خَلْقِ النَّمْلِ الصَّغِيرِ ، فَأَمْرُهُ عِنْدَ الْكُلِّ وَاحِدٌ ، وَقَوْلُهُ : ( كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) تَشْبِيهُ الْكَوْنِ لَا تَشْبِيهَ الْأَمْرِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَمْرُنَا وَاحِدَةٌ ، فَإِذْنُ الْمَأْمُورُ كَائِنٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَاجِعًا إِلَى الْأَمْرِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ صِفَةَ مَدْحٍ يَلِيقُ بِهِ ، فَإِنَّ كَلِمَةَ ( كُنْ ) شَيْءٌ أَيْضًا يُوجَدُ ( كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) هَذَا هُوَ التَّفْسِيرُ الظَّاهِرُ الْمَشْهُورُ ، وَفِيهِ وَجْهٌ ظَاهِرٌ ذَهَبَ إِلَيْهِ الْحُكَمَاءُ ، وَهِيَ أَنَّ مَقْدُورَاتِ اللَّهِ تَعَالَى هِيَ الْمُمْكِنَاتُ يُوجِدُهَا بِقُدْرَتِهِ ، وَفِي عَدَمِهَا خِلَافٌ لَا يَلِيقُ بَيَانُهُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ لِطُولِهِ لَا لِسَبَبِ غَيْرِهِ ، ثُمَّ إِنَّ الْمُمْكِنَاتِ الَّتِي يُوجِدُهَا اللَّهُ تَعَالَى قِسْمَانِ : أَحَدُهُمَا : أُمُورٌ لَهَا أَجْزَاءٌ مُلْتَئِمَةٌ عِنْدَ الْتِئَامِهَا يَتِمُّ وُجُودُهَا ، كَالْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ وَالْأَجْسَامِ النَّبَاتِيَّةِ وَالْمَعْدِنِيَّةِ . وَكَذَلِكَ الْأَرْكَانُ الْأَرْبَعَةُ ، وَالسَّمَاوَاتُ ، وَسَائِرُ الْأَجْسَامِ ، وَسَائِرُ مَا يَقُومُ بِالْأَجْسَامِ مِنَ الْأَعْرَاضِ ، فَهِيَ كُلُّهَا مُقَدَّرَةٌ لَهُ وَحَوَادِثُ ، فَإِنَّ أَجْزَاءَهَا تُوجَدُ أَوَّلًا ، ثُمَّ يُوجَدُ فِيهَا التَّرْكِيبُ وَالِالْتِئَامُ بِعَيْنِهَا ، فَفِيهَا تَقْدِيرَاتٌ نَظَرًا إِلَى الْأَجْزَاءِ وَالتَّرْكِيبِ وَالْأَعْرَاضِ . وَثَانِيهِمَا : أُمُورٌ لَيْسَ لَهَا أَجْزَاءٌ وَمَفَاصِلُ وَمَقَادِيرُ امْتِدَادِيَّةٍ ، وَهِيَ الْأَرْوَاحُ الشَّرِيفَةُ الْمُنَوِّرَةُ لِلْأَجْسَامِ ، وَقَدْ أَثْبَتَهَا جَمِيعُ الْفَلَاسِفَةِ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ ، وَوَافَقَهُمْ جَمْعٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَقَطَعَ بِهَا كَثِيرٌ مِمَّنْ لَهُ قَلْبٌ مِنْ أَصْحَابِ الرِّيَاضَاتِ وَأَرْبَابِ الْمُجَاهَدَاتِ ، فَتِلْكَ الْأُمُورُ وُجُودُهَا وَاحِدٌ لَيْسَ يُوجَدُ أَوَّلًا أَجْزَاءٌ ، وَثَانِيًا تَتَحَقَّقُ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ بِخِلَافِ الْأَجْسَامِ وَالْأَعْرَاضِ الْقَائِمَةِ بِهَا . إِذَا عَرَفْتَ هَذَا قَالُوا : الْأَجْسَامُ خَلْقِيَّةٌ قَدَرِيَّةٌ ، وَالْأَرْوَاحُ إِبْدَاعِيَّةٌ أَمْرِيَّةٌ ، وَقَالُوا : إِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ) [ الْأَعْرَافِ : 54 ] فَالْخَلْقُ فِي الْأَجْسَامِ وَالْأَمْرُ فِي الْأَرْوَاحِ ، ثُمَّ قَالُوا : لَا يَنْبَغِي أَنْ يُظَنَّ بِهَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ الْأَخْبَارِ ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلُ ، وَرُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ : خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْوَاحَ قَبْلَ الْأَجْسَامِ بِأَلْفَيْ عَامٍ وَقَالَ تَعَالَى : ( اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ) فَالْخَلْقُ أُطْلِقَ عَلَى إِيجَادِ الْأَرْوَاحِ وَالْعَقْلِ لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْخَلْقِ عَلَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ جَائِزٌ ، وَإِنَّ الْعَالَمَ بِالْكُلِّيَّةِ حَادِثٌ وَإِطْلَاقُ الْخَلْقِ بِمَعْنَى الْإِحْدَاثِ جَائِزٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي حَقِيقَةِ الْخَلْقِ تَقْدِيرٌ فِي أَصْلِ اللُّغَةِ وَلَا كَذَلِكَ فِي الْإِحْدَاثِ ، وَلَوْلَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْعِبَارَتَيْنِ وَإِلَّا لَاسْتَقْبَحَ الْفَلْسَفِيُّ مِنْ أَنْ يَقُولَ الْمَخْلُوقُ قَدِيمٌ كَمَا يَسْتَقْبِحُ مِنْ أَنَّ الْمُحْدَثَ قَدِيمٌ ، فَإِنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْوَاحَ بِمَعْنَى أَحْدَثَهَا بِأَمْرِهِ ، وَفِي هَذَا الْإِطْلَاقِ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ وَهِيَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ غَيَّرَ الْعِبَارَةَ وَقَالَ فِي الْأَرْوَاحِ أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ بِالْأَمْرِ وَالْأَجْسَامِ بِالْخَلْقِ لَظَنَّ الَّذِي لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ الْعِلْمَ الْكَثِيرَ أَنَّ الرُّوحَ لَيْسَتْ بِمَخْلُوقَةٍ بِمَعْنَى لَيْسَتْ بِمُحْدَثَةٍ ، فَكَانَ يَضِلُّ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بُعِثَ رَحْمَةً ، وَقَالُوا : إِذَا نَظَرْتَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) [ الْإِسْرَاءِ : 85 ] وَإِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) [ الْأَعْرَافِ : 54 ] وَإِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ( ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 14 ] تَجِدُ التَّفَاوُتَ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالْخَلْقِ وَالْأَرْوَاحِ وَالْأَشْبَاحِ حَيْثُ جَعَلَ لِخَلْقِ بَعْضِ الْأَجْسَامِ زَمَانًا مُمْتَدًّا هُوَ سِتَّةُ أَيَّامٍ ، وَجَعَلَ لِبَعْضِهَا تَرَاخِيًا وَتَرْتِيبًا بِقَوْلِهِ : ( ثُمَّ خَلَقْنَا ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 14 ] وَبِقَوْلِهِ : ( فَخَلَقْنَا ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 14 ] وَلَمْ يَجْعَلْ لِلرُّوحِ ذَلِكَ ، ثُمَّ قَالُوا : يَنْبَغِي أَنْ لَا يُظَنَّ بِقَوْلِنَا هَذَا إِنَّ الْأَجْسَامَ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ زَمَانٍ مُمْتَدٍّ وَأَيَّامٍ حَتَّى يُوجِدَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ ، بَلِ اللَّهُ مُخْتَارٌ إِنْ أَرَادَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَالْإِنْسَانَ وَالدَّوَابَّ وَالشَّجَرَ وَالنَّبَاتَ فِي أَسْرَعِ مِنْ لَمْحِ الْبَصَرِ لَخَلَقَهَا كَذَلِكَ ، وَلَكِنْ مَعَ هَذَا لَا تَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا مَوْجُودَاتٍ حَصَلَتْ لَهَا أَجْزَاءٌ وَوُجُودُ أَجْزَائِهَا قَبْلَ وُجُودِ التَّرْكِيبِ فِيهَا وَوُجُودُهَا بَعْدَ وُجُودِ الْأَجْزَاءِ وَالتَّرْكِيبِ فِيهَا ، فَهِيَ سِتَّةٌ ثَلَاثَةٌ فِي ثَلَاثَةٍ كَمَا يَخْلُقُ اللَّهُ الْكَسْرَ وَالِانْكِسَارَ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ وَلَهُمَا تَرْتِيبٌ عَقْلِيٌّ . فَالْجِسْمُ إِذَنْ كَيْفَمَا فَرَضْتَ خَلْقَهُ فَفِيهِ تَقْدِيرُ وُجُودَاتٍ كُلُّهَا بِإِيجَادِ اللَّهِ عَلَى التَّرْتِيبِ ، وَالرُّوحُ لَهَا وُجُودٌ وَاحِدٌ بِإِيجَادِ اللَّهِ تَعَالَى . هَذَا قَوْلُهُمْ . وَلْنَذْكُرْ مَا فِي الْخَلْقِ وَالْأَمْرِ مِنَ الْوُجُوهِ الْمَنْقُولَةِ وَالْمَعْقُولَةِ : أَحَدُهَا : مَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَمْرَ هُوَ كَلِمَةُ : ( كُنْ ) وَالْخَلْقَ هُوَ مَا بِالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ . ثَانِيهَا : مَا ذَكَرُوا فِي الْأَجْسَامِ أَنَّ مِنْهَا الْأَرْوَاحَ . ثَالِثُهَا : هُوَ أَنَّ اللَّهَ لَهُ قُدْرَةٌ بِهَا الْإِيجَادُ وَإِرَادَةٌ بِهَا التَّخْصِيصُ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُحْدَثَ لَهُ وُجُودٌ مُخْتَصٌّ بِزَمَانٍ وَلَهُ مِقْدَارٌ مُعَيَّنٌ فَوُجُودُهُ بِالْقُدْرَةِ وَاخْتِصَاصُهُ بِالزَّمَانِ بِالْإِرَادَةِ ، فَالَّذِي بِقُدْرَتِهِ خَلْقٌ وَالَّذِي بِالْإِرَادَةِ أَمْرٌ حَيْثُ يُخَصِّصُهُ بِأَمْرِهِ بِزَمَانٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْمَنْقُولُ وَالْمَعْقُولُ ، أَمَّا الْمَنْقُولُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) [ يس : 82 ] جَعَلَ ( كُنْ ) لِتَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ : ( كُنْ ) لَيْسَ هُوَ الْحَرْفَ وَالْكَلِمَةَ الَّتِي مِنَ الْكَافِ وَالنُّونِ ، لِأَنَّ الْحُصُولَ أَسْرَعُ مِنْ كَلِمَةِ كُنْ إِذَا حَمَلْتَهَا عَلَى حَقِيقَةِ اللَّفْظِ ، فَإِنَّ الْكَافَ وَالنُّونَ لَا يُوجِدُ مِنْ مُتَكَلِّمٍ وَاحِدٍ إِلَّا التَّرْتِيبَ ، فَفِي كُنْ لَفْظُ زَمَانٍ وَالْكَوْنُ بَعْدُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَيَكُونُ ) بِالْفَاءِ فَإِذَنْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِكُنْ حَقِيقَةَ الْحَرْفِ وَالصَّوْتِ لَكَانَ الْحُصُولُ بَعْدَهُ بِزَمَانٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : يُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ الْحَرْفَانِ مَعًا وَلَيْسَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى كَكَلَامِنَا يَحْتَاجُ إِلَى الزَّمَانِ . قُلْنَا : قَدْ جَعَلَ لَهُ مَعْنًى غَيْرَ مَا نَفْهَمُهُ مِنَ اللَّفْظِ . وَأَمَّا الْمَعْقُولُ فَلِأَنَّ الِاخْتِصَاصَ بِالزَّمَانِ لَيْسَ لِمَعْنًى وَعِلَّةٍ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْخَلْقَ وَالْإِيجَادَ لِحِكْمَةٍ ، وَقَالَ : بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَرْضَ لِتَكُونَ مَقَرَّ النَّاسِ أَوْ مِثْلَ هَذَا مِنَ الْحُكْمِ ، وَلَمْ يِمْكِنْهُ أَنْ يَقُولُ : خَلَقَ الْأَرْضَ فِي الزَّمَانِ الْمَخْصُوصِ لِتَكُونَ مَقَرًّا لَهُمْ لِأَنَّهُ لَوْ خَلَقَهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ لَكَانَتْ أَيْضًا مَقَرًّا لَهُمْ ، فَإِذَنِ التَّخْصِيصُ لَيْسَ لِمَعْنًى فَهُوَ لِمَحْضِ الْحِكْمَةِ ، فَهُوَ يُشْبِهُ أَمْرَ الْمَلِكِ الْجَبَّارِ الَّذِي يَأْمُرُ وَلَا يُقَالُ لَهُ : لِمَ أَمَرْتَ وَلِمَ فَعَلْتَ وَلَا يُعْلَمُ مَقْصُودُ الْآمِرِ إِلَّا مِنْهُ . رَابِعُهَا : هُوَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ الْمَخْلُوقَةَ لَا تَنْفَكُّ عَنْ أَوْصَافٍ ثَلَاثَةٍ أَوْ عَنْ وَصْفَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ ، مِثَالُهُ الْجِسْمُ لَا بُدَّ لَهُ بَعْدَ خَلْقِهِ أَنْ يَكُونَ مُتَحَيِّزًا وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَاكِنًا أَوْ مُتَحَرِّكًا ، فَإِيجَادُهُ أَوَّلًا بِخَلْقِهِ وَمَا هُوَ عَلَيْهِ بِأَمْرِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) إِلَى أَنْ قَالَ : ( مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ) [ الْأَعْرَافِ : 54 ] فَجَعَلَ مَا لَهَا بَعْدَ خَلْقِهَا مِنَ الْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَغَيْرِهِمَا بِأَمْرِهِ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَقْلُ فَقَالَ لَهُ أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ ثُمَّ قَالَ لَهُ أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ جَعَلَ الْخَلْقَ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْأَمْرَ فِي الْوَصْفِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ) ثُمَّ قَالَ : ( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ ) وَقَدْ ذَكَرْنَا تَفْسِيرَهُ . خَامِسُهَا : مَخْلُوقَاتُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي أَسْرَعِ مَا يَكُونُ كَالْعَقْلِ وَغَيْرِهِ . وَثَانِيهِمَا : خَلَقَهُ بِمُهْلَةٍ كَالسَّمَاوَاتِ وَالْإِنْسَانِ وَالْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ ، فَالْمَخْلُوقُ سَرِيعًا أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْأَمْرَ ، وَالْمَخْلُوقُ بِمُهْلَةٍ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الْخَلْقَ ، وَهَذَا مِثْلُ الْوَجْهِ الثَّانِي . سَادِسُهَا : مَا قَالَهُ . . . الدِّينِ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا ) [ فُصِّلَتْ : 11 ] وَهُوَ أَنَّ الْخَلْقَ هُوَ التَّقْدِيرُ وَالْإِيجَادُ بَعْدَهُ بَعْدِيَّةٌ تَرْتِيبِيَّةٌ لَا زَمَانِيَّةٌ ، فَفِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ السَّمَاوَاتِ تَكُونُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ تَقْدِيرِيَّةٌ ، فَهُوَ قَدَّرَ خَلْقَهُ كَمَا عَلِمَ وَهُوَ إِيجَادٌ . فَالْأَوَّلُ خَلْقٌ وَالثَّانِي وَهُوَ الْإِيجَادُ أَمْرٌ ، وَأُخِذَ هَذَا مِنَ الْمَفْهُومِ اللُّغَوِيِّ ، قَالَ الشَّاعِرُ : وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَا يَفْرِي أَيْ يُقَدِّرُ وَلَا يَقْطَعُ وَلَا يَفْصِلُ ، كَالْخَيَّاطِ الَّذِي يُقَدِّرُ أَوَّلًا ، وَيَقْطَعُ ثَانِيًا ، وَهُوَ قَرِيبٌ إِلَى اللُّغَةِ ، لَكِنَّهُ بَعِيدُ الِاسْتِعْمَالِ فِي الْقُرْآنِ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيْثُ ذَكَرَ الْخَلْقَ أَرَادَ الْإِيجَادَ مِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ ) [ لُقْمَانَ : 25 ] وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ ) [ يس : 77 ] وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّا قَدَّرْنَا أَنَّهُ سَيُوجَدُ مِنْهَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ . سَابِعُهَا : الْخَلْقُ هُوَ الْإِيجَادُ ابْتِدَاءً ، وَالْأَمْرُ هُوَ مَا بِهِ الْإِعَادَةُ ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ أَوَّلًا بِمُهْلَةٍ ، ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَبْعَثُهُمْ فِي أَسْرَعِ مِنْ لَحْظَةٍ ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ : ( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ) [ الصَّافَّاتِ : 19 ] وَقَوْلِهِ : ( صَيْحَةً وَاحِدَةً ) [ يس : 29 ] وَ ( نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ ) [ الْحَاقَّةِ : 13 ] وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ : ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) [ الْقَمَرِ : 49 ] إِشَارَةٌ إِلَى الْوَحْدَانِيَّةِ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ ) إِلَى الْحَشْرِ فَكَأَنَّهُ بَيَّنَ الْأَصْلَ الْأَوَّلَ وَالْأَصْلَ الْآخِرَ بِالْآيَاتِ . ثَامِنُهَا : الْإِيجَادُ خَلْقٌ وَالْإِعْدَامُ أَمْرٌ ، يَعْنِي يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ الْغِلَاظِ الشِّدَادِ أَهْلِكُوا وَافْعَلُوا فَلَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَلَا يُوقِفُونَ الِامْتِثَالَ عَلَى إِعَادَةِ الْأَمْرِ مَرَّةً أُخْرَى فَأَمْرُهُ مَرَّةً وَاحِدَةً يَعْقُبُهُ الْعَدَمُ وَالْهَلَاكُ . وَفِيهِ لَطِيفَةٌ : وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْإِيجَادَ الَّذِي هُوَ مِنَ الرَّحْمَةِ بِيَدِهِ ، وَالْإِهْلَاكُ يُسَلِّطُ عَلَيْهِ رُسُلَهُ وَمَلَائِكَتَهُ ، وَجَعَلَ الْمَوْتَ بِيَدِ مَلَكِ الْمَوْتِ وَلَمْ يَجْعَلِ الْحَيَاةَ بِيَدِ مَلَكٍ ، وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِهَذَا الْمَوْضِعِ ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ النِّعْمَةَ بِقَوْلِهِ : ( إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ ) وَبَيَّنَ قُدْرَتَهُ عَلَى النِّقْمَةِ فَقَالَ : ( وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ ) . ( وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ) [ الْمُؤْمِنُونَ : 18 ] وَهُوَ كَقَوْلِهِ : ( فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ ) [ هُودٍ : 40 ] عِنْدَ الْعَذَابِ ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا ) [ هُودٍ : 66 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : ( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا ) [ هُودٍ : 82 ] وَكَمَا ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْحِكَايَاتِ الْعَذَابَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ ، وَبَيَّنَ الْإِهْلَاكَ بِهِ كَذَلِكَ هَهُنَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا نَظَرْتَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْحِكَايَاتِ وَوَجَدْتَهَا عَيْنَ تِلْكَ الْحِكَايَاتِ يُقَوِّي هَذَا الْقَوْلَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ) يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ . تَاسِعُهَا : فِي مَعْنَى اللَّمْحِ بِالْبَصَرِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : النَّظَرُ بِالْعَيْنِ يُقَالُ : لَمَحْتُهُ بِبَصَرِي كَمَا يُقَالُ : نَظَرْتُ إِلَيْهِ بِعَيْنِي ، وَالْبَاءُ حِينَئِذٍ كَمَا يُذْكَرُ فِي الْآيَاتِ فَيُقَالُ : كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ ، وَاخْتَارَ هَذَا الْمِثَالَ لِأَنَّ النَّظَرَ بِالْعَيْنِ أَسْرَعُ حَرَكَةٍ تُوجَدُ فِي الْإِنْسَانِ لِأَنَّ الْعَيْنَ وُجِدَ فِيهَا أُمُورٌ تُعِينُ عَلَى سُرْعَةِ الْحَرَكَةِ . أَحَدُهَا : قُرْبُ الْمُحَرِّكِ مِنْهَا فَإِنَّ الْمُحَرِّكَ الْعَصَبِيَّةُ وَمَنْبَتُهَا الدِّمَاغُ وَالْعَيْنُ فِي غَايَةِ الْقُرْبِ مِنْهُ . ثَانِيهَا : صِغَرُ حَجْمِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْصَى عَلَى الْمُحَرِّكِ وَلَا تَثْقُلُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْعِظَامِ . ثَالِثُهَا : اسْتِدَارَةُ شَكْلِهَا فَإِنَّ دَحْرَجَةَ الْكُرَةِ أَسْهَلُ مِنْ دَحْرَجَةِ الْمُرَبَّعِ وَالْمُثَلَّثِ . رَابِعُهَا : كَوْنُهَا فِي رُطُوبَةٍ مَخْلُوقَةٍ فِي الْعُضْوِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُهَا ، وَهَذِهِ الْحِكْمَةُ فِي أَنَّ الْمَرْئِيَّاتِ فِي غَايَةِ الْكَثْرَةِ بِخِلَافِ الْمَأْكُولَاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ وَالْمَقَاصِدِ الَّتِي تُقْصَدُ بِالْأَرْجُلِ وَالْمَذُوقَاتِ ، فَلَوْلَا سُرْعَةُ حَرَكَةِ الْآلَةِ الَّتِي بِهَا إِدْرَاكُ الْمُبْصَرَاتِ لَمَا وَصَلَ إِلَى الْكُلِّ إِلَّا بَعْدَ طُولِ زَمَانٍ . وَثَانِيهِمَا : اللَّمْحُ بِالْبَصَرِ مَعْنَاهُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ بِالْبَصَرِ ، وَيَمُرُّ بِهِ سَرِيعًا ، وَالْبَاءُ حِينَئِذٍ لِلْإِلْصَاقِ لَا لِلِاسْتِعَانَةِ ، كَقَوْلِهِ : مَرَرْتُ بِهِ وَذَلِكَ فِي غَايَةِ السُّرْعَةِ ، وَقَوْلُهُ : ( بِالْبَصَرِ ) فِيهِ فَائِدَةٌ وَهِيَ غَايَةُ السُّرْعَةِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ : كَلَمْحِ الْبَرْقِ حِينَ بَرَقَ وَيَبْتَدِئُ حَرَكَتَهُ مِنْ مَكَانٍ وَيَنْتَهِي إِلَى مَكَانٍ آخَرَ فِي أَقَلِّ زَمَانٍ يُفْرَضُ لَصَحَّ ، لَكِنْ مَعَ هَذَا فَالْقَدْرُ الَّذِي مُرُورُهُ يَكُونُ بِالْبَصَرِ أَقَلُّ مِنَ الَّذِي يَكُونُ مِنْ مُبْتَدَاهُ إِلَى مُنْتَهَاهُ ، فَقَالَ : ( كَلَمْحِ ) لَا كَمَا قِيلَ : مِنَ الْمَبْدَأِ إِلَى الْمُنْتَهَى بَلِ الْقَدْرُ الَّذِي يَمُرُّ بِالْبَصَرِ وَهُوَ غَايَةُ الْقِلَّةِ وَنِهَايَةُ السُّرْعَةِ .

                                                                                                                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية