الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                              تحفة المحتاج شرح المنهاج ( الَّذِي ) لِكَثْرَةِ بِرِّهِ وَسَعَةِ جُودِهِ فَلِذَا أُخِّرَ عَنْ ذَيْنِك ( جَلَّتْ ) عَظُمَتْ وَلِاسْتِقْرَارِ هَذِهِ الصِّلَةِ فِي النُّفُوسِ وَإِذْعَانِهَا لَهَا عُدِلَ لِذَلِكَ عَنْ الْجَلِيلَةِ نِعَمُهُ عَنْ الْإِحْصَاءِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَانْدَفَعَ مَا قِيلَ إنَّهُ إنَّمَا أُتِيَ بِالْمَوْصُولِ هُنَا لِقَاعِدَةٍ هِيَ أَنَّهُ يُتَوَصَّلُ بِاَلَّذِي لِوَصْفِهِ تَعَالَى بِمَا ثَبَتَ لَهُ وَلَمْ يَرِدْ بِهِ تَوْقِيفٌ وَكَانَ قَائِلُهُ فَهِمَ أَنَّ هَذَا لَا يُؤَدَّى إلَّا بِوَصْفٍ لَهُ تَعَالَى وَقَدْ عَلِمْت تَأْدِيَتَهُ بِوَصْفِ النِّعَمِ بِمَا ذُكِرَ وَهُوَ لَا يَحْتَاجُ لِتَوْقِيفٍ ( نِعَمُهُ ) فِيهِ إيهَامٌ أَنَّ سَبَبَ عَدَمِ حَصْرِهَا جَمْعُهَا الْمُنَافِي { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ } أَيْ تُرِيدُوا عَدَّ أَوْ تَشْرَعُوا فِي عَدِّ كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ نِعَمِهِ كَمَا يُعْلَمُ مِنْ أَنَّ مَدْلُولَ الْعَامِّ كَالْمُفْرَدِ الْمُضَافِ هُنَا كُلِّيَّةً { لَا تُحْصُوهَا } أَيْ لَا تَحْصُرُوهَا فَتَعَيَّنَ أَنَّهُ جَمْعُ نِعْمَةٍ بِمَعْنَى أَنْعَامٍ وَجَمْعُهُ لَا إيهَامَ فِيهِ أَيْ جَلَّتْ أَنَعَمَاتِهِ أَيْ بِاعْتِبَارِ كُلِّ أَثَرٍ مِنْ آثَارِهَا عَنْ أَنْ تُحَدَّ فَيَشْمَلُ الْقَلِيلَ أَيْضًا وَمَعَ هَذَا التَّعْبِيرِ بِنِعْمَةٍ مُوَافَقَةٍ لِلَفْظِ الْآيَةِ أَوْلَى وَمِنْ ثَمَّ أَصْلَحَ فِي نُسْخَةٍ وَكُلُّ نِعْمَةٍ وَإِنْ سَلِمَ حَصْرُهَا هُوَ بِاعْتِبَارِ ذَاتِهَا لَا مُتَعَلِّقَاتِهَا مَعَ دَوَامِهَا مَعَاشًا وَمَعَادًا وَهِيَ أَيْ حَقِيقَةُ كُلِّ مُلَائِمٍ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ . وَمِنْ ثَمَّ قَالُوا لَا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كَافِرٍ ، وَإِنَّمَا مَلَاذُّهُ اسْتِدْرَاجٌ فَإِنْ قُلْت هَذَا لَا يُوَافِقُ تَفْسِيرَ النِّعْمَةِ لُغَةً مِنْ أَنَّهَا مُطْلَقُ الْمُلَائِمِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلِاسْتِعْمَالِ فِي أَكْثَرِ النُّصُوصِ فَمَا حِكْمَتُهُ قُلْت شَأْنُ الْمُصْطَلَحَاتِ الْعُرْفِيَّةِ مُخَالَفَتُهَا لِلْحَقَائِقِ اللُّغَوِيَّةِ وَكَوْنُهَا أَخَصَّ مِنْهَا كَالْحَمْدِ وَالصَّلَاةِ عُرْفًا وَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ الْعَبْدِ مَا يُوَضِّحُ ذَلِكَ وَفَائِدَتُهَا هُنَا بَيَانُ مَا هُوَ نِعْمَةٌ بِالْحَقِيقَةِ لَا بِالصُّورَةِ الَّتِي اكْتَفَى بِهَا أَهْلُ اللُّغَةِ وَالرِّزْقُ أَعَمُّ مِنْهَا لِأَنَّهُ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَوْ حَرَامًا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ ( عَنْ الْإِحْصَاءِ ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَبِالْمَدِّ أَيْ الضَّبْطِ وَهُوَ الْحَصْرُ وَفُسِّرَ بِالْعَدِّ ، وَهُوَ الْفِعْلُ فَهُوَ غَيْرُ الْعَدَدِ فِي ( بِالْإِعْدَادِ ) أَيْ بِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْهَا لَا بِقَيْدِ الْقِلَّةِ الَّتِي أَوْهَمَتْهَا الْعِبَارَةُ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْجَمْعُ الْمُحَلَّى بِأَلْ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ أَيْ عَظُمَتْ عَنْ أَنْ تُحْصَرَ أَوْ تُعَدَّ بِعَدَدٍ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ وَمَعْنَى { وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا } عَلِمَهُ مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْمُحْصِي أَيْ الْعَالِمُ أَوْ الْقَوِيُّ أَوْ الْعَادُّ أَقْوَالٌ نَعَمْ فِي الْأَخِيرِ إيهَامُ أَنَّ عِلْمَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُتَوَقِّفٌ عَلَى عَدِّهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ( الْمَانِّ ) مِنْ الْمِنَّةِ وَهِيَ النِّعْمَةُ مُطْلَقًا أَوْ بِقَيْدِ كَوْنِهَا ثَقِيلَةً مُبْتَدَأَةً مِنْ غَيْرِ مُقَابِلٍ يُوجِبُهَا فَنِعَمُهُ تَعَالَى مِنْ مَحْضِ فَضْلِهِ إذْ لَا يَجِبُ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ شَيْءٌ خِلَافًا لِزَعْمِ الْمُعْتَزِلَةِ وُجُوبَ الْأَصْلَحِ عَلَيْهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ( بِاللُّطْفِ ) وَهُوَ مَا يَقَعُ بِهِ صَلَاحُ الْعَبْدِ آخِرَهُ وَيُسَاوِيهِ التَّوْفِيقُ الَّذِي هُوَ خَلْقُ قُدْرَةِ الطَّاعَةِ فِي الْعَبْدِ مَاصَدَقًا لَا مَفْهُومًا وَلِعِزَّتِهِ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْقُرْآنِ إلَّا مَرَّةً فِي هُودٍ وَلَيْسَ مِنْهُ إلَّا إحْسَانًا وَتَوْفِيقًا يُوَفِّقُ اللَّهُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ الْوِفَاقِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْخِلَافِ وَقَدْ يُطْلَقُ التَّوْفِيقُ عَلَى أَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ . وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْمُتَكَلِّمُونَ اللُّطْفُ مَا يَحْمِلُ الْمُكَلَّفَ عَلَى الطَّاعَةِ ثُمَّ إنْ حُمِلَ عَلَى فِعْلِ الْمَطْلُوبِ سُمِّيَ تَوْفِيقًا أَوْ تَرْكِ الْقَبِيحِ سُمِّيَ عِصْمَةً ، وَصَرَّحَ أَهْلُ السُّنَّةِ فِي بَحْثِ خَلْقِ الْأَفْعَالِ بِأَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى لُطْفًا لَوْ فَعَلَهُ بِالْكُفَّارِ لَآمَنُوا اخْتِيَارًا غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ وَهُوَ فِي فِعْلِهِ مُتَفَضِّلٌ وَفِي تَرْكِهِ عَادِلٌ ( وَالْإِرْشَادِ ) أَيْ الدَّلَالَةِ عَلَى سَبِيلِ الْخَيْرِ أَوْ الْإِيصَالِ إلَيْهَا ( الْهَادِي ) أَيْ الدَّالِّ أَوْ الْمُوَصِّلِ ( إلَى سَبِيلِ ) أَيْ طَرِيقِ ( الرَّشَادِ ) وَهُوَ كَالرُّشْدِ ضِدَّ الْغَيِّ وَمِنْ أَعْظَمِ طُرُقِهِ وَأَفْضَلِهَا التَّفَقُّهُ فَلِذَا أَعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ( الْمُوَفِّقِ ) أَيْ الْمُقَدِّرِ وَهُوَ جَرْيٌ عَلَى مَنْ يُجِيزُ غَيْرَ التَّوْقِيفِيَّةِ إذَا لَوْ يُوهِمُ نَقْصًا حاشية ابن قاسم العبادي ( قَوْلُهُ الَّذِي جَلَّتْ نِعَمُهُ ) اعْلَمْ أَنَّ لَفْظَةَ الَّذِي وَاقِعَةٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَارَةٌ عَنْهُ فَالتَّذْكِيرُ فِيهَا وَاجِبٌ وَإِنْ كَانَتْ صِلَتُهَا سَبَبِيَّةً وَلَا يَلْزَمُ مِنْ سَبَبِيَّةِ صِلَتِهَا وَإِسْنَادِ الْفِعْلِ فِيهَا إلَى النِّعَمِ أَنَّ الْمَوْصُولَ كَذَلِكَ وَأَنَّهُ وَاقِعٌ عَلَى النِّعَمِ وَقَدْ تَوَهَّمَ بَعْضُ الطَّلَبَةِ وُجُوبَ تَأْنِيثِ الْمَوْصُولِ هُنَا فَيُقَالُ الَّتِي جَلَّتْ نِعَمُهُ وَبَعْضُهُمْ جَوَّزَ التَّأْنِيثَ وَذَلِكَ خَطَأٌ وَاضِحٌ وَلَا يُؤَيِّدُ مَا تَوَهَّمُوهُ جَاءَ رَجُلٌ قَائِمَةٌ أُمُّهُ لِأَنَّ هَذَا نَعْتٌ سَبَبِيٌّ نَظِيرُ الصِّلَةِ هُنَا بَلْ نَعْتِيَّتُهُ بِالتَّأْوِيلِ أَيْ قَائِمُ الْأُمِّ ( قَوْلُهُ فَلِذَا أَخَّرَ عَنْ ذَيْنِك ) أَيْ فَإِنَّهُ كَالنَّتِيجَةِ لَهُمَا ( قَوْلُهُ وَلِاسْتِقْرَارٍ إلَخْ ) يُتَأَمَّلُ هَذَا التَّوْجِيهُ وَكَوْنُ الْجَلِيلَةِ نِعَمُهُ لَا يُنَاسِبُ الْمَعْدُولَ لَهُ قَوْلُهُ عُدِلَ لِذَلِكَ عَنْ الْجَلِيلَةِ نِعَمُهُ ) فِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْجَلِيلَةَ نِعَمُهُ مِنْ قَبِيلِ الْمَوْصُولِ وَالصِّلَةُ عَلَى قَوْلٍ ، وَلِأَنَّ اسْتِقْرَارَ هَذِهِ الصِّلَةِ فِي النُّفُوسِ لَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ طَرِيقِ الْمَوْصُولِيَّةِ . غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُصَحِّحُهُ وَالْكَلَامُ فِي التَّرْجِيحِ لَا فِي التَّصْحِيحِ فَلْيَتَأَمَّلْ ، وَقَدْ يُوَجَّهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ أَرَادَ النِّعَمَ الْحَادِثَةَ الْوَاصِلَةَ لِخَلْقِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا فَعَبَّرَ بِالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَى حُدُوثِ الْعِظَمِ الْمُسْتَلْزِمِ لِحُدُوثِ النِّعَمِ وَوُصُولِهَا ( قَوْلُهُ عَنْ الْجَلِيلَةِ نِعَمُهُ ) أَيْ وَالْجَلِيلُ النِّعَمِ بِالْإِضَافَةِ ( قَوْلُهُ الْمُنَافِي ) يَنْبَغِي أَنَّهُ نَعْتٌ أَنَّ سَبَبَ إذْ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ مُجَرَّدِ الْجَمْعِ وَالْآيَةِ فَتَأَمَّلْهُ ( قَوْلُهُ بِاعْتِبَارِ كُلِّ أَثَرٍ مِنْ آثَارِهَا ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنْ أُرِيدَ الْإِنْعَامَاتُ بِالْإِمْكَانِ فَهِيَ نَفْسُهَا لَا تُحْصَى مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى اعْتِبَارِ آثَارِهَا ضَرُورَةَ عَدَمِ تَنَاهِيهَا وَإِنْ أُرِيدَ الْإِنْعَامَاتُ بِالْفِعْلِ فَهِيَ وَآثَارُهَا مُحْصَاةٌ مَعْدُودَةٌ قَطْعًا ضَرُورَةَ أَنَّهَا مُتَنَاهِيَةٌ ضَرُورَةَ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِي الْوُجُودِ مُتَنَاهٍ وَكُلُّ مُتَنَاهٍ مُحْصًى مَعْدُودٌ فَلْيُتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ وَكُلُّ نِعْمَةٍ ) مُبْتَدَأٌ ( قَوْلُهُ تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ ) هَذَا يُخْرِجُ الْحَرَامَ ( قَوْلُهُ وَكَوْنُهَا أَخَصَّ ) إنْ أَرَادَ أَنَّهَا قَدْ تَكُونُ كَذَلِكَ فَكَذَلِكَ أَوْ أَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ فَمَمْنُوعٌ يُؤَيِّدُ الْمَنْعَ أَنَّ الزَّكَاةَ لُغَةً لَمَعَانٍ كَالنَّمَاءِ لَا تَصْدُقُ عَلَى الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ أَيْ الْقَدْرِ الْمُخْرَجِ . ( قَوْلُهُ وَالرِّزْقُ أَعَمُّ ) قَدْ يُشْكِلُ عَلَى الْأَعَمِّيَّةِ أَنَّهُ يَتَبَادَرُ أَنَّ نَحْوَ هَلَاكِ الْعَدُوِّ نِعْمَةٌ لَا رِزْقٌ وَقَوْلُهُ وَلَوْ حَرَامًا أَيْ وَالْحَرَامُ لَا تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ ( قَوْلُهُ الَّتِي أَوْهَمَتْهَا الْعِبَارَةُ ) أَيْ قَبْلَ التَّأَمُّلِ وَإِلَّا فَالصِّيغَةُ مَعَ أَلْ لِلْكَثْرَةِ ( قَوْلُهُ وَمَعْنَى { وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا } إلَخْ ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ قَوْلِهِ عَلِمَهُ مِنْ جِهَةِ الْعَدَدِ أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ عُلِمَ عَدَدُهُ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْمُتَنَاهِيَاتِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ الشَّيْءِ لِأَنَّهُ عِنْدَنَا هُوَ الْمَوْجُودُ . قَالَ الْإِمَامُ فِي تَفْسِيرِهِ مَا نَصُّهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ { وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا } فَيَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ عَالِمًا بِجَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ فَإِنْ قِيلَ إحْصَاءُ الْعَدَدِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُتَنَاهِي ، وَأَمَّا لَفْظَةُ كُلَّ شَيْءٍ فَتَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَنَاهٍ فَيَلْزَمُ وُقُوعُ التَّنَاقُضِ فِي الْآيَةِ قُلْنَا لَا شَكَّ أَنَّ إحْصَاءَ الْعَدَدِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُتَنَاهِي ، وَأَمَّا لَفْظَةُ كُلَّ شَيْءٍ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ غَيْرَ مُتَنَاهٍ لِأَنَّ الشَّيْءَ عِنْدَنَا هُوَ الْمَوْجُودَاتُ وَالْمَوْجُودَاتُ مُتَنَاهِيَةٌ فِي الْعَدَدِ وَهَذِهِ الْآيَةُ أَحَدُ مَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَوْ كَانَ شَيْئًا لَكَانَتْ الْأَشْيَاءُ غَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ وَقَوْلُهُ { وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا } يَقْتَضِي كَوْنَ تِلْكَ الْمَحْصِيَّاتِ مُتَنَاهِيَةً فَيَلْزَمُ الْجَمْعُ بَيْنَ كَوْنِهَا مُتَنَاهِيَةً وَغَيْرَ مُتَنَاهِيَةٍ ، وَذَلِكَ مُحَالٌ يُوجِبُ الْقَطْعَ بِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ حَتَّى يَنْدَفِعَ التَّنَاقُضُ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى . وَحِينَئِذٍ فَلْيُنْظَرْ مَا مَوْقِعُ كَلَامِ الشَّيْخِ الشَّارِحِ هَذَا أَعْنِي قَوْلَهُ وَمَعْنَى إلَخْ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَإِنَّهُ إنْ أَرَادَ بِهِ دَفْعَ اعْتِرَاضٍ يَرِدُ عَلَى قَوْلِهِ الَّذِي جَلَّتْ نِعَمُهُ عَنْ الْإِحْصَاءِ بِالْأَعْدَادِ بِأَنْ يُقَالَ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ عَدَدَ الْأَشْيَاءِ وَمِنْهَا النِّعَمُ فَكَانَ اللَّائِقُ فِي دَفْعِهِ أَنْ يَقُولَ هَكَذَا وَلَا يَرِدُ قَوْلُهُ وَأَحْصَى إلَخْ لِأَنَّهُ فِي الْمَوْجُودَاتِ ، وَالْمُرَادُ هُنَا بِالنِّعَمِ أَعَمُّ . وَأَمَّا مُجَرَّدُ مَا ذَكَرَهُ فَلَا يَتَّجِهُ مِنْهُ الدَّفْعُ فَلْيُتَأَمَّلْ ( قَوْلُهُ فَنِعَمُهُ تَعَالَى إلَخْ ) إنْ كَانَ هَذَا التَّفْرِيعُ أَيْضًا عَلَى الْأَوَّلِ الشَّامِلِ لِمَا إذَا كَانَتْ النِّعْمَةُ غَيْرَ الْمُبْتَدَأَةِ بَلْ فِي مُقَابَلَةِ مَا يُوجِبُهَا فَالْمُرَادُ بِالْمُوجِبِ حِينَئِذٍ الْمُقْتَضِي بِقَضِيَّةِ الْفَضْلِ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ إذْ لَا يَجِبُ إلَخْ ، وَإِنْ اخْتَصَّ بِالثَّانِي أَشْكَلَ الْأَوَّلُ حِينَئِذٍ حَيْثُ اقْتَضَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَحْضِ الْفَضْلِ فَلْيُتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ قَدْ يُمْنَعُ شُمُولُ الْأَوَّلِ لِغَيْرِ الْمُبْتَدَأَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ مُبْتَدَأَةٌ رَاجِعٌ لِلْأَوَّلِ أَيْضًا

                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                              الخدمات العلمية