الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                      جزء صفحة
                                      المهذب قَالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ( وَمَنْ أَحْدَثَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ } " وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الطَّوَافُ ، لِقَوْلِهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ } وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَسُّ الْمُصْحَفِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ } وَلِمَا رَوَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " { لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إلَّا وَأَنْتَ طَاهِرٌ } " وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ حَمْلُهُ فِي كُمِّهِ ; لِأَنَّهُ إذَا حَرُمَ مَسُّهُ فَلَأَنْ يَحْرُمَ حَمْلُهُ وَهُوَ فِي الْهَتْكِ أَبْلَغُ وَأَوْلَى . وَيَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَتَصَفَّحَ أَوْرَاقَهُ بِخَشَبَةٍ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مُبَاشِرٍ لَهُ وَلَا حَامِلٍ لَهُ . وَهَلْ يَجُوزُ لَلصِّبْيَانِ حَمْلُ الْأَلْوَاحِ وَهُمْ مُحْدِثُونَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ . ( وَالثَّانِي ) يَجُوزُ ; لِأَنَّ طَهَارَتَهُمْ لَا تَنْحَفِظُ وَحَاجَتَهُمْ إلَى ذَلِكَ مَاسَّةٌ ، وَإِنْ حَمَلَ رَجُلٌ مَتَاعًا ، وَفِي جُمْلَتِهِ مُصْحَفٌ وَهُوَ مُحْدِثٌ جَازَ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ نَقْلُ الْمَتَاعِ فَعُفِيَ عَمَّا فِيهِ مِنْ الْقُرْآنِ كَمَا لَوْ كَتَبَ كِتَابًا إلَى دَارِ الشِّرْكِ وَفِيهِ آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ ، وَإِنْ حَمَلَ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَفِيهِ آيَاتٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ حَمَلَ الدَّرَاهِمَ الْأَحَدِيَّةَ أَوْ الثِّيَابَ الَّتِي طُرِّزَتْ بِآيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَفِيهِ وَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ يَحْمِلُ الْقُرْآنَ . ( وَالثَّانِي ) يَجُوزُ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ غَيْرُ الْقُرْآنِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مَوْضِعٍ مِنْ بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ فَمَسَّ الْمُصْحَفَ بِغَيْرِهِ جَازَ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ الصَّيْمَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا يَجُوزُ كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ أَنْ يَمَسَّ الْمُصْحَفَ بِظَهْرِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ الطَّهَارَةُ تَجِبُ فِي غَيْرِهِ وَهَذَا لَا يَصِحُّ ; لِأَنَّ حُكْمَ الْحَدَثِ يَتَعَدَّى وَحُكْمَ النَّجَاسَةِ لَا يَتَعَدَّى مَحَلَّهَا ) . ( فَرْعٌ ) فِي مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ فِي مَسِّ الْمُصْحَفِ وَحَمْلِهِ : مَذْهَبُنَا تَحْرِيمُهُمَا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ . وَعَنْ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَدَاوُد : يَجُوزُ مَسُّهُ وَحَمْلُهُ وَرُوِيَ عَنْ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ جَوَازُ مَسِّهِ بِظَهْرِ الْكَفِّ دُونَ بَطْنِهِ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إلَى هِرَقْلَ كِتَابًا فِيهِ قُرْآنٌ وَهِرَقْلُ مُحْدِثٌ ، يَمَسُّهُ وَأَصْحَابُهُ ، وَلِأَنَّ الصِّبْيَانَ يَحْمِلُونَ الْأَلْوَاحَ مُحْدِثِينَ بِلَا إنْكَارٍ ، وَلِأَنَّهُ إذَا لَمْ تَحْرُمْ الْقِرَاءَةُ فَالْمَسُّ أَوْلَى ، وَقَاسُوا حَمْلَهُ عَلَى حَمْلِهِ فِي مَتَاعٍ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ } فَوَصَفَهُ بِالتَّنْزِيلِ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْمُصْحَفِ الَّذِي عِنْدَنَا ، فَإِنْ قَالُوا : الْمُرَادُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمَلَائِكَةُ الْمُطَهَّرُونَ وَلِهَذَا قَالَ : يَمَسُّهُ بِضَمِّ السِّينِ عَلَى الْخَبَرِ ، وَلَوْ كَانَ الْمُصْحَفَ لَقَالَ يَمَسَّهُ بِفَتْحِ السِّينِ عَلَى النَّهْيِ ، فَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : " تَنْزِيلٌ " ظَاهِرٌ فِي إرَادَةِ الْمُصْحَفِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ صَرِيحٍ ، وَأَمَّا رَفْعُ السِّينِ فَهُوَ بِلَفْظِ الْخَبَرِ ، كَقَوْلِهِ : ( { لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا } ) عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ رَفَعَ . وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " { لَا يَبِيعُ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ } " بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، فَإِنْ قَالُوا : لَوْ أُرِيدَ مَا قُلْتُمْ لَقَالَ لَا يَمَسُّهُ إلَّا الْمُتَطَهِّرُونَ ، فَالْجَوَابُ أَنَّهُ يُقَالُ فِي الْمُتَوَضِّئِ مُطَهَّرٌ وَمُتَطَهِّرٌ وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَبِأَنَّهُ قَوْلُ عَلِيٍّ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ وَالْجَوَابُ عَنْ قِصَّةِ هِرَقْلَ أَنَّ ذَلِكَ الْكِتَابَ كَانَ فِيهِ آيَةٌ وَلَا يُسَمَّى مُصْحَفًا ، وَأُبِيحَ حَمْلُ الصِّبْيَانِ الْأَلْوَاحَ لِلضَّرُورَةِ ، وَأُبِيحَتْ الْقِرَاءَةُ لِلْحَاجَةِ وَعُسْرِ الْوُضُوءِ لَهَا كُلَّ وَقْتٍ وَحَمْلُهُ فِي الْمَتَاعِ ; لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ .

                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                      الخدمات العلمية