المهذب
[ ص: 77 ] قال المصنف رحمه الله تعالى ( ومن أحدث حرمت عليه الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم : " { لا يقبل الله صلاة بغير طهور } " ويحرم عليه الطواف ، لقوله : صلى الله عليه وسلم " { الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام } ويحرم عليه مس المصحف لقوله تعالى { لا يمسه إلا المطهرون } ولما روى حكيم بن حزام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " { لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر } " ويحرم عليه حمله في كمه ; لأنه إذا حرم مسه فلأن يحرم حمله وهو في الهتك أبلغ وأولى . ويجوز أن يتركه بين يديه ويتصفح أوراقه بخشبة ; لأنه غير مباشر له ولا حامل له . وهل يجوز للصبيان حمل الألواح وهم محدثون ؟ فيه وجهان : ( أحدهما ) لا يجوز كما لا يجوز لغيرهم .
( والثاني ) يجوز ; لأن طهارتهم لا تنحفظ وحاجتهم إلى ذلك ماسة ، وإن حمل رجل متاعا ، وفي جملته مصحف وهو محدث جاز ; لأن القصد نقل المتاع فعفي عما فيه من القرآن كما لو كتب كتابا إلى دار الشرك وفيه آيات من القرآن ، وإن حمل كتابا من كتب الفقه وفيه آيات من القرآن أو حمل الدراهم الأحدية أو الثياب التي طرزت بآيات من القرآن ففيه وجهان : ( أحدهما ) لا يجوز ; لأنه يحمل القرآن .
( والثاني ) يجوز ; لأن القصد منه غير القرآن ، وإن كان على موضع من بدنه نجاسة فمس المصحف بغيره جاز ، وقال القاضي أبو القاسم الصيمري رحمه الله : لا يجوز كما لا يجوز للمحدث أن يمس المصحف بظهره ، وإن كانت الطهارة تجب في غيره وهذا لا يصح ; لأن حكم الحدث يتعدى وحكم النجاسة لا يتعدى محلها ) .
( فرع ) في مسائل : ( إحداها ) أجمع المسلمون على جواز قراءة القرآن للمحدث والأفضل أنه يتطهر لها ، قال إمام الحرمين والغزالي في البسيط : ولا نقول قراءة المحدث مكروهة ، فقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ مع الحدث .
( الثانية ) كتاب تفسير القرآن إن كان القرآن فيه أكثر ، كبعض كتب غريب القرآن حرم مسه وحمله وجها واحدا ، كذا ذكره الماوردي وغيره ونقله الروياني عن الأصحاب ، وإن كان التفسير أكثر كما هو الغالب ففيه أوجه أصحها لا يحرم ; لأنه ليس بمصحف ، وبهذا قطع الدارمي وغيره . والثاني : يحرم لتضمينه قرآنا كثيرا . والثالث : إن كان القرآن متميزا عن التفسير بخط غليظ حمرة أو صفرة ونحو ذلك حرم وإلا فلا ، وبه قطع القاضي حسين وصاحباه المتولي والبغوي وضعفه غيرهم . قال المتولي : وإذا لم يحرم كره . وأما كتب القراءات فجعلها الشيخ نصر المقدسي ككتب الفقه وقطع هو بجوازها . وأما كتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطلق الماوردي والقاضي حسين والبغوي وغيرهم جواز مسها وحملها مع الحدث ; وقال المتولي والروياني : يكره ، والمختار ما قاله آخرون أنه إن لم يكن فيها شيء من القرآن جاز ; والأولى أن لا يفعل إلا بطهارة ، وإن كان فيها قرآن فعلى الوجهين في كتب الفقه .
[ ص: 83 ] الثالثة ) يجوز للمحدث مس التوراة والإنجيل وحملهما . وكذا قطع به الجمهور وذكر الماوردي والروياني فيه وجهين ; أحدهما لا يجوز ، والثانية قالا وهو قول جمهور أصحابنا يجوز ; لأنها مبدلة منسوخة قال المتولي : فإن ظن أن فيها شيئا غير مبدل كره مسه ولا يحرم ; قال الرافعي : وحكم المنسوخ تلاوته من القرآن حكم التوراة .
( الرابعة ) إذا كتب المحدث أو الجنب مصحفا نظر إن حمله أو مسه في حال كتابته حرم وإلا فالصحيح جوازه ; لأنه غير حامل ولا ماس ، وفيه وجه مشهور أنه يحرم ، ووجه ثالث حكاه الماوردي أنه يحرم على الجنب دون المحدث .
( الخامسة ) إذا كتب القرآن في لوح فله حكم المصحف فيحرم مسه وحمله على البالغ المحدث ، هذا هو المذهب الصحيح وبه قطع الأكثرون ، وفيه وجه مشهور أنه لا يحرم ; لأنه لا يراد للدوام بخلاف المصحف فعلى هذا يكره ، قاله في التتمة ، ولا فرق بين أن يكون المكتوب قليلا أو كثيرا فيحرم على الصحيح ، قال إمام الحرمين : لو كان على اللوح آية أو بعض آية كتب للدراسة حرم مسه وحمله .
( السادسة ) لا يجوز كتابة القرآن بشيء نجس ، ذكره البغوي وغيره ، قال البغوي وغيره : يكره نقش الحيطان والثياب بالقرآن وبأسماء الله تعالى . قال القاضي حسين والبغوي وغيرهما : وإذا كتب قرآنا على حلوى وطعام فلا بأس بأكله قال القاضي : فإن كان على خشبة كره إحراقها .
( السابعة ) قال القاضي حسين وغيره : لا يجوز توسد المصحف ولا غيره من كتب العلم ، قال القاضي : إلا أن يخاف عليه السرقة فيجوز ، وهذا الاستثناء فيه نظر ، والصواب منعه في المصحف وإن خاف السرقة . قال القاضي حسين : ولا يمكن الصبيان من محو الألواح بالأقدام ولا يمكن المجنون والصبي الذي لا يميز من حمل المصحف لئلا ينتهكه .
( الثامنة ) لو خاف المحدث على المصحف من حرق أو غرق أو وقوع نجاسة عليه أو وقوعه بيد كافر جاز أخذه مع الحدث صرح به الدارمي [ ص: 84 ] وغيره بل يجب ذلك صيانة للمصحف ولو لم يجد من يودعه المصحف وعجز عن الوضوء فله حمله مع الحدث قال القاضي أبو الطيب : ولا يلزمه التيمم له ; لأنه لا يرفع الحدث وفيما قاله نظر . وينبغي أن يجب التيمم ; لأنه وإن لم يرفع الحدث فيبيح الصلاة ومس المصحف وحمله .
( التاسعة ) قال القاضي حسين وغيره : يكره للمحدث حمل التعاويذ - يعنون الحروز - قال أبو عمرو بن الصلاح في الفتاوى : كتابة الحروز واستعمالها مكروه وترك تعليقها هو المختار ، وقال في فتوى أخرى : " يجوز تعليق الحروز التي فيها قرآن على النساء والصبيان والرجال ويجعل عليها شمع ونحوه ويستوثق من النساء وشبههن بالتحذير من دخول الخلاء بها ; والمختار أنه لا يكره إذا جعل عليه شمع ونحوه ; لأنه لم يرد فيه نهي " ونقل ابن جرير الطبري عن مالك نحو هذا فقال : قال مالك " لا بأس بما يعلق على النساء الحيض ، والصبيان من القرآن إذا جعل في كن كقصبة حديد أو جلد يحرز عليه " وقد يستدل للإباحة بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده { : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم من الفزع كلمات : أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون . قال : وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه ، ومن لم يعقل كتبه فأعلقه عليه } ، رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن .
( العاشرة ) إذا تيمم المحدث تيمما صحيحا فله مس المصحف ، وإن كان لم يرتفع حدثه وكذا إذا توضأ من به حدث دائم كالمستحاضة فله مس المصحف وحمله ، وأما من لم يجد ماء ولا ترابا فيصلي على حاله للضرورة ويحرم عليه مسه وحمله لعدم الضرورة .
( الحادية عشرة ) اتفقوا على أنه لا يجوز المسافرة بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه في أيديهم لحديث ابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو } " واتفقوا أنه يجوز أن يكتب إليهم الآية والآيتان وشبههما في أثناء كتاب لحديث أبي سفيان رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 85 ] كتب إلى هرقل عظيم الروم كتابا فيه : { يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } الآية } .
( الثانية عشرة ) قال أصحابنا لا يمنع الكافر سماع القرآن ويمنع مس المصحف . وهل يجوز تعليمه القرآن ؟ ينظر إن لم يرج إسلامه لم يجز ، وإن رجي جاز في أصح الوجهين وبه قطع القاضي حسين ورجحه البغوي وغيره . والثاني : لا يجوز كما لا يجوز بيعه المصحف ، وإن رجي إسلامه . قال البغوي : وحيث رآه معاندا لا يجوز تعليمه بحال ، وهل يمنع التعليم ؟ فيه وجهان حكاهما المتولي والروياني وغيرهما أصحهما يمنع .
( الثالثة عشرة ) أجمع العلماء على وجوب صيانة المصحف واحترامه ، فلو ألقاه والعياذ بالله في قاذورة كفر ، وأجمعوا على استحباب كتابة المصحف وتحسين كتابته وتبيينها وإيضاحها وإيضاح الخط دون مشقة وتعليقه ، ويستحب نقط المصحف وشكله ; لأنه صيانة له من اللحن والتحريف ، وفي تذهيبه وتفضيضه خلاف سنذكره حيث ذكره المصنف والأصحاب في باب زكاة الذهب والفضة ، وبيع المصحف وشراؤه جائز عندنا وفي كراهة بيعه وجهان : المنصوص يكره ، وفيه مذاهب للسلف سنوضحها حيث ذكره المصنف في باب ما يجوز بيعه إن شاء الله تعالى . وبيعه للكفار حرام ، وفي انعقاده قولان أصحهما لا ينعقد ، وسنوضحه مع فروعه في كتاب البيع إن شاء الله تعالى ، وأما آداب قراءة القرآن وتفضيلها على التسبيح وتحسين الصوت بالقرآن ونحو ذلك فسأذكره موضحا إن شاء الله تعالى في آخر باب ما يوجب الغسل فهو أليق به .


