الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      ثُمَّ اسْتَطْرَدَ السِّيَاقُ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّفَاعَةِ إِلَى الْأَمْرِ بِرَدِّ التَّحِيَّةِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ بِمِثْلِهَا. وَالتَّحِيَّةُ فِي الْمُجْتَمَعِ عَلَاقَةٌ مِنَ الْعَلَاقَاتِ الَّتِي تَدُورُ بِهَا عَجَلَةُ الْحَيَاةِ فِي يُسْرٍ، إِذَا اتُّبِعَ الْأَدَبُ الْوَاجِبُ فِيهَا.. وَالْمُنَاسَبَةُ قَرِيبَةٌ بَيْنَهَا - فِي جَوِّ الْمُجْتَمَعِ - وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ الَّتِي سَبَقَ التَّوْجِيهُ فِيهَا: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا .. وَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ بِتَحِيَّتِهِ الْخَاصَّةِ، الَّتِي تُمَيِّزُ الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ; وَتَجْعَلُ كُلَّ سِمَةٍ فِيهِ - حَتَّى السِّمَاتِ الْيَوْمِيَّةِ الْعَادِيَّةِ - مُتَفَرِّدَةً مُتَمَيِّزَةً; لَا تَنْدَغِمُ وَلَا تَضِيعُ فِي سِمَاتِ الْمُجْتَمَعَاتِ الْأُخْرَى وَمَعَالِمِهَا.. جَعَلَ الْإِسْلَامُ تَحِيَّتَهُ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ" أَوِ "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ" أَوِ " السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ" .. وَالرَّدُّ عَلَيْهَا بِأَحْسَنَ مِنْهَا بِالزِّيَادَةِ عَلَى كُلٍّ مِنْهَا - مَا عَدَا الثَّالِثَةِ فَلَمْ تُبْقِ زِيَادَةً لِمُسْتَزِيدٍ - فَالرَّدُّ عَلَى الْأُولَى (وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) وَالرَّدُّ عَلَى الثَّانِيَةِ (وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ) . وَالرَّدُّ عَلَى الثَّالِثَةِ (وَعَلَيْكُمْ..) إِذْ أَنَّهَا اسْتَوْفَتْ كُلَّ الزِّيَادَاتِ، فَتُرَدُّ بِمِثْلِهَا ... وَهَكَذَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. وَنَقِفُ أَمَامَ اللَّمَسَاتِ الْكَامِنَةِ فِي آيَةِ التَّحِيَّةِ هَذِهِ: إِنَّهَا - أَوَّلًا - تِلْكَ السِّمَةُ الْمُتَفَرِّدَةُ، الَّتِي يَحْرِصُ الْمَنْهَجُ الْإِسْلَامِيُّ عَلَى أَنْ يَطْبَعَ بِهَا الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ بِحَيْثُ تَكُونُ لَهُ مَلَامِحُهُ الْخَاصَّةُ، وَتَقَالِيدُهُ الْخَاصَّةُ - كَمَا أَنَّ لَهُ شَرَائِعَهُ الْخَاصَّةَ وَنِظَامَهُ الْخَاصَّ - وَقَدْ سَبَقَ أَنْ تَحَدَّثْنَا عَنْ هَذِهِ الْخَاصِّيَّةِ بِالتَّفْصِيلِ عِنْدَ الْكَلَامِ عَنْ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ، وَتَمَيُّزِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ بِقِبْلَتِهَا، كَتَمَيُّزِهَا بِعَقِيدَتِهَا. وَذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ قَبْلُ فِي الظِّلَالِ . وَهِيَ - ثَانِيًا - الْمُحَاوَلَةُ الدَّائِمَةُ لِتَوْثِيقِ عَلَاقَاتِ الْمَوَدَّةِ وَالْقُرْبَى بَيْنَ أَفْرَادِ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ.. وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَالرَّدُّ عَلَى التَّحِيَّةِ بِأَحْسَنَ مِنْهَا، مِنْ خَيْرِ الْوَسَائِلِ لِإِنْشَاءِ هَذِهِ الْعَلَاقَاتِ وَتَوْثِيقِهَا. وَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيُّ الْعَمَلِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ .. هَذَا فِي إِفْشَاءِ السَّلَامِ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ ابْتِدَاءً. وَهُوَ سُنَّةٌ. أَمَّا الرَّدُّ عَلَيْهَا فَهُوَ فَرِيضَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ.. وَالْعِنَايَةُ بِهَذَا الْأَمْرِ تَبْدُو قِيمَتُهَا عِنْدَ الْمُلَاحَظَةِ الْوَاقِعِيَّةِ لِآثَارِ هَذَا التَّقْلِيدِ فِي إِصْفَاءِ الْقُلُوبِ، وَتَعَارُفِ غَيْرِ الْمُتَعَارِفِينَ; وَتَوْثِيقِ الصِّلَةِ بَيْنَ الْمُتَّصِلِينَ.. وَهِيَ ظَاهِرَةٌ يُدْرِكُهَا كُلُّ مَنْ يُلَاحِظُ آثَارَ مِثْلِ هَذَا التَّقْلِيدِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ، وَيَتَدَبَّرُ نَتَائِجَهَا الْعَجِيبَةَ! وَهِيَ - ثَالِثًا - نَسْمَةٌ رَخِيَّةٌ فِي وَسَطِ آيَاتِ الْقِتَالِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا.. لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنْهَا أَنْ يُشَارَ إِلَى قَاعِدَةِ الْإِسْلَامِ الْأَسَاسِيَّةِ.. السَّلَامِ.. فَالْإِسْلَامُ دِينُ السَّلَامِ. وَهُوَ لَا يُقَاتِلُ إِلَّا لِإِقْرَارِ السَّلَامِ فِي الْأَرْضِ، بِمَعْنَاهُ الْوَاسِعِ الشَّامِلِ. السَّلَامُ النَّاشِئُ مِنَ اسْتِقَامَةِ الْفِطْرَةِ عَلَى مَنْهَجِ اللَّهِ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية