الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا يَبْدَأُ هَذَا الدَّرْسُ بِقَاعِدَةِ التَّصَوُّرِ الْإِسْلَامِيِّ الْأَسَاسِيَّةِ.. التَّوْحِيدِ وَإِفْرَادِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - بِالْأُلُوهِيَّةِ; ثُمَّ يَبْنِي عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَحْكَامًا شَتَّى فِي مُعَامَلَةِ الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ مَعَ الْمُعَسْكَرَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ; بَعْدَ التَّنْدِيدِ بِانْقِسَامِ الصَّفِّ الْمُسْلِمِ إِلَى فِئَتَيْنِ وَرَأْيَيْنِ، فِي مُعَامَلَةِ الْمُنَافِقِينَ - وَيَبْدُو أَنَّهَا جَمَاعَةٌ خَاصَّةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْ غَيْرِ سُكَّانِ الْمَدِينَةِ - فَتَقُومُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ - وَهَذَا التَّنْدِيدُ أَيْضًا - عَلَى قَاعِدَتِهَا الْأَصِيلَةِ، الَّتِي يَقُومُ عَلَيْهَا بِنَاءُ النِّظَامِ الْإِسْلَامِيِّ كُلِّهِ.. وَالَّتِي يَتَكَرَّرُ ذِكْرُهَا كُلَّمَا اتَّجَهَ الْمَنْهَجُ الرَّبَّانِيُّ إِلَى تَشْرِيعٍ أَوْ تَوْجِيهٍ. هَذِهِ الْأَحْكَامُ فِي مُعَامَلَةِ الْمُعَسْكَرَاتِ الْمُخْتَلِفَةِ، هِيَ طَرَفٌ مِنَ الْقَوَاعِدِ الَّتِي أَنْشَأَهَا الْإِسْلَامُ - لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي تَارِيخِ الْبَشَرِيَّةِ - لِتَنْظِيمِ الْمُعَامَلَاتِ الدُّوَلِيَّةِ; وَاتِّخَاذِ قَوَاعِدَ أُخْرَى لِهَذِهِ الْمُعَامَلَاتِ، غَيْرِ تَحْكِيمِ السَّيْفِ، وَمَنْطِقِ الْقُوَّةِ، وَشَرِيعَةِ الْغَابِ. إِنَّ أُورُبَّا بِقَانُونِهَا الدُّوَلِيِّ - وَكُلِّ مَا تَفَرَّعَ عَنْهُ مِنَ الْمُنَظَّمَاتِ الدُّوَلِيَّةِ - لَمْ تَبْدَأْ فِي هَذَا الِاتِّجَاهِ إِلَّا فِي الْقَرْنِ السَّابِعَ عَشَرَ الْمِيلَادِيِّ (الْحَادِي عَشَرَ الْهِجْرِيِّ) . وَلَمْ يَزَلْ هَذَا الْقَانُونُ - فِي جُمْلَتِهِ - حِبْرًا عَلَى وَرَقٍ; وَلَمْ تَزَلْ هَذِهِ الْمُنَظَّمَاتُ - فِي جُمْلَتِهَا - أَدَوَاتٍ تَخْتَفِي وَرَاءَهَا الْأَطْمَاعُ الدُّوَلِيَّةُ; وَمَنَابِرَ لِلْحَرْبِ الْبَارِدَةِ! وَلَيْسَتْ أَدَاةً لِإِحْقَاقِ حَقٍّ; وَلَا لِتَحْقِيقِ عَدْلٍ! وَقَدْ دَعَتْ إِلَيْهَا مُنَازَعَاتٌ بَيْنَ دُوَلٍ مُتَكَافِئَةِ الْقُوَى. وَلَكِنْ كُلَّمَا اخْتَلَّ هَذَا التَّكَافُؤُ لَمْ يَعُدْ لِلْقَوَانِينِ الدُّوَلِيَّةِ قِيمَةٌ، وَلَا لِلْمُنَظَّمَاتِ الدُّوَلِيَّةِ عَمَلٌ ذُو قِيمَةٍ! أَمَّا الْإِسْلَامُ - الْمَنْهَجُ الرَّبَّانِيُّ لِلْبَشَرِ - فَقَدْ وَضَعَ أُسُسَ الْمُعَامَلَاتِ الدُّوَلِيَّةِ فِي الْقَرْنِ السَّابِعِ الْمِيلَادِيِّ (الْأَوَّلِ الْهِجْرِيِّ) . وَوَضَعَهَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ; دُونَ أَنْ تَضْطَرَّهُ إِلَى ذَلِكَ مُلَابَسَاتُ الْقُوَى الْمُتَكَافِئَةِ. فَهُوَ كَانَ يَضَعُهَا لِيَسْتَخْدِمَهَا هُوَ، وَلِيُقِيمَ الْمُجْتَمَعُ الْمُسْلِمُ عَلَاقَاتِهِ مَعَ الْمُعَسْكَرَاتِ الْأُخْرَى عَلَى أَسَاسِهَا. لِيَرْفَعَ لِلْبَشَرِيَّةِ رَايَةَ الْعَدَالَةِ، وَلِيُقِيمَ لَهَا مَعَالِمَ الطَّرِيقِ. وَلَوْ كَانَتِ الْمُعَسْكَرَاتُ الْأُخْرَى - الْجَاهِلِيَّةُ - لَا تُعَامِلُ الْمُجْتَمَعَ الْمُسْلِمَ بِتِلْكَ الْمَبَادِئِ مِنْ جَانِبِهَا.. فَلَقَدْ كَانَ الْإِسْلَامُ يُنْشِئُ هَذِهِ الْمَبَادِئَ إِنْشَاءً وَلِلْمَرَّةِ الْأُولَى.. وَهَذِهِ الْقَوَاعِدُ لِلْمُعَامَلَاتِ الدُّوَلِيَّةِ مُتَفَرِّقَةٌ فِي مَوَاضِعِهَا وَمُنَاسَبَاتِهَا مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ، وَهِيَ تُؤَلِّفُ فِي مَجْمُوعِهَا قَانُونًا كَامِلًا لِلتَّعَامُلِ الدُّوَلِيِّ. يَضُمُّ حُكْمًا لِكُلِّ حَالَةٍ مِنَ الْحَالَاتِ الَّتِي تَعْرِضُ بَيْنَ الْمُعَسْكَرِ الْإِسْلَامِيِّ وَالْمُعَسْكَرَاتِ الْأُخْرَى: مُحَارَبَةٍ. وَمُهَادَنَةٍ. وَمُحَالَفَةٍ. وَمُحَايَدَةٍ. وَمُرْتَبِطَةٍ مَعَ مُحَارِبٍ، أَوْ مُهَادِنٍ، أَوْ مُحَالِفٍ، أَوْ مُحَايِدٍ ... إِلَخْ.. وَلَيْسَ بِنَا هُنَا أَنْ نَسْتَعْرِضَ هَذِهِ الْمَبَادِئَ وَالْأَحْكَامَ (فَهِيَ جَدِيرَةٌ بِبَحْثٍ مُسْتَقِلٍّ يَتَوَلَّاهُ مُتَخَصِّصٌ فِي الْقَانُونِ الدُّوَلِيِّ) . وَلَكِنَّنَا نَسْتَعْرِضُ مَا جَاءَ فِي هَذِهِ الْمَجْمُوعَةِ مِنَ الْآيَاتِ فِي هَذَا الدَّرْسِ.. وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِالتَّعَامُلِ مَعَ الطَّوَائِفِ التَّالِيَةِ: "أ" الْمُنَافِقِينَ غَيْرِ الْمُقِيمِينَ فِي الْمَدِينَةِ . "ب" الَّذِينَ يَرْتَبِطُونَ بِقَوْمٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِيثَاقٌ.. "ج" الْمُحَايِدِينَ الَّذِينَ تَضِيقُ صُدُورُهُمْ بِحَرْبِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ حَرْبِ قَوْمِهِمْ كَذَلِكَ. وَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ. "د" الْمُتَلَاعِبِينَ بِالْعَقِيدَةِ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ إِذَا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ وَيُظْهِرُونَ الْكُفْرَ إِذَا عَادُوا إِلَى مَكَّةَ . "هـ" حَالَاتِ الْقَتْلِ الْخَطَأِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْقَتْلِ الْعَمْدِ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَوَاطِنِ وَالْأَقْوَامِ.. وَسَنَجِدُ أَحْكَامًا صَرِيحَةً وَاضِحَةً فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْحَالَاتِ; الَّتِي تُكَوِّنُ جَانِبًا مِنْ مَبَادِئِ التَّعَامُلِ فِي الْمُحِيطِ الدُّوَلِيِّ. شَأْنُهَا شَأْنُ بَقِيَّةِ الْأَحْكَامِ، الَّتِي تَتَنَاوَلُ شَتَّى الْعَلَاقَاتِ الْأُخْرَى.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية