الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنَّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْيَدِ ، فَإِنْ كَانَتْ أَصَابِعُهُ مُنْفَرِجَةً فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَلِّلَ بَيْنَهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ : { وَخَلِّلْ بَيْنَ الْأَصَابِعِ } وَإِنْ كَانَتْ مُلْتَفَّةً لَا يَصِلُ الْمَاءُ إلَيْهَا إلَّا بِالتَّخْلِيلِ وَجَبَ التَّخْلِيلُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { خَلِّلُوا بَيْنَ أَصَابِعِكُمْ لَا يُخَلِّلْ اللَّهُ بَيْنَهَا بِالنَّارِ } ) . المجموع ( الشَّرْحُ ) حَدِيثُ لَقِيطٍ صَحِيحٌ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي الْمَضْمَضَةِ ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ ، وَفِي التَّخْلِيلِ أَحَادِيثُ مِنْهَا حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ : { تَوَضَّأَ فَخَلَّلَ بَيْنَ أَصَابِعِ قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ كَمَا فَعَلْتُ } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ وَاجْعَلْ الْمَاءَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْكَ وَرِجْلَيْكَ } رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَهَذَا كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ . وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ وَقَدْ ضَعَّفَهُ مَالِكٌ فَلَعَلَّهُ اُعْتُضِدَ فَصَارَ حَسَنًا كَمَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ . وَعَنْ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادِ قَالَ : { رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَخَلَّلَ أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ بِخِنْصِرِهِ } رَوَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ . ( أَمَّا الْأَحْكَامُ ) : فَهُنَا مَسْأَلَتَانِ : ( إحْدَاهُمَا ) يُسْتَحَبُّ فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ تَقْدِيمُ الْيُمْنَى بَلْ يُكْرَهُ تَقْدِيمُ الْيُسْرَى وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ هَذَا وَدَلِيلُهُ فِي فَصْلِ الْيَدَيْنِ : وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ يَبْدَأُ بِالْيُمْنَى قَبْلَ الْيُسْرَى هُوَ مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ ، وَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِهِ قَبْلَ الْيُسْرَى وَقَدْ سَبَقَ هَذَا فِي فَصْلِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ . ( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ) فِي التَّخْلِيلِ قَالَ أَصْحَابُنَا : إنْ كَانَتْ أَصَابِعُ رِجْلَيْهِ مُنْفَرِجَةً اُسْتُحِبَّ التَّخْلِيلُ وَلَا يَجِبُ ، وَحَدِيثُ لَقِيطٍ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ أَوْ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ إلَى مَا بَيْنهَا إلَّا بِالتَّخْلِيلِ ، وَإِنْ كَانَتْ مُلْتَفَّةً وَجَبَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَى مَا بَيْنَهَا ، وَلَا يَتَعَيَّنُ فِي إيصَالِهِ التَّخْلِيلُ ، بَلْ بِأَيِّ طَرِيقٍ أَوْصَلَهُ حَصَلَ الْوَاجِبُ ، وَيُسْتَحَبُّ مَعَ إيصَالِهِ التَّخْلِيلُ ، فَالتَّخْلِيلُ مُسْتَحَبٌّ مُطْلَقًا وَإِيصَالُ الْمَاءِ وَاجِبٌ ، وَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَشَيْخِهِ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْمَاوَرْدِيِّ وَالْبَغَوِيِّ وَالْمُتَوَلِّي وَغَيْرِهِمْ : إنْ كَانَتْ مُلْتَفَّةً وَجَبَ التَّخْلِيلُ ، أَرَادُوا بِهِ إيصَالَ الْمَاءِ ; لِأَنَّهُمْ فَرَضُوا الْمَسْأَلَةَ فِيمَا إذَا لَمْ يَصِلْ الْمَاءُ إلَّا بِالتَّخْلِيلِ . وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ التَّخْلِيلِ فَقَالَ الْخُرَاسَانِيُّونَ : يُخَلِّلُ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُسْرَى وَيَكُونُ مِنْ أَسْفَلِ الْقَدَمِ مُبْتَدِئًا بِخِنْصَرِ رِجْلِهِ الْيُمْنَى وَيَخْتِمُ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى ، مِمَّنْ ذَكَرَهُ هَكَذَا الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبُ الْعُدَّةِ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ فِي تَعْلِيقِهِ : يُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَلِّلَ بِخِنْصَرِ يَدِهِ الْيُمْنَى مِنْ تَحْتِ الرِّجْلِ . وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : لَسْتُ أَرَى لِتَعْيِينِ الْيَدِ الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى فِي ذَلِكَ أَصْلًا إلَّا النَّهْيَ عَنْ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْيَمِينِ ، وَلَيْسَ تَخْلِيلُ الْأَصَابِعِ مُشَابِهًا لَهُ فَلَا حَجْرَ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ فِي اسْتِعْمَالِ الْيَمِينِ أَوْ الْيَسَارِ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فِي غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ، وَخَلَلُ الْأَصَابِعِ جُزْءٌ مِنْهَا ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدِي فِي تَعْيِينِ إحْدَى الْيَدَيْنِ شَيْءٌ . وَذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْبَسِيطِ أَنَّ مُسْتَنِدَ الْأَصْحَابِ فِي تَعْيِينِ الْيُسْرَى الِاسْتِنْجَاءُ ، ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ ، وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ هَذَا الْمَشْهُورَ عَنْ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنْ اسْتِحْبَابِ خِنْصَرِ الْيُسْرَى ، وَنَقَلَهُ عَنْ مُعْظَمِ الْأَئِمَّةِ ، ثُمَّ حَكَى عَنْ أَبِي طَاهِرٍ الزِّيَادِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يُخَلِّلُ مَا بَيْنَ كُلِّ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ بِأُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ يَدِهِ لِيَكُونَ بِمَاءٍ جَدِيدٍ ، وَيَتْرُكُ الْإِبْهَامَيْنِ فَلَا يُخَلِّلُ بِهِمَا لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُسْرِ ، فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذَا أَنَّ التَّخْلِيلَ مِنْ أَسْفَلِ الرِّجْلِ وَيَبْدَأُ مِنْ خِنْصَرِ الْيَمِينِ . وَفِي الْأُصْبُعِ الَّتِي يُخَلِّلُ بِهَا أَوْجُهٌ : الْأَشْهَرُ أَنَّهَا خِنْصَرُ الْيُسْرَى . ( وَالثَّانِي ) خِنْصَرُ الْيُمْنَى ، قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ . ( الثَّالِثُ ) قَوْلُ أَبِي طَاهِرٍ . ( الرَّابِعُ ) قَوْلُ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ يَدٌ وَهُوَ الرَّاجِحُ الْمُخْتَارُ . هَذَا حُكْمُ تَخْلِيلِ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ ، وَأَمَّا أَصَابِعُ الْيَدَيْنِ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْجُمْهُورُ وَجَاءَ فِيهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ ، وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ اسْتِحْبَابَ تَخْلِيلِهِمَا عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، قَالَ الرَّافِعِيُّ : سَكَتَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ ، وَقَالَ ابْنُ كَجٍّ : يُسْتَحَبُّ لِحَدِيثِ لَقِيطٍ فَإِنَّ الْأَصَابِعَ تَشْمَلُهَا ، وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : وَعَلَى هَذَا يَكُونُ تَخْلِيلُهُمَا بِالتَّشْبِيكِ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية