الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                            ( أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) قَوْلُهُ تَعَالَى : ( أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) اعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ النَّوْعُ الرَّابِعُ مِنْ تَخْوِيفِ الْكُفَّارِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ذَكَّرَهُمْ بِالنِّعَمِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهِمْ فِي الْأَنْفُسِ ، وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ ذَكَّرَهُمْ بِالنِّعَمِ الَّتِي لَهُ عَلَيْهِمْ فِي الْآفَاقِ ، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ : ( وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ) ، وَالسَّبَبُ فِيهِ مَا قَدَّمْنَا أَنَّ النِّعَمَ كُلَّمَا كَانَتْ أَكْثَرَ كَانَتِ الْجِنَايَةُ أَقْبَحَ ، فَكَانَ اسْتِحْقَاقُ الذَّمِّ عَاجِلًا وَالْعِقَابِ آجِلًا أَشَدَّ ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ تِلْكَ الْآيَةَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّ النِّعَمَ الَّتِي فِي الْأَنْفُسِ كَالْأَصْلِ لِلنِّعَمِ الَّتِي فِي الْآفَاقِ ، فَإِنَّهُ لَوْلَا الْحَيَاةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالْأَعْضَاءُ السَّلِيمَةُ لَمَا كَانَ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقِ مُمْكِنًا . وَاعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ هَهُنَا ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ : أَوَّلُهَا : الْأَرْضُ ، وَإِنَّمَا قَدَّمَهَا لِأَنَّ أَقْرَبَ الْأَشْيَاءِ إِلَيْنَا مِنَ الْأُمُورِ الْخَارِجِيَّةِ هُوَ الْأَرْضُ ، وَمَعْنَى الْكِفَاتِ فِي اللُّغَةِ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ ، يُقَالُ : كَفَتُّ الشَّيْءَ أَيْ ضَمَمْتُهُ ، وَيُقَالُ : جِرَابٌ كَفِيتٌ وَكِفْتٌ إِذَا كَانَ لَا يُضَيِّعُ شَيْئًا مِمَّا يُجْعَلُ فِيهِ ، وَيُقَالُ لِلْقِدْرِ : كِفْتٌ . قَالَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ : هُوَ اسْمُ مَا يَكْفِتُ ، كَقَوْلِهِمْ : الضِّمَامُ وَالْجِمَاعُ لِمَا يَضُمُّ وَيَجْمَعُ ، وَيُقَالُ : هَذَا الْبَابُ جِمَاعُ الْأَبْوَابِ ، وَتَقُولُ : شَدَدْتُ الشَّيْءَ ، ثُمَّ تُسَمِّي الْخَيْطَ الَّذِي تَشْدُدُ بِهِ الشَّيْءَ شِدَادًا ، وَبِهِ انْتَصَبَ ( أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ) كَأَنَّهُ قِيلَ : كَافِتَةً أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ، أَوْ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ نَكْفِتُ ، وَيَكُونُ الْمَعْنَى نَكْفِتُكُمْ أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ، فَيُنْصَبَانِ عَلَى الْحَالِ مِنَ الضَّمِيرِ ، هَذَا هُوَ اللُّغَةُ ، ثُمَّ فِي الْمَعْنَى وُجُوهٌ : أَحَدُهَا : أَنَّهَا تَكْفِتُ أَحْيَاءً عَلَى ظَهْرِهَا وَأَمْوَاتًا فِي بَطْنِهَا ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْأَحْيَاءَ يَسْكُنُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ وَالْأَمْوَاتَ يُدْفَنُونَ فِي قُبُورِهِمْ ، وَلِهَذَا كَانُوا يُسَمُّونَ الْأَرْضَ أُمًّا ؛ لِأَنَّهَا فِي ضَمِّهَا لِلنَّاسِ كَالْأُمِّ الَّتِي تَضُمُّ وَلَدَهَا وَتَكْفُلُهُ ، وَلَمَّا كَانُوا يُضَمُّونَ إِلَيْهَا ، جُعِلَتْ كَأَنَّهَا تَضُمُّهُمْ . وَثَانِيهَا : أَنَّهَا كِفَاتُ الْأَحْيَاءِ ، بِمَعْنَى أَنَّهَا تَكْفِتُ مَا يَنْفَصِلُ عَنِ الْأَحْيَاءِ مِنَ الْأُمُورِ الْمُسْتَقْذَرَةِ ، فَأَمَّا أَنَّهَا تَكْفِتُ [ الْأَحْيَاءَ ] حَالَ كَوْنِهِمْ عَلَى ظَهْرِهَا فَلَا . وَثَالِثُهَا : أَنَّهَا كِفَاتُ الْأَحْيَاءِ بِمَعْنَى أَنَّهَا جَامِعَةٌ لِمَا يَحْتَاجُ الْإِنْسَانُ إِلَيْهِ فِي حَاجَاتِهِ مِنْ مَأْكَلٍ وَمَشْرَبٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ ، وَالْأَبْنِيَةُ الْجَامِعَةُ لِلْمَصَالِحِ الدَّافِعَةُ لِلْمَضَارِّ مَبْنِيَّةٌ مِنْهَا . وَرَابِعُهَا : أَنَّ قَوْلَهُ : ( أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ) مَعْنَاهُ رَاجِعٌ إِلَى الْأَرْضِ ، وَالْحَيُّ مَا أُنْبِتَ ، وَالْمَيِّتُ مَا لَمْ يُنْبَتْ . بَقِيَ فِي الْآيَةِ سُؤَالَانِ : الْأَوَّلُ : لِمَ قِيلَ : ( أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا ) عَلَى التَّنْكِيرِ ، وَهِيَ كِفَاتُ الْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ جَمِيعًا ؟ الْجَوَابُ : هُوَ مِنْ تَنْكِيرِ التَّفْخِيمِ ، كَأَنَّهُ قِيلَ : تَكْفِتُ أَحْيَاءً لَا يُعَدُّونَ ، وَأَمْوَاتًا لَا يُحْصَرُونَ . السُّؤَالُ الثَّانِي : هَلْ تَدُلُّ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى وُجُوبِ قَطْعِ النَّبَّاشِ ؟ الْجَوَابُ : نَقَلَ الْقَفَّالُ أَنَّ رَبِيعَةَ قَالَ : دَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ كِفَاتُ الْمَيِّتِ فَتَكُونُ حِرْزًا لَهُ ، وَالسَّارِقُ مِنَ الْحِرْزِ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ . النَّوْعُ الثَّانِي مِنَ النِّعَمِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ ) ، فَقَوْلُهُ : ( رَوَاسِيَ ) أَيْ : ثَوَابِتَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ لَا تَزُولُ ، وَ ( شَامِخَاتٍ ) أَيْ عَالِيَاتٍ ، وَكُلُّ عَالٍ فَهُوَ شَامِخٌ ، وَيُقَالُ لِلْمُتَكَبِّرِ : شَامِخٌ بِأَنْفِهِ . وَمَنَافِعُ خِلْقَةِ الْجِبَالِ قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي هَذَا الْكِتَابِ . النَّوْعُ الثَّالِثُ مِنَ النِّعَمِ : قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا ) ، الْفُرَاتُ هُوَ الْغَايَةُ فِي الْعُذُوبَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي قَوْلِهِ : ( هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ ) [ الْفُرْقَانِ : 53 ] .

                                                                                                                                                                                                                                            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                            الخدمات العلمية