الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة
            اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي سَنَةِ سِتَّ عَشْرَةَ - وَقِيلَ : سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ - فِي الدَّوْلَةِ الْعُمَرِيَّةِ عَلَى جَعْلِ ابْتِدَاءِ التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ مِنْ سَنَةِ الْهِجْرَ ةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، رُفِعَ إِلَيْهِ صَكٌّ ، أَيْ حُجَّةٌ ، لِرَجُلٍ عَلَى آخَرَ ، وَفِيهِ أَنَّهُ يَحِلُّ عَلَيْهِ فِي شَعْبَانَ ، فَقَالَ عُمَرُ : أَيُّ شَعْبَانَ ؟ أَشَعْبَانُ هَذِهِ السَّنَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا ، أَوِ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ ، أَوِ الْآتِيَةِ ؟ ثُمَّ جَمَعَ الصَّحَابَةَ فَاسْتَشَارَهُمْ فِي وَضْعِ تَأَرِيخٍ يَتَعَرَّفُونَ بِهِ حُلُولَ الدُّيُونِ ، وَغَيْرَ ذَلِكَ ، فَقَالَ قَائِلٌ : أَرِّخُوا كَتَارِيخِ الْفُرْسِ . فَكَرِهَ ذَلِكَ ، وَكَانَتِ الْفُرْسُ يُؤَرِّخُونَ بِمُلُوكِهِمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ . وَقَالَ قَائِلٌ : أَرِّخُوا بِتَارِيخِ الرُّومِ . وَكَانُوا يُؤَرِّخُونَ بِمُلْكِ إِسْكَنْدَرَ بْنِ فِيلِيبُّسَ الْمَقْدُونِيِّ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : أَرِّخُوا بِمَوْلِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ بِمَبْعَثِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ بِهِجْرَتِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ بِوَفَاتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ . فَمَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، إِلَى التَّأْرِيخِ بِالْهِجْرَةِ لِظُهُورِهِ وَاشْتِهَارِهِ وَاتَّفَقُوا مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي " صَحِيحِهِ " : التَّارِيخُ وَمَتَى أَرَّخُوا التَّارِيخَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : مَا عَدُّوا مِنْ مَبْعَثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا مِنْ وَفَاتِهِ ، مَا عَدُّوا إِلَّا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : اسْتَشَارَ عُمَرُ فِي التَّأْرِيخِ فَأَجْمَعُوا عَلَى الْهِجْرَةِ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ السَّدُوسِيِّ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، قَالَ : قَامَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ : أَرِّخُوا . فَقَالَ : مَا أَرِّخُوا ؟ فَقَالَ : شَيْءٌ تَفْعَلُهُ الْأَعَاجِمُ يَكْتُبُونَ : فِي شَهْرِ كَذَا مِنْ سَنَةِ كَذَا . فَقَالَ عُمَرُ : حَسَنٌ فَأَرِّخُوا . فَقَالُوا : مِنْ أَيِّ السِّنِينَ نَبْدَأُ ؟ فَقَالُوا : مِنْ مَبْعَثِهِ . وَقَالُوا : مِنْ وَفَاتِهِ . ثُمَّ أَجْمَعُوا عَلَى الْهِجْرَةِ ، ثُمَّ قَالُوا : وَأَيَّ الشُّهُورِ نَبْدَأُ ؟ فَقَالُوا : رَمَضَانَ . ثُمَّ قَالُوا : الْمُحَرَّمَ فَهُوَ مُنْصَرَفُ النَّاسِ مِنْ حَجِّهِمْ وَهُوَ شَهْرٌ حَرَامٌ . فَاجْتَمَعُوا عَلَى الْمُحَرَّمِ . وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ ، ثَنَا نُوحُ بْنُ قَيْسٍ الطَّاحِيُّ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ مِحْصَنٍ ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ [ الْفَجْرِ : 2 ، 1 ] . هُوَ الْمُحَرَّمُ فَجْرُ السَّنَةِ . وَرَوَى عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ : إِنَّ الْمُحَرَّمَ شَهْرُ اللَّهِ ، وَهُوَ رَأْسُ السَّنَةِ ، يُكْسَى بِهِ الْبَيْتُ ، وَيُؤَرِّخُ بِهِ النَّاسُ ، وَيُضْرَبُ فِيهِ الْوَرِقُ . وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، ثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، قَالَ : إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَرَّخَ الْكُتُبَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ بِالْيَمَنِ ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَإِنَّ النَّاسَ أَرَّخُوا لِأَوَّلِ السَّنَةِ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، أَنَّهُمَا قَالَا : أَرَّخَ بَنُو إِسْمَاعِيلَ مِنْ نَارِ إِبْرَاهِيمَ ، ثُمَّ أَرَّخُوا مِنْ بُنْيَانِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ الْبَيْتَ ، ثُمَّ أَرَّخُوا مِنْ مَوْتِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ ، ثُمَّ أَرَّخُوا مِنَ الْفِيلِ ، ثُمَّ أَرَّخَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَذَلِكَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْفَصْلَ مُحَرَّرًا بِأَسَانِيدِهِ وَطُرُقِهِ فِي " السِّيرَةِ الْعُمَرِيَّةِ " . وَلِلَّهِ الْحَمْدُ . وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُمْ جَعَلُوا ابْتِدَاءَ التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ مِنْ سَنَةِ الْهِجْرَةِ ، وَجَعَلُوا أَوَّلَهَا مِنَ الْمُحَرَّمِ ، فِيمَا اشْتُهِرَ عَنْهُمْ ، وَهَذَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْأَئِمَّةِ . وَحَكَى السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ ، عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ : أَوَّلُ السَّنَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ رَبِيعٌ الْأَوَّلُ; لِأَنَّهُ الشَّهْرُ الَّذِي هَاجَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدِ اسْتَدَلَّ السُّهَيْلِيُّ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، بِقَوْلِهِ تَعَالَى لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ [ التَّوْبَةِ : 108 ] أَيْ; مِنْ أَوَّلِ يَوْمِ حُلُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنَ التَّارِيخِ ، كَمَا اتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى أَوَّلِ سِنِيِّ التَّارِيخِ عَامَ الْهِجْرَةِ . وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ مُنَاسِبٌ ، وَلَكِنَّ الْعَمَلَ عَلَى خِلَافِهِ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ أَوَّلَ شُهُورِ الْعَرَبِ الْمُحَرَّمُ ، فَجَعَلُوا السَّنَةَ الْأُولَى سَنَةَ الْهِجْرَةِ ، وَجَعَلُوا أَوَّلَهَا الْمُحَرَّمَ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ; لِئَلَّا يَخْتَلِطَ النِّظَامُ .

            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


            الخدمات العلمية