الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
            صفحة
            وُفُودِ عُلَمَاءِ نَجْرَانَ إِلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهَادَتِهِمْ لَهُ بِأَنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي كَانُوا يَنْتَظِرُونَهُ وَامْتِنَاعِ مَنِ امْتَنَعَ عَنْ مُلَاعَنَتِهِ . رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ يُونُسَ بْنِ بَكِيرٍ [عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَسُوعَ ] عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ- قَالَ يُونُسُ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَأَسْلَمَ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ : طس [النَّمْلِ 1] إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [النَّمْلِ 30] ، يَعْنِي النَّمْلَ ، «بِسْمِ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى أُسْقُفِّ نَجْرَانَ وَأَهْلِ نَجْرَانَ إِنْ أَسْلَمْتُمْ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمْ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ مِنْ عِبَادِهِ الْعِبَادِ ، وَأَدْعُوكُمْ إِلَى وِلَايَةِ اللَّهِ مِنْ وِلَايَةِ الْعِبَادِ ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْجِزْيَةُ ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَقَدَ آذَنْتُكُمْ بِحَرْبٍ وَالسَّلَامُ» . فَلَمَّا أَتَى الْأُسْقُفَ الْكِتَابُ وَقَرَأَهُ قَطَعَ بِهِ وَذُعْرًا شَدِيدًا ، فَبَعَثَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ وَدَاعَةَ ، وَكَانَ مِنْ هَمْدَانَ . وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُدْعَى إِذَا نَزَلَتْ مُعْضِلَةٌ إِلَّا الْأَيْهَمُ وَهُوَ السَّيِّدُ وَالْعَاقِبُ . فَدَفَعَ الْأُسْقُفُّ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى شُرَحْبِيلَ وَقَرَأَهُ ، فَقَالَ الْأُسْقُفُ : يَا أَبَا مَرْيَمَ ، مَا رَأْيُكَ ؟ فَقَالَ شُرَحْبِيلُ : قَدْ عَلِمَتُ مَا وَعَدَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ فِي ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ مِنَ النُّبُوَّةِ فَمَا تُؤْمِنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ ذَاكَ الرَّجُلُ ، لَيْسَ لِي فِي النُّبُوَّةِ رَأْيٌ ، وَلَوْ كَانَ أَمْرًا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا لَأَشَرْتُ عَلَيْكَ فِيهِ بِرَأْيٍ وَجَهَدْتُ لَكَ . فَقَالَ لَهُ الْأُسْقُفُ : تَنَحَّ فَاجْلِسْ نَاحِيَةً . فَتَنَحَّى شُرَحْبِيلُ فَجَلَسَ نَاحِيَةً . فَبَعَثَ الْأُسْقُفُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُرَحْبِيلَ وَهُوَ مِنْ ذِي أَصْبَحَ مِنْ حِمْيَرَ ، فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ وَسَأَلَهُ مَا الرَّأْيُ ؟ فَقَالَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ بْنِ وَدَاعَةَ . فَقَالَ لَهُ الْأُسْقُفُ : تَنَحَّ فَاجْلِسْ ، فَتَنَحَّى فَجَلَسَ نَاحِيَةً . ثُمَّ بَعَثَ الْأُسْقُفُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُدْعَى جَبَّارَ بْنَ فَيْضٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ أَحَدِ بَنِي الْحِمَاسِ ، فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ وَسَأَلَهُ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ بْنِ وَدَاعَةَ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُرَحْبِيلَ ، فَأَمَرَهُ الْأُسْقُفُ فَجَلَسَ نَاحِيَةً . فَلَمَّا اجْتَمَعَ الرَّأْيُ مِنْهُمْ عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَةِ جَمِيعًا أَمَرَ الْأُسْقُفُ بِالنَّاقُوسِ فَضُرِبَ بِهِ ، وَرُفِعَتِ النِّيرَانُ السُّرُجُ فِي الصَّوَامِعِ وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ إِذَا فَزِعُوا نَهَارًا فَإِنْ فَزِعُوا بِاللَّيْلِ ضَرَبُوا بِالنَّاقُوسِ وَرَفَعُوا النِّيرَانَ فِي الصَّوَامِعِ . فَاجْتَمَعَ حِينَ ضُرِبَ بِالنَّاقُوسِ وَرُفِعَتِ السُّرُجُ أَهْلُ الْوَادِي أَمْلَاهُ وَأَسْفَلَهُ ، وَطُولُ الْوَادِي مَسِيرَةُ يَوْمٍ لِلرَّاكِبِ السَّرِيعِ ، وَفِيهِ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ قَرْيَةً ، وَمِائَةُ أَلْفِ مُقَاتِلٍ ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ الْأُسْقُفُ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلَهُمْ عَنِ الرَّأْيِ فِيهِ . فَاجْتَمَعَ رَأْيُ أَهْلِ الرَّأْيِ مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا شُرَحْبِيلَ بْنَ وَدَاعَةَ الْهَمْدَانِيَّ ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ شُرَحْبِيلَ الْأَصْبَحِيَّ ، وَجَبَّارَ بْنَ فَيْضٍ الْحَارِثِيَّ فَيَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ ، سِتُّونَ رَاكِبًا ، فِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ ، فِي الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إلَيْهِمْ يَئُولُ أَمْرُهُمْ : الْعَاقِبُ ، أَمِيرُ الْقَوْمِ وَذُو رَأْيِهِمْ ، وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ ، وَاَلَّذِي لَا يُصْدِرُونَ إلَّا عَنْ رَأْيِهِ ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ ، وَالسَّيِّدُ ، لَهُمْ ثِمَالُهُمْ ، وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ ، وَاسْمُهُ الْأَيْهَمُ ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ ، أَحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ، أَسْقُفُهُمْ وَحَبْرُهُمْ وَإِمَامُهُمْ ، وَصَاحِبُ مِدْرَاسِهِمْ . [ مَنْزِلَةُ أَبِي حَارِثَةَ عِنْدَ مُلُوكِ الرُّومِ ] وَكَانَ أَبُو حَارِثَةَ قَدْ شَرُفَ فِيهِمْ ، وَدَرَسَ كُتُبَهُمْ ، حَتَّى حَسُنَ عِلْمُهُ فِي دِينِهِمْ ، فَكَانَتْ مُلُوكُ الرُّومِ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ قَدْ شَرَّفُوهُ وَمَوَّلُوهُ وَأَخْدَمُوهُ ، وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ ، وَبَسَطُوا عَلَيْهِ الْكَرَامَاتِ ، لِمَا يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي دِينِهِمْ . [ سَبَبُ إسْلَامِ كُوزِ بْنِ عَلْقَمَةَ ] فَلَمَّا رَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَجْرَانَ ، جَلَسَ أَبُو حَارِثَةَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ مُوَجِّهًا ( إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ، وَإِلَى جَنْبِهِ أَخٌ لَهُ ، يُقَالُ لَهُ : كُوزُ بْنُ عَلْقَمَةَ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَيُقَالُ : كُرْزٌ - فَعَثَرَتْ بَغْلَةُ أَبِي حَارِثَةَ ، فَقَالَ كُوزٌ : تَعِسَ الْأَبْعَدُ : يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَقَالَ لَهُ أَبُو حَارِثَةَ : بَلْ أَنْتَ تَعِسْتَ فَقَالَ : وَلِمَ يَا أَخِي ؟ قَالَ : وَاَللَّهِ إنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي كُنَّا نَنْتَظِرُ ، فَقَالَ لَهُ كُوزٌ : مَا يَمْنَعُكَ مِنْهُ وَأَنْتَ تَعْلَمُ هَذَا ؟ قَالَ : مَا صَنَعَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ ، شَرَّفُونَا وَمَوَّلُونَا وَأَكْرَمُونَا ، وَقَدْ أَبَوْا إلَّا خِلَافَهُ ، فَلَوْ فَعَلْتُ نَزَعُوا مِنَّا كُلَّ مَا تَرَى . فَأَضْمَرَ عَلَيْهَا مِنْهُ أَخُوهُ كُوزُ بْنُ عَلْقَمَةَ ، حَتَّى أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ . فَهُوَ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ فِيمَا بَلَغَنِي . [ رُؤَسَاءُ نَجْرَانَ وَإِسْلَامُ أَحَدِهِمْ ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَبَلَغَنِي أَنَّ رُؤَسَاءَ نَجْرَانَ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ كُتُبًا عِنْدَهُمْ . فَكُلَّمَا مَاتَ رَئِيسٌ مِنْهُمْ فَأَفْضَتْ الرِّيَاسَةُ إلَى غَيْرِهِ ، خَتَمَ عَلَى تِلْكَ الْكُتُبِ خَاتَمًا مَعَ الْخَوَاتِمِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَهُ وَلَمْ يَكْسِرْهَا ، فَخَرَجَ الرَّئِيسُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي فَعَثَرَ ، فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ : تَعِسَ الْأَبْعَدُ يُرِيدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُ أَبُوهُ : لَا تَفْعَلْ ، فَإِنَّهُ نَبِيٌّ ، وَاسْمُهُ فِي الْوَضَائِعِ ، يَعْنِي الْكُتُبَ فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَكُنْ لِابْنِهِ هِمَّةٌ إلَّا أَنْ شَدَّ فَكَسَرَ الْخَوَاتِمَ ، فَوَجَدَ فِيهَا ذِكْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ وَحَجَّ ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ : : إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : الْوَضِينُ : الْحِزَامُ ، حِزَامُ النَّاقَةِ . وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ : وَزَادَ فِيهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ : الْعِرَاقُ : مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا فَأَمَّا أَبُو عُبَيْدَةَ فَأَنْشَدْنَاهُ فِيهِ . [ صَلَاتُهُمْ إِلَى الْمَشْرِقِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، قَالَ : لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ مَسْجِدَهُ حَيْنَ صَلَّى الْعَصْرَ ، عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الْحِبَرَاتِ ، جُبَبٌ وَأَرْدِيَةٌ ، فِي جَمَالِ رِجَالِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ . قَالَ : يَقُولُ بَعْضُ مَنْ رَآهُمْ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمئِذٍ : مَا رَأَيْنَا وَفْدًا مِثْلَهُمْ ، وَقَدْ حَانَتْ صَلَاتُهُمْ ، فَقَامُوا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلُّونَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعُوهُمْ ، فَصَلَّوْا إلَى الْمَشْرِقِ . [ أَسْمَاءُ الْوَفْدِ وَمُعْتَقَدِهِمْ ، وَمُنَاقَشَتِهِمْ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَكَانَتْ تَسْمِيَةُ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ ، الَّذِينَ يَئُولُ إلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ : الْعَاقِبُ ، وَهُوَ عَبْدُ الْمَسِيحِ ، وَالسَّيِّدُ وَهُوَ الْأَيْهَمُ ، وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخُو بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ، وَأَوْسٌ ، وَالْحَارِثُ ، وَزَيْدٌ ، وَقَيْسٌ ، وَيَزِيدُ ، وَنَبِيُّهُ ، وَخُوَيْلِدٌ ، وَعَمْرو ، وَخَالِدٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَيُحَنَّسُ ، فِي سِتِّينَ رَاكِبًا . فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ ، وَالْعَاقِبُ عَبْدُ الْمَسِيحِ ، وَالْأَيْهَمُ السَّيِّدُ - وَهُمْ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ عَلَى دِينِ الْمَلِكِ ، مَعَ اخْتِلَافِ مَنْ أَمَرَهُمْ ، يَقُولُونَ : هُوَ اللَّهُ ، وَيَقُولُونَ : هُوَ وَلَدُ اللَّهِ ، وَيَقُولُونَ : هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ . وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّصْرَانِيَّةِ . فَهُمْ يَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ : هُوَ اللَّهُ بِأَنَّهُ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى ، وَيُبْرِئُ الْأَسْقَامَ . وَيُخْبِرُ بِالْغُيُوبِ ، وَيَخْلُقُ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ : إنَّهُ وَلَدُ ( اللَّهِ ) بِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ يُعْلَمُ ، وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ ، وَهَذَا لَمْ يَصْنَعْهُ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ قَبْلَهُ . وَيَحْتَجُّونَ فِي قَوْلِهِمْ : إنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ بِقَوْلِ اللَّهِ : فَعَلْنَا ، وَأَمَرْنَا ، وَخَلَقْنَا ، وَقَضَيْنَا . فَيَقُولُونَ : لَوْ كَانَ وَاحِدًا مَا قَالَ إلَّا فَعَلْتُ ، وَقَضَيْتُ ، وَأَمَرْتُ ، وَخَلَقْتُ ؛ وَلَكِنَّهُ هُوَ وَعِيسَى وَمَرْيَمُ . فَفِي كُلِّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ قَدْ نَزَلَ الْقُرْآنُ - فَلَمَّا كَلَّمَهُ الْحَبْرَانِ ، قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَسْلِمَا ؛ قَالَا : قَدْ أَسْلَمْنَا ؛ قَالَ : إنَّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا ( فَأَسْلِمَا ) ؛ قَالَا : بَلَى ، قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ : قَالَ : كَذَبْتُمَا ، يَمْنَعُكُمَا مِنْ الْإِسْلَامِ دُعَاؤُكُمَا لِلَّهِ وَلَدًا ، وَعِبَادَتُكُمَا الصَّلِيبَ ، وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ ؛ قَالَا : فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمَّدُ ؟ فَصَمَتَ عَنْهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُجِبْهُمَا . [ مَا نَزَلَ مِنْ آلِ عِمْرَانَ فِيهِمْ ] فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ ، وَاخْتِلَافِ أَمْرِهِمْ كُلِّهِ ، صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا ، فَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ : الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ فَافْتَتَحَ السُّورَةَ بِتَنْزِيهِ نَفْسِهِ عَمَّا قَالُوا ، وَتَوْحِيدِهِ إيَّاهَا بِالْخَلْقِ وَالْأَمْرِ ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ ، رَدًّا عَلَيْهِمْ مَا ابْتَدَعُوا مِنْ الْكُفْرِ ، وَجَعَلُوا مَعَهُ مِنْ الْأَنْدَادِ ، وَاحْتِجَاجًا بِقَوْلِهِمْ عَلَيْهِمْ فِي صَاحِبِهِمْ ، لِيُعَرِّفَهُمْ بِذَلِكَ ضَلَالَتَهُمْ ؛ فَقَالَ : الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ شَرِيكٌ فِي أَمْرِهِ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ، وَقَدْ مَاتَ عِيسَى وَصُلِبَ فِي قَوْلِهِمْ . وَالْقَيُّومُ : الْقَائِمُ عَلَى مَكَانِهِ مِنْ سُلْطَانِهِ فِي خَلْقِهِ لَا يَزُولُ ، وَقَدْ زَالَ عِيسَى فِي قَوْلِهِمْ عَنْ مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ ، وَذَهَبَ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ . نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ أَيْ بِالصَّدْقِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ التَّوْرَاةُ عَلَى مُوسَى ، وَالْإِنْجِيلُ عَلَى عِيسَى ، كَمَا أَنْزَلَ الْكُتُبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَهُ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ أَيْ الْفَصْلَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ فِيمَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْأَحْزَابُ مِنْ أَمْرِ عِيسَى وَغَيْرِهِ . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ أَيْ أَنَّ اللَّهَ مُنْتَقِمٌ مِمَّنْ كَفَرَ بِآيَاتِهِ ، بَعْدَ عِلْمِهِ بِهَا ، وَمَعْرِفَتِهِ بِمَا جَاءَ مِنْهُ فِيهَا . إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ أَيْ قَدْ عَلِمَ مَا يُرِيدُونَ وَمَا يَكِيدُونَ وَمَا يُضَاهُونَ بِقَوْلِهِمْ فِي عِيسَى ، إذْ جَعَلُوهُ إلَهًا وَرَبًّا ، وَعِنْدَهُمْ مِنْ عِلْمِهِ غَيْرُ ذَلِكَ ، غِرَّةً بِاَللَّهِ ، وَكُفْرًا بِهِ . هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ أَيْ قَدْ كَانَ عِيسَى مِمَّنْ صُوِّرَ فِي الْأَرْحَامِ ، لَا يَدْفَعُونَ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُونَهُ ، كَمَا صُوِّرَ غَيْرُهُ مِنْ وَلَدِ آدَمَ ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا وَقَدْ كَانَ بِذَلِكَ الْمَنْزِلِ . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى إنْزَاهًا لِنَفْسِهِ ، وَتَوْحِيدًا لَهَا مِمَّا جَعَلُوا مَعَهُ : لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الْعَزِيزُ فِي انْتِصَارِهِ مِمَّنْ كَفَرَ بِهِ إذَا شَاءَ الْحَكِيمُ فِي حُجَّتِهِ وَعُذْرِهِ إلَى عِبَادِهِ . هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ فِيهِنَّ حُجَّةُ الرَّبِّ ، وَعِصْمَةُ الْعِبَادِ ، وَدَفْعُ الْخُصُومِ وَالْبَاطِلِ ، لَيْسَ لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وَلَا تَحْرِيفٌ عَمَّا وُضِعْنَ عَلَيْهِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وَتَأْوِيلٌ ، ابْتَلَى اللَّهُ فِيهِنَّ الْعِبَادَ ، كَمَا ابْتَلَاهُمْ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، أَلَّا يُصْرَفْنَ إلَى الْبَاطِلِ ، وَلَا يُحَرَّفْنَ عَنْ الْحَقِّ . يَقُولُ عَزَّ وَجَلَّ : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أَيْ مَيْلٌ عَنْ الْهُدَى فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ أَيْ مَا تَصَرَّفَ مِنْهُ ، لِيُصَدِّقُوا بِهِ مَا ابْتَدَعُوا وَأَحْدَثُوا ، لِتَكُونَ لَهُمْ حُجَّةٌ ، وَلَهُمْ عَلَى مَا قَالُوا شُبْهَةَ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ أَيْ اللَّبْسِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ذَلِكَ عَلَى مَا رَكِبُوا مِنْ الضَّلَالَةِ فِي قَوْلِهِمْ : خَلَقْنَا وَقَضَيْنَا . يَقُولُ : وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ أَيْ الَّذِي بِهِ أَرَادُوا مَا أَرَادُوا إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا فَكَيْفَ يَخْتَلِفُ وَهُوَ قَوْلٌ وَاحِدٌ ، مِنْ رَبٍّ وَاحِدٍ . ثُمَّ رَدُّوا تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ عَلَى مَا عَرَفُوا مِنْ تَأْوِيلِ الْمُحَكِّمَةِ الَّتِي لَا تَأْوِيلَ لِأَحَدٍ فِيهَا إلَّا تَأْوِيلٌ وَاحِدٌ ، وَاتَّسَقَ بِقَوْلِهِمْ الْكِتَابُ ، وَصَدَّقَ بَعْضُهُ بَعْضًا ، فَنَفَذَتْ بِهِ الْحُجَّةُ ، وَظَهَرَ بِهِ الْعُذْرُ ، وَزَاحَ بِهِ الْبَاطِلَ ، وَدَمَغَ بِهِ الْكُفْرَ . يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى فِي مِثْلِ هَذَا : وَمَا يَذَّكَّرُ فِي مِثْلِ هَذَا إلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ . رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا أَيْ لَا تُمِلْ قُلُوبَنَا ، وَإِنْ مِلْنَا بِأَحْدَاثِنَا . وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ثُمَّ قَالَ : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ بِخِلَافِ مَا قَالُوا قَائِمًا بِالْقِسْطِ أَيْ بِالْعَدْلِ ( فِيمَا يُرِيدُ ) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ أَيْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ يَا مُحَمَّدُ : التَّوْحِيدُ لِلرَّبِّ ، وَالتَّصْدِيقُ لِلرُّسُلِ . وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ أَيْ الَّذِي جَاءَكَ ، أَيْ أَنَّ اللَّهَ الْوَاحِدَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ فَإِنْ حَاجُّوكَ أَيْ بِمَا يَأْتُونَ بِهِ مِنْ الْبَاطِلِ مِنْ قَوْلِهِمْ : خَلَقْنَا وَفَعَلْنَا وَأَمَرْنَا ، فَإِنَّمَا هِيَ شُبْهَةُ بَاطِلٍ قَدْ عَرَفُوا مَا فِيهَا مِنْ الْحَقِّ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ أَيْ وَحْدَهُ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ الَّذِينَ لَا كِتَابَ لَهُمْ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ [ إبَاؤُهُمْ الْمُلَاعَنَةَ ] فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرُ مِنْ اللَّهِ أَمْرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ فِي قَوْلِهِ : فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ [ آلِ عِمْرَانَ : 61 ] فخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ فَقَالُوا لَهُ : يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، دَعْنَا نَنْظُرْ فِي أَمْرِنَا ، ثُمَّ نَأْتِيكَ بِمَا نُرِيدُ أَنْ نَفْعَلَ فِيمَا دَعَوْتنَا إلَيْهِ . فَانْصَرَفُوا عَنْهُ ، ثُمَّ خَلَوْا بِالْعَاقِبِ ، وَكَانَ ذَا رَأْيِهِمْ ، فَقَالُوا : يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ ، مَاذَا تَرَى ؟ فَقَالَ : وَاَللَّهِ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى لَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا لَنَبِيٌّ مُرْسَلٌ ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْفَصْلِ مِنْ خَبَرِ صَاحِبِكُمْ ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا لَاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ ، وَلَا نَبَتَ صَغِيرُهُمْ ، وَإِنَّهُ لَلِاسْتِئْصَالُ مِنْكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ ، فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَبَيْتُمْ إلَّا إلْفَ دِينِكُمْ ، وَالْإِقَامَةَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْقَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ ، فَوَادِعُوا الرَّجُلَ ، ثُمَّ انْصَرِفُوا إلَى بِلَادِكُمْ . فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالُوا : يَا أَبَا الْقَاسِمِ ، قَدْ رَأَيْنَا أَلَّا نُلَاعِنَكَ ، وَأَنْ نَتْرُكَكَ عَلَى دِينِكَ وَنَرْجِعَ عَلَى دِينِنَا ، وَلَكِنْ ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا ، يَحْكُمْ بَيْنَنَا فِي أَشْيَاءَ اخْتَلَفْنَا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا ، فَإِنَّكُمْ عِنْدَنَا رِضًا . رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُلَاعِنْهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ كَتَبَ لَهُمْ هَذَا الْكِتَابَ : «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : هَذَا مَا كَتَبَ مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ رَسُولُ اللَّهِ لِأَهْلِ نَجْرَانَ - إِذَا كَانَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ- فِي كُلِّ ثَمَرَةٍ وَفِي كُلٍّ صَفْرَاءُ وَبَيْضَاءُ وَرَقِيقٌ فَأَفْضَلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَتُرِكَ ذَلِكَ كُلُّهُ [لَهُمْ] عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ مِنْ حُلَلِ الْأَوَاقِي فِي كُلِّ رَجَبٍ أَلْفُ حُلَّةٍ ، وَفِي كُلِّ صَفَرٍ أَلْفُ حُلَّةٍ ، مَعَ كُلِّ حُلَّةٍ أُوقِيَّةٌ مِنَ الْفِضَّةِ ، فَمَا زَادَتْ عَلَى الْخَرَاجِ أَوْ نَقَصَتْ عَنِ الْأَوَاقِي فَبِالْحِسَابِ ، وَمَا قَضَوْا مِنْ دُرُوعٍ أَوْ خَيْلٍ أَوْ رِكَابٍ أَوْ عُرُوضٍ أُخِذَ مِنْهُمْ بِالْحِسَابِ ، وَعَلَى نَجْرَانَ مُؤْنَةُ رُسُلِي وَمُتْعَتُهُمْ مَا بَيْنَ عِشْرِينَ يَوْمًا فَمَا دُونَ ذَلِكَ ، وَلَا تُحْبَسُ رُسُلِي فَوْقَ شَهْرٍ . وَعَلَيْهِمْ عَارِيَةٌ ثَلَاثِينَ دِرْعًا وَثَلَاثِينَ فَرَسًا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا إِذَا كَانَ كَيْدٌ وَمَعَرَّةٌ ، وَمَا هَلَكَ مِمَّا أَعَارُوا رُسُلِي مِنْ دُرُوعٍ أَوْ خَيْلٍ أَوْ رِكَابٍ [أَوْ عُرُوضٍ] فَهُوَ ضَمِينٌ عَلَى رُسُلِي حَتَّى يُؤَدُّوهُ إِلَيْهِمْ . وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتِهَا جِوَارُ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ رَسُولِ اللَّهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَأَرْضِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَغَائِبِهِمْ وَشَاهِدِهِمْ وَعَشِيرَتِهِمْ وَبَيْعِهِمْ [وَصَلَوَاتِهِمْ] [وَكُلِّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ] وَأَلَّا يُغَيِّرُوا مِمَّا كَانُوا عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِهِمْ وَلَا مِلَّتِهِمْ ، وَلَا يُغَيِّرُ أُسْقُفٌ عَنْ أُسْقُفِيَّتِهِ وَلَا رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيَّتِهِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ دَنِيَّةٌ وَلَا دَمُ جَاهِلِيَّةٍ وَلَا يُحْشَرُونَ وَلَا يُعْشَرُونَ وَلَا يَطَأُ أَرْضَهُمْ جَيْشٌ ، وَمَنْ سَأَلَ مِنْهُمْ حَقًّا فَبَيْنَهُمُ النَّصَفُ غَيْرَ ظَالِمِينَ وَلَا مَظْلُومِينَ . [عَلَى أَلَّا يَأْكُلُوا الرِّبَا] فَمَنْ أَكَلَ الرِّبَا مِنْ ذِي قَبْلُ فَذِمَّتِي مِنْهُ بَرِيئَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِظُلْمِ آخَرَ ، وَعَلَى مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ جِوَارُ اللَّهِ وَذِمَّةُ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ أَبَدًا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ مَا نَصَحُوا وَأَصْلَحُوا مَا عَلَيْهِمْ غَيْرَ مُثْقَلِينَ بِظُلْمٍ» . شَهِدَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ، وَغَيْلَانُ بْنُ عَمْرٍو ، وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّصْرِيُّ ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيُّ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ . [ تَوْلِيَةُ أَبِي عُبَيْدَةَ أُمُورَهُمْ ] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ائْتُونِي الْعَشِيَّةَ أَبْعَثْ مَعَكُمْ الْقَوِيَّ الْأَمِينَ . قَالَ : فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَقُولُ : مَا أَحْبَبْتُ الْإِمَارَةَ قَطُّ حُبِّي إيَّاهَا يَوْمئِذٍ ، رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ صَاحِبَهَا ، فَرُحْتُ إلَى الظُّهْرِ مُهَجِّرًا ، فَلَمَّا صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ سَلَّمَ ، ثُمَّ نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ ، فَجَعَلْتُ أَتَطَاوَلُ لَهُ لِيَرَانِي ، فَلَمْ يَزَلْ يَلْتَمِسُ بِبَصَرِهِ حَتَّى رَأَى أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ ، فَدَعَاهُ فَقَالَ : اُخْرُجْ مَعَهُمْ ، فَاقْضِ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ . قَالَ عُمَرُ : فَذَهَبَ بِهَا أَبُو عُبَيْدَةَ

            ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


            الخدمات العلمية