الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      صفحة جزء
                                                                                                                                                                                                                                      ومن آياته خلق السماوات والأرض، وما بث فيهما من دابة. وهو على جمعهم إذا يشاء قدير. وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير. وما أنتم بمعجزين في الأرض، وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير ..

                                                                                                                                                                                                                                      وهذه الآية الكونية معروضة على الأنظار قائمة تشهد بذاتها على ما جاء الوحي ليشهد به، فارتابوا فيه واختلفوا في تأويله. وآية السماوات والأرض لا تحتمل جدلا ولا ريبة. فهي قاطعة في دلالتها، تخاطب الفطرة بلغتها، وما يجادل فيها مجادل وهو جاد. إنها تشهد بأن الذي أنشأها ودبرها ليس هو الإنسان، ولا غيره من خلق الله. ولا مفر من الاعتراف بمنشئ مدبر. فإن ضخامتها الهائلة، وتناسقها الدقيق، ونظامها الدائب، ووحدة نواميسها الثابتة.. كل أولئك لا يمكن تفسيره عقلا إلا على أساس أن هناك إلها أنشأها ويدبرها. أما الفطرة فهي تتلقى منطق هذا الكون تلقيا مباشرا، وتدركه وتطمئن إليه، قبل أن تسمع عنه كلمة واحدة من خارجها!

                                                                                                                                                                                                                                      وتنطوي آية السماوات والأرض على آية أخرى في ثناياها: وما بث فيهما من دابة .. والحياة في هذه الأرض وحدها - ودع عنك ما في السماوات من حيوات أخرى لا ندركها - آية أخرى. وهي سر لم ينفذ إلى طبيعته أحد، فضلا على التطلع إلى إنشائه. سر غامض لا يدري أحد من أين جاء، ولا كيف جاء، ولا كيف يتلبس بالأحياء! وكل المحاولات التي بذلت للبحث عن مصدره أو طبيعته أغلقت دونها الستر والأبواب; وانحصرت البحوث كلها في تطور الأحياء - بعد وجود الحياة - وتنوعها ووظائفها وفي هذا الحيز الضيق المنظور اختلفت الآراء والنظريات. فأما ما وراء الستر فبقي سرا خافيا لا تمتد إليه عين، ولا يصل إليه إدراك.. إنه من أمر الله الذي لا يدركه سواه.

                                                                                                                                                                                                                                      هذه الأحياء المبثوثة في كل مكان فوق سطح الأرض وفي ثناياها، وفي أعماق البحر وفي أجواز الفضاء، ودع عنك تصور الأحياء الأخرى في السماء، هذه الأحياء المبثوثة التي لا يعلم الإنسان منها إلا النزر اليسير، ولا يدرك منها بوسائله المحدودة إلا القليل المشهور. هذه الأحياء التي تدب في السماوات والأرض يجمعها الله حين يشاء، لا يضل منها فرد واحد ولا يغيب!

                                                                                                                                                                                                                                      وبنو الإنسان يعجزهم أن يجمعوا سربا من الطير الأليف ينفلت من أقفاصهم، أو سربا من النحل يطير من خلية لهم!

                                                                                                                                                                                                                                      وأسراب من الطير لا يعلم عددها إلا الله. وأسراب من النحل والنمل وأخواتها لا يحصيها إلا الله. وأسراب من الحشرات والهوام والجراثيم لا يعلم مواطنها إلا الله. وأسراب من الأسماك وحيوان البحر لا يطلع عليها إلا الله. وقطعان من الأنعام والوحش سائمة وشاردة في كل مكان، وقطعان من البشر مبثوثة في الأرض في كل مكان.. ومعها خلائق أربى عددا وأخفى مكانا في السماوات من خلق الله.. كلها.. كلها.. يجمعها الله حين يشاء..

                                                                                                                                                                                                                                      وليس بين بثها في السماوات والأرض وجمعها إلا كلمة تصدر. والتعبير يقابل بين مشهد البث ومشهد الجمع [ ص: 3159 ] في لمحة على طريقة القرآن; فيشهد القلب هذين المشهدين الهائلين قبل أن ينتهي اللسان من آية واحدة قصيرة من القرآن!

                                                                                                                                                                                                                                      وفي ظل هذين المشهدين يحدثهم عما يصيبهم في هذه الحياة بما كسبت أيديهم. لا كله. فإن الله لا يؤاخذهم بكل ما يكسبون. ولكن يعفو منه عن كثير. ويصور لهم عجزهم ويذكرهم به، وهم قطاع صغير في عالم الأحياء الكبير:

                                                                                                                                                                                                                                      وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير. وما أنتم بمعجزين في الأرض وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير .

                                                                                                                                                                                                                                      وفي الآية الأولى يتجلى عدل الله، وتتجلى رحمته بهذا الإنسان الضعيف. فكل مصيبة تصيبه لها سبب مما كسبت يداه; ولكن الله لا يؤاخذه بكل ما يقترف; وهو يعلم ضعفه وما ركب في فطرته من دوافع تغلبه في أكثر الأحيان، فيعفو عن كثير، رحمة منه وسماحة.

                                                                                                                                                                                                                                      وفي الآية الثانية يتجلى ضعف هذا الإنسان، فما هو بمعجز في الأرض، وما له من دون الله من ولي ولا نصير. فأين يذهب إلا أن يلتجئ إلى الولي والنصير؟

                                                                                                                                                                                                                                      ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام. إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره. إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور. أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير. ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص ..

                                                                                                                                                                                                                                      والسفن الجواري في البحر كالجبال آية أخرى من آيات الله. آية حاضرة مشهودة. آية تقوم على آيات كلها من صنع الله دون جدال. هذا البحر من أنشأه؟ من من البشر أو غيرهم يدعي هذا الادعاء؟ ومن أودعه خصائصه من كثافة وعمق وسعة حتى يحمل السفن الضخام؟ وهذه السفن من أنشأ مادتها وأودعها خصائصها فجعلها تطفو على وجه الماء؟ وهذه الريح التي تدفع ذلك النوع من السفن التي كانت معلومة وقتها للمخاطبين (وغير الريح من القوى التي سخرت للإنسان في هذا الزمان من بخار أو ذرة أو ما يشاء الله بعد الآن) من جعلها قوة في هذا الكون تحرك الجواري في البحر كالأعلام؟ ..

                                                                                                                                                                                                                                      إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره ..

                                                                                                                                                                                                                                      وإنها لتركد أحيانا فتهمد هذه الجواري وتركد كما لو كانت قد فارقتها الحياة!

                                                                                                                                                                                                                                      إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ..

                                                                                                                                                                                                                                      في إجرائهن وفي ركودهن على السواء آيات لكل صبار شكور. والصبر والشكر كثيرا ما يقترنان في القرآن. الصبر على الابتلاء والشكر على النعماء; وهما قوام النفس المؤمنة في الضراء والسراء.

                                                                                                                                                                                                                                      أو يوبقهن بما كسبوا ..

                                                                                                                                                                                                                                      فيحطمهن أو يغرقهن بما كسب الناس من ذنب ومعصية ومخالفة عن الإيمان الذي تدين به الخلائق كلها، فيما عدا بعض بني الإنسان!

                                                                                                                                                                                                                                      ويعف عن كثير ..

                                                                                                                                                                                                                                      فلا يؤاخذ الناس بكل ما يصدر منهم من آثام، بل يسمح ويعفو ويتجاوز منها عن كثير.

                                                                                                                                                                                                                                      ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ما لهم من محيص ..

                                                                                                                                                                                                                                      [ ص: 3160 ] لو شاء الله أن يقفهم أمام بأسه، ويوبق سفائنهم، وهم لا يملكون منها نجاة!

                                                                                                                                                                                                                                      وهكذا يشعرهم بأن ما يملكون من أعراض هذه الحياة الدنيا عرضة كله للذهاب. فلا ثبات ولا استقرار لشيء إلا الصلة الوثيقة بالله.

                                                                                                                                                                                                                                      ثم يخطو بهم خطوة أخرى، وهو يلفتهم إلى أن كل ما أوتوه في هذه الأرض متاع موقوت في هذه الحياة الدنيا. وأن القيمة الباقية هي التي يدخرها الله في الآخرة للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. ويستطرد فيحدد صفة المؤمنين هؤلاء بما يميزهم، ويفردهم أمة وحدهم ذات خصائص وسمات!

                                                                                                                                                                                                                                      فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون. والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش، وإذا ما غضبوا هم يغفرون، والذين استجابوا لربهم، وأقاموا الصلاة، وأمرهم شورى بينهم، ومما رزقناهم ينفقون. والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون. وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين. ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل. إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق، أولئك لهم عذاب أليم. ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ..

                                                                                                                                                                                                                                      لقد سبق في السورة أن صور القرآن حالة البشرية; وهو يشير إلى أن الذين أوتوا الكتاب تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم العلم; وكان تفرقهم بغيا بينهم لا جهلا بما نزل الله لهم من الكتاب، وبما سن لهم من نهج ثابت مطرد من عهد نوح إلى عهد إبراهيم إلى عهد موسى إلى عهد عيسى - عليهم صلوات الله - وهو يشير كذلك إلى أن الذين أورثوا الكتاب بعد أولئك المختلفين، ليسوا على ثقة منه، بل هم في شك منه مريب.

                                                                                                                                                                                                                                      وإذا كان هذا حال أهل الأديان المنزلة، وأتباع الرسل - صلوات الله عليهم - فحال أولئك الذين لا يتبعون رسولا ولا يؤمنون بكتاب أضل وأعمى.

                                                                                                                                                                                                                                      ومن ثم كانت البشرية في حاجة إلى قيادة راشدة، تنقذها من تلك الجاهلية العمياء التي كانت تخوض فيها. وتأخذ بيدها إلى العروة الوثقى; وتقود خطاها في الطريق الواصل إلى الله ربها ورب هذا الوجود جميعا.

                                                                                                                                                                                                                                      ونزل الله الكتاب على عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - قرآنا عربيا، لينذر أم القرى ومن حولها; وشرع فيه ما وصى به نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى، ليصل بين حلقات الدعوة منذ فجر التاريخ، ويوحد نهجها وطريقها وغايتها; ويقيم بها الجماعة المسلمة التي تهيمن وتقود; وتحقق في الأرض وجود هذه الدعوة كما أرادها الله، وفي الصورة التي يرتضيها.

                                                                                                                                                                                                                                      وهنا في هذه الآيات يصور خصائص هذه الجماعة التي تطبعها وتميزها. ومع أن هذه الآيات مكية، نزلت قبل قيام الدولة المسلمة في المدينة، فإننا نجد فيها أن من صفة هذه الجماعة المسلمة: وأمرهم شورى بينهم .. مما يوحي بأن وضع الشورى أعمق في حياة المسلمين من مجرد أن تكون نظاما سياسيا للدولة، فهو طابع أساسي للجماعة، كلها يقوم عليه أمرها كجماعة، ثم يتسرب من الجماعة إلى الدولة، بوصفها إفرازا طبيعيا للجماعة. كذلك نجد من صفة هذه الجماعة: والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون .. مع أن الأمر الذي كان صادرا للمسلمين في مكة هو أن يصبروا وألا يردوا العدوان بالعدوان; إلى أن صدر لهم أمر آخر بعد الهجرة وأذن لهم في القتال. وقيل لهم: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير . وذكر هذه الصفة [ ص: 3161 ] هنا في آيات مكية بصدد تصوير طابع الجماعة المسلمة يوحي بأن صفة الانتصار من البغي صفة أساسية ثابتة; وأن الأمر الأول بالكف والصبر كان أمرا استثنائيا لظروف معينة. وأنه لما كان المقام هنا مقام عرض الصفات الأساسية للجماعة المسلمة ذكر منها هذه الصفة الأساسية الثابتة، ولو أن الآيات مكية، ولم يكن قد أذن لهم بعد في الانتصار من العدوان.

                                                                                                                                                                                                                                      وذكر هذه الصفات المميزة لطابع الجماعة المسلمة المختارة لقيادة البشرية وإخراجها من ظلام الجاهلية إلى نور الإسلام، ذكرها في سورة مكية وقبل أن تكون القيادة العملية في يدها فعلا جدير بالتأمل. فهي الصفات التي يجب أن تقوم أولا، وأن تتحقق في الجماعة لكي تصبح بها صالحة للقيادة العملية. ومن ثم ينبغي أن نتدبرها طويلا.. ما هي؟ ما حقيقتها؟ وما قيمتها في حياة البشرية جميعا؟

                                                                                                                                                                                                                                      إنها الإيمان. والتوكل. واجتناب كبائر الإثم والفواحش، والمغفرة عند الغضب. والاستجابة لله وإقامة الصلاة. والشورى الشاملة. والإنفاق مما رزق الله. والانتصار من البغي. والعفو. والإصلاح. والصبر.

                                                                                                                                                                                                                                      فما حقيقة هذه الصفات وما قيمتها؟ يحسن أن نبين هذا ونحن نستعرض الصفات في نسقها القرآني.

                                                                                                                                                                                                                                      إنه يقف الناس أمام الميزان الإلهي الثابت لحقيقة القيم. القيم الزائلة والقيم الباقية; كي لا يختلط الأمر في نفوسهم، فيختل كل شيء في تقديرهم. ويجعل هذا الميزان مقدمة لبيان صفة الجماعة المسلمة:

                                                                                                                                                                                                                                      التالي السابق


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية