- تكرار الكـلام بناء على طلـب المخاطب، ويدل عليه حديث أبي سعيد الخدري الذي رواه مسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
( يا أبا سعيد، من رضي بالله ربا، وبالإسـلام دينا، وبمحمد نبيا، وجبت له الجنة، فعجب لها أبو سعيد فقال: أعدها علي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففعل ) [1] .
- ومنها التـكرار من دون طلب المخاطب، كما ورد في حـديث عبد الله ابن عمرو ابن العاص الذي رواه مسلم، وذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كره صيام الدهر وقال:
( لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد، لا صام من صام الأبد ) [2] ، فقد أعاد الكلام ثلاث مرات، مثلما أعاده في حديث آخر أنذر فيه من يكذب ليضحك الناس
[3] ، بل كان صلى الله عليه وسلم يعيد الكلام أكثر
[ ص: 108 ] من ثلاث كلما اشتد الوعيد، كما في حديث
( أنذرتكم النار ) [4] ، وحديث
( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ) [5] ، وإذا تكرر منه الكلام كثيرا ازدادت خشية السامعين فقالوا:
( ليته سكت ) شفقة عليه وكراهية لما يزعجه ويغضبه، وفي ذلك أيضا ما كانوا عليه من كثرة الأدب معه صلى الله عليه وسلم والمحبة له والشفقة عليه
[6] ، ومن الأحاديث ما أعاده النبي صلى الله عليه وسلم عشرين مرة
[7] .
[ ص: 109 ]
ومن نماذج تكرار الحديث ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
( رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه. قيل: من يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أو أحدهما ثم لم يدخل الجنة ) [8] .
والرغم الذلة، ورغم أنفه ذل. وأرغم الله أنفه أي ألصقه بالرغام وهو التراب، هذا هو الأصل ثم استعمل في الذل والعجز عن الانتصاف والانقياد على كره، ومنه قول عكرمة أنه قال: "ضع أنفك حتى يخرج منه الرغم، قلت: مـا الرغم؟ قـال: الكبر"
[9] ، ومنه حديث أبي ذر: "وإن رغم أنف أبي ذر"
[10] ، أي وإن ذل، وقيـل: وإن كره. ومنـه حـديث معقل ابن يسار: "رغم أنفي لأمر الله"
[11] ، أي ذل وانقاد. ومنه حديث سجدتي
[ ص: 110 ] السهو: "كانتا ترغيما للشيطان"
[12] . وفي حديث أسماء: "إن أمي قدمت علي وهي راغبة أو راهبة، أفأصلها ؟ قال: نعم"
[13] ، لما كان العاجز الذليل لا يخلو من غضب، قالوا ترغم إذا غضب، وراغمه إذا غاضبه، تريد أنها قدمت علي غضبى لإسلامي وهجرتي متسخطة لأمري أو كارهة مجيئها إلي لولا مسيس الحاجة، وقيل هاربة من قومها، من قوله تعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=100 ( يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ) (النساء:100)، أي مهربا ومتسعا.
في الحديث السابق جملة دعائية بالفعل الماضي، تأكيدا لحصول الفعل ووقوعه، والتكرار دليل المبالغة في الوقوع، وفاعله مضمر غائب، زيادة في التهويل، وإثارة للانتباه، وتحريكا للنفس، وتطلعا إلى الراغم أنفه. وقد دفعت بلاغة التكرار في هذا البيان النبوي الكريم، بالصحابي إلى المبادرة بالسؤال عن الراغم، فأجابه بأن هذا المحروم هو العاق لوالديه.
( رغم أنفه ) جملة فعلية يراد بها الدعاء على المعني بالأمر، وهي بؤرة الكلام، فقد صدر الكلام بما هو أشد وقعا على النفوس وإرهابا لها، وهو
[ ص: 111 ] الحكم الشرعي المستحق على العقوق. فهو تهديد متجدد، ومعاد مكرور، بغية تأكيد الحكم، فقد اجتمع في تأكيد هذا المعنى وتقريره تكرير بعض ألفاظه وتقديم المكرر على غيره، وعدم ذكره إلا على هيئة جواب عن سؤال السائلين. ولكن، كيف يجتمع تكرار الكلم في النص، والجمع والإيجاز، وهو موضوع هذا البحث، ولا يتنافيان؟
إن تكرار الكلم نوع من أنواع التأكيد، تأكيد معنى من المعاني باللفظ نفسه ويقوم على إعادة الكلمة نفسها مرتين أو ثلاثا، لما لها من دلالة قوية على المعنى المراد، ولم يعدل عنها إلى كلمة أخرى، ففيها شحنة قوية ترجحها على غيرها، تدل على محور المعنى الذي يحتمله النص، ومرتكزه ومثار الانتباه إليه، فهي أحق بالتكرير، بدلا من كلمات أخرى ترهق النص طولا وإطنابا.
- تَكْرارُ الكَـلامِ بِناءً عَلى طَلَـبِ المُخاطَبِ، ويَدُلُّ عليه حَديثُ أبي سَعيدٍ الخُدرِيّ الذي رَواه مُسْلِمٌ، قالَ رَسولُ الله صلى الله عليه وسلم :
( يا أبا سَعيدٍ، مَنْ رَضِيَ بالله رَبًّا، وبالإسـلامِ دينًا، وبِمُحمّدٍ نَبِيًّا، وجَبَتْ لَه الجنّةُ، فَعجِبَ لَها أبو سَعيدٍ فَقالَ: أعِدْها عَلِيّ يا رَسولَ الله صلى الله عليه وسلم ، فَفَعَلَ ) [1] .
- ومنْها التَّـكْرارُ مِنْ دونِ طَلَبِ المُخاطَبِ، كَما وَرَدَ في حـديثِ عبدِ الله ابْنِ عَمْرِو ابْنِ العاصِ الذي رَواه مُسْلِمٌ، وذكَرَ فيه أنّ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم كَرِه صِيامَ الدّهْرِ وقالَ:
( لا صامَ مَن صامَ الأبَدَ، لا صامَ مَنْ صامَ الأبَدَ، لا صامَ مَن صامَ الأبَدَ ) [2] ، فقدْ أعادَ الكَلامَ ثلاثَ مرّاتٍ، مِثْلَما أعادَه في حَديثٍ آخَرَ أنْذَرَ فيه مَنْ يكْذِبُ لِيُضْحِكَ النّاسَ
[3] ، بَلْ كانَ صلى الله عليه وسلم يُعيدُ الكَلامَ أكثَرَ
[ ص: 108 ] مِن ثلاثٍ كُلّما اشْتَدَّ الوَعيدُ، كَما في حَديثِ
( أنْذَرْتُكُمُ النّارَ ) [4] ، وحَديثِ
( ألا أُنَبِّئُكُم بِأكبرِ الكَبائرِ ) [5] ، وإذا تَكرَّرَ منه الكَلامُ كَثيرًا ازْدادَت خَشْيَةُ السّامِعينَ فقالوا:
( لَيتَه سَكَتَ ) شَفَقةً عَليه وكَراهيةً لما يُزعِجُه ويُغضِبُه، وفي ذلِكَ أيضًا ما كانوا عَليه مِنْ كَثرةِ الأدَبِ مَعَه صلى الله عليه وسلم والمَحَبّةِ لَه والشّفقةِ عَليه
[6] ، ومِنَ الأحاديثِ ما أعادَه النّبيّ صلى الله عليه وسلم عِشْرينَ مرّةً
[7] .
[ ص: 109 ]
ومن نَماذِج تَكْرارِ الحديثِ ما رَواه أبو هريرةَ عَنِ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قالَ:
( رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُه، رَغِمَ أنفُه. قيلَ: مَن يا رَسولَ الله؟ قالَ: مَن أدرَكَ والِدَيْه عندَ الكِبَرِ أو أحدَهما ثمّ لم يدْخُلِ الجنّةَ ) [8] .
والرُّغْمُ الذِّلَّةُ، ورَغِمَ أَنْفُه ذَلَّ. وأرْغَم الله أنفَه أي ألَصَقَه بالرَّغام وهو التُّرابُ، هذا هو الأصْلُ ثم استُعْملَ في الذُّل والعَجْز عن الانْتصاف والانْقياد على كُرْه، ومنه قولُ عِكْرِمَةَ أنَّه قالَ: "ضَعْ أنفَكَ حَتّى يَخْرُجَ مِنْه الرَّغْمُ، قُلْتُ: مـا الرَّغْمُ؟ قـالَ: الكِبْرُ"
[9] ، ومِنْه حَديثُ أبي ذَرٍّ: "وإن رَغِم أنْف أبي ذَرٍّ"
[10] ، أي وإنْ ذَلَّ، وقيـلَ: وإن كَرِه. ومنـه حَـديثُ مَعْقِل ابن يَسار: "رَغِم أنْفي لأمر الله"
[11] ، أي ذَلَّ وانْقاد. ومنه حَديثُ سَجْدَتَيِ
[ ص: 110 ] السَّهْوِ: "كانَتا تَرْغِيمًا للشيطان"
[12] . وفي حَديثِ أسْماءَ: "إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وهِيَ راغِبَةٌ أو راهِبَةٌ، أفَأصِلُها ؟ قالَ: نَعَمْ"
[13] ، لمّا كانَ العاجزُ الذَّليلُ لا يَخْلو من غَضَب، قالوا تَرَغَّم إذا غَضِب، وراغَمَه إذا غاضَبه، تُريدُ أنها قَدِمت عليّ غَضْبى لإسْلامي وهِجْرتي مُتَسخِّطةً لأمْرِي أو كارِهةً مَجِيئَها إليَّ لولاَ مِسيسُ الحاجةِ، وقيل هارِبةً من قومِها، مِنْ قَولِه تَعالى:
nindex.php?page=tafseer&surano=4&ayano=100 ( يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ) (النِّساء:100)، أي مَهْرَبًا ومُتَّسَعًا.
في الْحَديثِ السّابِقِ جُمْلةٌ دُعائِيَّةٌ بالفعْلِ الماضي، تأكيدًا لحصولِ الفعلِ ووُقوعِه، والتَّكْرارُ دليلُ المبالَغَةِ في الوُقوعِ، وفاعلُه مضْمرٌ غائب، زيادةً في التَّهْويلِ، وإثارةً للانتباهِ، وتحْريكًا للنّفسِ، وتطلُّعًا إلى الرّاغِمِ أَنْفُه. وقدْ دَفَعتْ بَلاغةُ التَّكرارِ في هذا البَيانِ النّبويِّ الكَريمِ، بالصَّحابِيّ إلى المُبادَرَةِ بالسّؤالِ عنِ الرّاغِم، فأجابَه بأنّ هذا المَحرومَ هو العاقُّ لوالِديْهِ.
( رَغِمَ أَنْفُه ) جُمْلَةٌ فِعْلِيّةٌ يُرادُ بِها الدُّعاءُ عَلى المعنيِّ بالأمرِ، وهيَ بُؤْرةُ الكَلامِ، فَقدْ صُدِّرَ الكَلامُ بِما هُو أشدُّ وَقْعًا عَلى النّفوسِ وإرْهابًا لَها، وهُو
[ ص: 111 ] الحُكْمُ الشّرْعيُّ المُسْتَحَقُّ على العُقوقِ. فهُو تهديدٌ متجدِّدٌ، ومُعادٌ مَكْرورٌ، بُغْيةَ تأْكيدِ الحُكمِ، فقد اجْتمعَ في تأكيدِ هذا المعْنى وتقْريرِه تَكْريرُ بَعْضِ ألفاظِه وتَقديمُ المُكرَّرِ على غَيْرِهِ، وعَدمُ ذِكْرِه إلاّ على هَيْئَةِ جَوابٍ عَنْ سُؤالِ السّائلينَ. ولكِن، كيفَ يجْتمِعُ تَكْرارُ الكلِمِ في النّصِّ، والجَمْع والإيجاز، وهُو مَوْضوعُ هذا البحثِ، ولا يَتَنافَيانِ؟
إنّ تَكْرارَ الكلِمِ نَوْعٌ مِن أنواعِ التَّأْكيدِ، تَأْكيدِ مَعْنًى مِن المَعاني بِاللّفْظِ نفْسِه ويقومُ على إعادةِ الكلِمةِ نفْسِها مَرَّتَيْنِ أو ثلاثًا، لِما لَها مِن دلالَةٍ قويّةٍ على المعْنى المُرادِ، ولمْ يُعْدَلْ عَنْها إلى كلِمةٍ أخْرى، فَفيها شُحْنةٌ قويّةٌ تُرجِّحُها على غَيْرِها، تَدلُّ عَلى مِحْورِ المعْنى الذي يحْتمِلُه النّصُّ، ومُرْتَكَزِه ومُثارِ الانْتِباهِ إليْه، فهيَ أحقُّ بِالتّكْريرِ، بَدلًا مِن كَلِماتٍ أخْرى تُرْهِقُ النّصَّ طولًا وإطْنابًا.