الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                        جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                        أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (44) هَذَا ذَمٌّ لِمَنْ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ وَفِي ضِمْنِهِ تَحْذِيرُ عِبَادِهِ عَنِ الِاغْتِرَارِ بِهِمْ، وَالْوُقُوعِ فِي أَشْرَاكِهِمْ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ أَيْ: يُحِبُّونَهَا مَحَبَّةً عَظِيمَةً وَيُؤْثِرُونَهَا إِيثَارَ مَنْ يَبْذُلُ الْمَالَ الْكَثِيرَ فِي طَلَبِ مَا يُحِبُّهُ. فَيُؤْثِرُونَ الضَّلَالَ عَلَى الْهُدَى، وَالْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ، وَالشَّقَاءَ عَلَى السَّعَادَةِ، وَمَعَ هَذَا: " يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ " . فَهُمْ حَرِيصُونَ عَلَى إِضْلَالِكُمْ غَايَةَ الْحِرْصِ، بَاذِلُونَ جُهْدَهُمْ فِي ذَلِكَ. وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ اللَّهُ وَلِيَّ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَنَاصِرَهُمْ، بَيَّنَ لَهُمْ مَا اشْتَمَلُوا عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالِ وَالْإِضْلَالِ. (45) وَلِهَذَا قَالَ: وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا أَيْ: يَتَوَلَّى أَحْوَالَ عِبَادِهِ وَيَلْطُفُ بِهِمْ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِمْ، وَيُيَسِّرُ لَهُمْ مَا بِهِ سَعَادَتُهُمْ وَفَلَاحُهُمْ. وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا يَنْصُرُهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَا يَحْذَرُونَ مِنْهُمْ وَيُعِينُهُمْ عَلَيْهِمْ. فَوِلَايَتُهُ تَعَالَى فِيهَا حُصُولُ الْخَيْرِ، وَنَصْرُهُ فِيهِ زَوَالُ الشَّرِّ. (46) ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ ضَلَالِهِمْ وَعِنَادِهِمْ وَإِيثَارِهِمُ الْبَاطِلَ عَلَى الْحَقِّ فَقَالَ: مِنَ الَّذِينَ هَادُوا أَيِ: الْيَهُودِ وَهُمْ عُلَمَاءُ الضَّلَالِ مِنْهُمْ. يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ إِمَّا بِتَغْيِيرِ اللَّفْظِ أَوِ الْمَعْنَى، أَوْ هُمَا جَمِيعًا. فَمِنْ تَحْرِيفِهِمْ تَنْزِيلُ الصِّفَاتِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي كُتُبِهِمُ الَّتِي لَا تَنْطَبِقُ وَلَا تَصْدُقُ إِلَّا عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِهَا، وَلَا مَقْصُودٍ بِهَا بَلْ أُرِيدُ بِهَا غَيْرُهُ، وَكِتْمَانُهُمْ ذَلِكَ. فَهَذَا حَالُهُمْ فِي الْعِلْمِ أَشَّرُ حَالٍ، قَلَبُوا فِيهِ الْحَقَائِقَ، وَنَزَّلُوا الْحَقَّ عَلَى الْبَاطِلِ، وَجَحَدُوا لِذَلِكَ الْحَقَّ، وَأَمَّا حَالُهُمْ فِي الْعَمَلِ وَالِانْقِيَادِ فَإِنَّهُمْ: " يَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا " أَيْ: سَمِعْنَا قَوْلَكَ وَعَصَيْنَا أَمْرَكَ، وَهَذَا غَايَةُ الْكُفْرِ وَالْعِنَادِ وَالشُّرُودِ عَنِ الِانْقِيَادِ، وَكَذَلِكَ يُخَاطِبُونَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَقْبَحِ خِطَابٍ وَأَبْعَدِهِ عَنِ الْأَدَبِ فَيَقُولُونَ: " اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ " قَصْدُهُمْ: اسْمَعْ مِنَّا غَيْرَ مُسْمَعٍ مَا تُحِبُّ، بَلْ مُسْمَعٌ مَا تَكْرَهُ. وَرَاعِنَا وَ قَصْدُهُمْ بِذَلِكَ الرُّعُونَةُ، بِالْعَيْبِ الْقَبِيحِ، وَيَظُنُّونَ أَنَّ اللَّفْظَ -لَمَّا كَانَ مُحْتَمِلًا لِغَيْرِ مَا أَرَادُوا مِنَ الْأُمُورِ- أَنَّهُ يَرُوجُ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ، فَتَوَصَّلُوا بِذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي يَلْوُونَ بِهِ أَلْسِنَتَهُمْ إِلَى الطَّعْنِ فِي الدِّينِ وَالْعَيْبِ لِلرَّسُولِ، وَيُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَلِهَذَا قَالَ: لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ . ثُمَّ أَرْشَدَهُمْ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ: وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَذَلِكَ لِمَا تَضَمَّنَهُ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ حُسْنِ الْخِطَابِ وَالْأَدَبِ اللَّائِقِ فِي مُخَاطَبَةِ الرَّسُولِ، وَالدُّخُولِ تَحْتَ طَاعَةِ اللَّهِ وَالِانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ، وَحُسْنِ التَّلَطُّفِ فِي طَلَبِهِمُ الْعِلْمَ بِسَمَاعِ سُؤَالِهِمْ، وَالِاعْتِنَاءِ بِأَمْرِهِمْ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ سُلُوكُهُ. وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ طَبَائِعُهُمْ غَيْرَ زَكِيَّةٍ، أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ، وَطَرَدَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ، وَلِهَذَا قَالَ: وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا .

                                                                                                                                                                                                                                        ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                        الخدمات العلمية