وفي نهاية الدرس يصل السياق إلى الموقف الأخير لبني إسرائيل مع رسولهم ومنقذهم -
موسى عليه السلام -
[ ص: 868 ] على أبواب
الأرض المقدسة التي وعدهم الله ; وموقفهم كذلك من ميثاق ربهم معهم ; وكيف نقضوه ; وكيف كان جزاؤهم على نقض الميثاق الوثيق .
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=20وإذ قال موسى لقومه: يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم. إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=21يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم، ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=22قالوا: يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=23قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما: ادخلوا عليهم الباب، فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=24قالوا: يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها. فاذهب أنت وربك فقاتلا، إنا ها هنا قاعدون nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=25قال: رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=26قال: فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، فلا تأس على القوم الفاسقين .
إنها حلقة من قصة بني إسرائيل التي فصلها القرآن أوسع تفصيل . . ذلك لحكمة متشعبة الجوانب . .
من جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أول من واجه الدعوة الإسلامية بالعداء والكيد والحرب في
المدينة وفي
الجزيرة العربية كلها . فقد كانوا حربا على الجماعة المسلمة منذ اليوم الأول . هم الذين احتضنوا النفاق والمنافقين في
المدينة ; وأمدوهم بوسائل الكيد للعقيدة وللمسلمين معا . وهم الذين حرضوا المشركين وواعدوهم وتآمروا معهم على الجماعة المسلمة . وهم الذين تولوا حرب الإشاعات والدس والكيد في الصف المسلم ; كما تولوا بث الشبهات والشكوك والتحريفات حول العقيدة وحول القيادة . وذلك كله قبل أن يسفروا بوجوههم في الحرب المعلنة الصريحة . فلم يكن بد من كشفهم للجماعة المسلمة ، لتعرف من هم أعداؤها . ما طبيعتهم ؟ وما تاريخهم ؟ وما وسائلهم ؟ وما حقيقة المعركة التي تخوضها معهم ؟
ولقد
nindex.php?page=treesubj&link=32423علم الله أنهم هم سيكونون أعداء هذه الأمة في تاريخها كله ; كما كانوا أعداء هدى الله في ماضيهم كله . فعرض لهذه الأمة أمرهم كله مكشوفا ; ووسائلهم كلها مكشوفة .
ومن جوانب هذه الحكمة أن بني إسرائيل هم أصحاب آخر دين قبل دين الله الأخير . وقد امتد تاريخهم قبل الإسلام فترة من التاريخ طويلة ; ووقعت الانحرافات في عقيدتهم ; ووقع منهم النقض المتكرر لميثاق الله معهم ; ووقع في حياتهم آثار هذا النقض وهذا الانحراف ، كما وقع في أخلاقهم وتقاليدهم . . فاقتضى هذا أن تلم الأمة المسلمة - وهي وارثة الرسالات كلها وحاضنة العقيدة الربانية بجملتها - بتاريخ القوم ، وتقلبات هذا التاريخ ; وتعرف مزالق الطريق ، وعواقبها ممثلة في حياة بني إسرائيل وأخلاقهم ، لتضم هذه التجربة في حقل العقيدة والحياة إلى حصيلة تجاربها ; وتنتفع بهذا الرصيد وتنفع على مدار القرون . ولتتقي - بصفة خاصة - مزالق الطريق ، ومداخل الشيطان ، وبوادر الانحراف ، على هدى التجارب الأولى .
ومن جوانب هذه الحكمة أن تجربة بني إسرائيل ذات صحائف شتى في المدى الطويل . وقد علم الله أن الأمد حين يطول على الأمم تقسو قلوبها ; وتنحرف أجيال منها ; وأن الأمة المسلمة التي سيمتد تاريخها حتى تقوم الساعة ، ستصادفها فترات تمثل فيها فترات من حياة بني إسرائيل ; فجعل أمام أئمة هذه الأمة وقادتها ومجددي الدعوة في أجيالها الكثيرة ، نماذج من العقابيل التي تلم بالأمم ; يعرفون منها كيف يعالجون الداء بعد معرفة طبيعته . ذلك أن أشد القلوب استعصاء على الهدى والاستقامة هي القلوب التي عرفت ثم انحرفت ! فالقلوب الغفل الخامة أقرب إلى الاستجابة ، لأنها تفاجأ من الدعوة بجديد يهزها ، وينفض عنها الركام ، لجدته عليها ، وانبهارها بهذا الجديد الذي يطرق فطرتها لأول مرة . فأما القلوب التي نوديت من قبل ، فالنداء الثاني
[ ص: 869 ] لا تكون له جدته ، ولا تكون له هزته ; ولا يقع فيها الإحساس بضخامته وجديته ، ومن ثم تحتاج إلى الجهد المضاعف ، وإلى الصبر الطويل !
وجوانب شتى لحكمة الله في تفصيل قصة بني إسرائيل ، وعرضها مفصلة على الأمة المسلمة وارثة العقيدة والدين ; القوامة على البشر أجمعين . . جوانب شتى لا نملك هنا المضي معها أكثر من هذه الإشارات السريعة . . لنعود إلى هذه الحلقة ، في هذا الدرس ، في هذه السورة :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=20وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم. إذ جعل فيكم أنبياء، وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=21يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين . .
وإننا لنلمح في كلمات
موسى - عليه السلام - إشفاقه من تردد القوم ونكوصهم على الأعقاب . فلقد جربهم من قبل في "مواطن كثيرة " في خط سير الرحلة الطويل . . جربهم وقد أخرجهم من أرض
مصر ; وحررهم من الذل والهوان ، باسم الله وبسلطان الله الذي فرق لهم البحر ، وأغرق لهم
فرعون وجنده . فإذا هم يمرون على قوم يعكفون على أصنام لهم ، فيقولون
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=138يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة . . وما يكاد يغيب عنهم في ميقاته مع ربه حتى يتخذ
السامري من الحلي التي سرقوها معهم من نساء المصريين عجلا ذهبا له خوار ; ثم إذا هم عاكفون عليه يقولون : إنه إله
موسى الذي ذهب لميقاته ! . . وجربهم وقد فجر لهم من الصخر ينابيع في جوف الصحراء ، وأنزل عليهم المن والسلوى طعاما سائغا ، فإذا هم يشتهون ما اعتادوا من أطعمة
مصر - أرض الذل بالنسبة لهم - فيطلبون بقلها وقثاءها وفومها وعدسها وبصلها ، ولا يصبرون عما ألفوا من طعام وحياة في سبيل العزة والخلاص ، والهدف الأسمى ، الذي يسوقهم
موسى إليه وهم يتسكعون ! . . وجربهم في قصة البقرة التي أمروا بذبحها فتلكئوا وتسكعوا في الطاعة والتنفيذ . .
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=71فذبحوها وما كادوا يفعلون ! وجربهم وقد عاد من ميقات ربه ومعه الألواح وفيها ميثاق الله عليهم وعهده . فأبوا أن يعطوا الميثاق وأن يمضوا العهد مع ربهم - بعد كل هذه الآلاء وكل هذه المغفرة للخطايا - ولم يعطوا الميثاق حتى وجدوا الجبل منتوقا فوق رؤوسهم ،
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=171وظنوا أنه واقع بهم ! . .
لقد جربهم في مواطن كثيرة طوال الطريق الطويل . . ثم ها هو ذا معهم على أبواب
الأرض المقدسة . أرض الميعاد التي من أجلها خرجوا . الأرض التي وعدهم الله أن يكونوا فيها ملوكا ، وأن يبعث من بينهم الأنبياء فيها ليظلوا في رعاية الله وقيادته . .
لقد جربهم فحق له أن يشفق ، وهو يدعوهم دعوته الأخيرة ، فيحشد فيها ألمع الذكريات ، وأكبر البشريات ، وأضخم المشجعات وأشد التحذيرات :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=20يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم. إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا، وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=21يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين . .
نعمة الله . ووعده الواقع من أن يجعل فيهم أنبياء ويجعلهم ملوكا . وإيتاءه لهم بهذا وذلك ما لم يؤت أحدا من العالمين حتى ذلك التاريخ .
والأرض المقدسة التي هم مقدمون عليها مكتوبة لهم بوعد الله . فهي إذن يقين . . وقد رأوا من قبل كيف صدقهم الله وعده . وهذا وعده الذي هم عليه قادمون . . . والارتداد على الأدبار هو الخسران المبين . .
[ ص: 870 ] ولكن إسرائيل . ، هي إسرائيل ! ! ! الجبن . والتمحل . والنكوص على الأعقاب . ونقض الميثاق :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=22قالوا: يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها، فإن يخرجوا منها فإنا داخلون .
إن جبلة يهود لتبدو هنا على حقيقتها ، مكشوفة بلا حجاب ولو رقيق من التجمل . ذلك أنهم أمام الخطر ; فلا بقية إذن من تجمل ; ولا محاولة إذن للتشجع ، ولا مجال كذلك للتمحل . إن الخطر ماثل قريب ; ومن ثم لا يعصمهم منه حتى وعد الله لهم بأنهم أصحاب هذه الأرض ، وأن الله قد كتبها لهم ، فهم يريدونه نصرا رخيصا ، لا ثمن له ، ولا جهد فيه . نصرا مريحا يتنزل عليهم تنزل المن والسلوى !
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=22إن فيها قوما جبارين.. وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها.. فإن يخرجوا منها فإنا داخلون . .
ولكن تكاليف النصر ليست هكذا كما تريدها يهود ! وهي فارغة القلوب من الإيمان !
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=23قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما: ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون. وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين .
هنا تبرز
nindex.php?page=treesubj&link=19995_29675قيمة الإيمان بالله ، والخوف منه . . فهذان رجلان من الذين يخافون الله ، ينشئ لهما الخوف من الله استهانة بالجبارين ! ويرزقهما شجاعة في وجه الخطر الموهوم ! وهذان هما يشهدان بقولتهما هذه بقيمة الإيمان في ساعة الشدة ; وقيمة الخوف من الله في مواطن الخوف من الناس . فالله سبحانه لا يجمع في قلب واحد بين مخافتين : مخافته - جل جلاله - ومخافة الناس . . والذي يخاف الله لا يخاف أحدا بعده ; ولا يخاف شيئا سواه . .
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=23ادخلوا عليهم الباب. فإذا دخلتموه فإنكم غالبون . .
قاعدة في علم القلوب وفي علم الحروب . . أقدموا واقتحموا . فمتى دخلتم على القوم في عقر دارهم انكسرت قلوبهم بقدر ما تقوى قلوبكم ; وشعروا بالهزيمة في أرواحهم وكتب لكم الغلب عليهم . .
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=23وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين . .
فعلى الله - وحده - يتوكل المؤمن . وهذه هي خاصية الإيمان وعلامته ; وهذا هو منطق الإيمان ومقتضاه . . ولكن لمن يقولان هذا الكلام ؟ لبني إسرائيل ؟ !
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=24قالوا: يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها. فاذهب أنت وربك فقاتلا. إنا ها هنا قاعدون . .
وهكذا يحرج الجبناء فيتوقحون ; ويفزعون من الخطر أمامهم فيرفسون بأرجلهم كالحمر ولا يقدمون ! والجبن والتوقح ليسا متناقضين ولا متباعدين ; بل إنهما لصنوان في كثير من الأحيان . يدفع الجبان إلى الواجب فيجبن . فيحرج بأنه ناكل عن الواجب ، فيسب هذا الواجب ; ويتوقح على دعوته التي تكلفه ما لا يريد !
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=24فاذهب أنت وربك فقاتلا. إنا ها هنا قاعدون . .
هكذا في وقاحة العاجز ، الذي لا تكلفه وقاحة اللسان إلا مد اللسان ! أما النهوض بالواجب فيكلفه وخز السنان ! !
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=24فاذهب أنت وربك . .
فليس بربهم إذا كانت ربوبيته ستكلفهم القتال !
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=24إنا ها هنا قاعدون . .
لا نريد ملكا ، ولا نريد عزا ، ولا نريد
أرض الميعاد . . ودونها لقاء الجبارين !
[ ص: 871 ] هذه هي نهاية المطاف
بموسى عليه السلام . نهاية الجهد الجهيد . والسفر الطويل . واحتمال الرذالات والانحرافات والالتواءات من بني إسرائيل !
نعم ها هي ذي نهاية المطاف . . نكوصا عن
الأرض المقدسة ، وهو معهم على أبوابها . ونكولا عن ميثاق الله وهو مرتبط معهم بالميثاق . . فماذا يصنع ؟ وبمن يستجير ؟
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=25قال: رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي. فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين . .
دعوة فيها الألم . وفيها الالتجاء . وفيها الاستسلام . وفيها - بعد ذلك - المفاصلة والحسم والتصميم !
وإنه ليعلم أن ربه يعلم أنه لا يملك إلا نفسه وأخاه . . ولكن
موسى في ضعف الإنسان المخذول . وفي إيمان النبي الكليم . وفي عزم المؤمن المستقيم ، لا يجد متوجها إلا لله . يشكو له بثه ونجواه ، ويطلب إليه الفرقة الفاصلة بينه وبين القوم الفاسقين . فما يربطه بهم شيء بعد النكول عن ميثاق الله الوثيق . . ما يربطه بهم نسب . وما يربطه بهم تاريخ . وما يربطه بهم جهد سابق . إنما تربطه بهم هذه الدعوة إلى الله ، وهذا الميثاق مع الله . وقد فصلوه . فانبت ما بينه وبينهم إلى الأعماق . وما عاد يربطه بهم رباط . . إنه مستقيم على عهد الله وهم فاسقون . . إنه مستمسك بميثاق الله وهم ناكصون . .
هذا هو أدب النبي . وهذه هي خطة المؤمن . وهذه هي الآصرة التي يجتمع عليها أو يتفرق المؤمنون . . لا جنس . لا نسب . لا قوم . لا لغة . لا تاريخ . لا وشيجة من كل وشائج الأرض ; إذا انقطعت وشيجة العقيدة ; وإذا اختلف المنهج والطريق . .
واستجاب الله لنبيه . وقضى بالجزاء العدل على الفاسقين .
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=26قال: فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض. فلا تأس على القوم الفاسقين .
وهكذا أسلمهم الله - وهم على أبواب
الأرض المقدسة - للتيه ; وحرم عليهم الأرض التي كتبها لهم . . والأرجح أنه حرمها على هذا الجيل منهم حتى تنبت نابتة جديدة ; وحتى ينشأ جيل غير هذا الجيل . جيل يعتبر بالدرس ، وينشأ في خشونة الصحراء وحريتها صلب العود . . جيل غير هذا الجيل الذي أفسده الذل والاستعباد والطغيان في
مصر ، فلم يعد يصلح لهذا الأمر الجليل ! والذل والاستعباد والطغيان يفسد فطرة الأفراد كما يفسد فطرة الشعوب .
ويتركهم السياق هنا - في التيه - لا يزيد على ذلك . . وهو موقف تجتمع فيه العبرة النفسية إلى الجمال الفني ، على طريقة القرآن في التعبير .
ولقد وعى المسلمون هذا الدرس - مما قصه الله عليهم من القصص - فحين واجهوا الشدة وهم قلة أمام نفير
قريش في غزوة
بدر ، قالوا لنبيهم - صلى الله عليه وسلم -
nindex.php?page=hadith&LINKID=104939إذن لا نقول لك يا رسول الله ما قاله بنو إسرائيل لنبيهم . nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=24فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون لكن نقول : اذهب أنت وربك فقاتلا فإننا معكما مقاتلون . .
وكانت هذه بعض آثار المنهج القرآني في التربية بالقصص عامة ; وبعض جوانب حكمة الله في تفصيل قصة بني إسرائيل . .
وَفِي نِهَايَةِ الدَّرْسِ يَصِلُ السِّيَاقُ إِلَى الْمَوْقِفِ الْأَخِيرِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مَعَ رَسُولِهِمْ وَمُنْقِذِهِمْ -
مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ -
[ ص: 868 ] عَلَى أَبْوَابِ
الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ الَّتِي وَعَدَهُمُ اللَّهُ ; وَمَوْقِفِهِمْ كَذَلِكَ مِنْ مِيثَاقِ رَبِّهِمْ مَعَهُمْ ; وَكَيْفَ نَقَضُوهُ ; وَكَيْفَ كَانَ جَزَاؤُهُمْ عَلَى نَقْضِ الْمِيثَاقِ الْوَثِيقِ .
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=20وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=21يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=22قَالُوا: يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=23قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ، فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهُ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=24قَالُوا: يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا. فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا، إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=25قَالَ: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي، فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=26قَالَ: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ، فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ .
إِنَّهَا حَلْقَةٌ مِنْ قِصَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّتِي فَصَّلَهَا الْقُرْآنُ أَوْسَعَ تَفْصِيلٍ . . ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ مُتَشَعِّبَةِ الْجَوَانِبِ . .
مِنْ جَوَانِبِ هَذِهِ الْحِكْمَةِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُمْ أَوَّلُ مَنْ وَاجَهَ الدَّعْوَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ بِالْعَدَاءِ وَالْكَيْدِ وَالْحَرْبِ فِي
المدينة وَفِي
الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ كُلِّهَا . فَقَدْ كَانُوا حَرْبًا عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ مُنْذُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ . هُمُ الَّذِينَ احْتَضَنُوا النِّفَاقَ وَالْمُنَافِقِينَ فِي
المدينة ; وَأَمَدُّوهُمْ بِوَسَائِلِ الْكَيْدِ لِلْعَقِيدَةِ وَلِلْمُسْلِمِينَ مَعًا . وَهُمُ الَّذِينَ حَرَّضُوا الْمُشْرِكِينَ وَوَاعَدُوهُمْ وَتَآمَرُوا مَعَهُمْ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ . وَهُمُ الَّذِينَ تَوَلَّوْا حَرْبَ الْإِشَاعَاتِ وَالدَّسَّ وَالْكَيْدَ فِي الصَّفِّ الْمُسْلِمِ ; كَمَا تَوَلَّوْا بَثَّ الشُّبُهَاتِ وَالشُّكُوكِ وَالتَّحْرِيفَاتِ حَوْلَ الْعَقِيدَةِ وَحَوْلَ الْقِيَادَةِ . وَذَلِكَ كُلُّهُ قَبْلَ أَنْ يُسْفِرُوا بِوُجُوهِهِمْ فِي الْحَرْبِ الْمُعْلَنَةِ الصَّرِيحَةِ . فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ كَشْفِهِمْ لِلْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ ، لِتَعْرِفَ مَنْ هُمْ أَعْدَاؤُهَا . مَا طَبِيعَتُهُمْ ؟ وَمَا تَارِيخُهُمْ ؟ وَمَا وَسَائِلُهُمْ ؟ وَمَا حَقِيقَةُ الْمَعْرَكَةِ الَّتِي تَخُوضُهَا مَعَهُمْ ؟
وَلَقَدْ
nindex.php?page=treesubj&link=32423عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ هُمْ سَيَكُونُونَ أَعْدَاءَ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي تَارِيخِهَا كُلِّهِ ; كَمَا كَانُوا أَعْدَاءَ هُدَى اللَّهِ فِي مَاضِيهِمْ كُلِّهِ . فَعَرَضَ لِهَذِهِ الْأَمَةِ أَمْرَهُمْ كُلَّهُ مَكْشُوفًا ; وَوَسَائِلَهُمْ كُلَّهَا مَكْشُوفَةً .
وَمِنْ جَوَانِبِ هَذِهِ الْحِكْمَةِ أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ هُمْ أَصْحَابُ آخِرِ دِينٍ قَبْلَ دِينِ اللَّهِ الْأَخِيرِ . وَقَدِ امْتَدَّ تَارِيخُهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَتْرَةً مِنَ التَّارِيخِ طَوِيلَةً ; وَوَقَعَتِ الِانْحِرَافَاتُ فِي عَقِيدَتِهِمْ ; وَوَقَعَ مِنْهُمُ النَّقْضُ الْمُتَكَرِّرُ لِمِيثَاقِ اللَّهِ مَعَهُمْ ; وَوَقَعَ فِي حَيَاتِهِمْ آثَارُ هَذَا النَّقْضِ وَهَذَا الِانْحِرَافِ ، كَمَا وَقَعَ فِي أَخْلَاقِهِمْ وَتَقَالِيدِهِمْ . . فَاقْتَضَى هَذَا أَنْ تُلِمَّ الْأُمَّةُ الْمُسْلِمَةُ - وَهِيَ وَارِثَةُ الرِّسَالَاتِ كُلِّهَا وَحَاضِنَةُ الْعَقِيدَةِ الرَّبَّانِيَّةِ بِجُمْلَتِهَا - بِتَارِيخِ الْقَوْمِ ، وَتَقَلُّبَاتِ هَذَا التَّارِيخِ ; وَتَعْرِفُ مَزَالِقَ الطَّرِيقِ ، وَعَوَاقِبَهَا مُمَثَّلَةً فِي حَيَاةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَخْلَاقِهِمْ ، لِتَضُمَّ هَذِهِ التَّجْرِبَةَ فِي حَقْلِ الْعَقِيدَةِ وَالْحَيَاةِ إِلَى حَصِيلَةِ تَجَارِبِهَا ; وَتَنْتَفِعَ بِهَذَا الرَّصِيدِ وَتَنْفَعَ عَلَى مَدَارِ الْقُرُونِ . وَلِتَتَّقِيَ - بِصِفَةٍ خَاصَّةٍ - مَزَالِقَ الطَّرِيقِ ، وَمَدَاخِلَ الشَّيْطَانِ ، وَبَوَادِرَ الِانْحِرَافِ ، عَلَى هُدَى التَّجَارِبِ الْأُولَى .
وَمِنْ جَوَانِبِ هَذِهِ الْحِكْمَةِ أَنَّ تَجْرِبَةَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذَاتُ صَحَائِفَ شَتَّى فِي الْمَدَى الطَّوِيلِ . وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ الْأَمَدَ حِينَ يَطُولُ عَلَى الْأُمَمِ تَقْسُو قُلُوبُهَا ; وَتَنْحَرِفُ أَجْيَالٌ مِنْهَا ; وَأَنَّ الْأُمَّةَ الْمُسْلِمَةَ الَّتِي سَيَمْتَدُّ تَارِيخُهَا حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، سَتُصَادِفُهَا فَتَرَاتٌ تُمَثِّلِ فِيهَا فَتَرَاتٍ مِنْ حَيَاةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ; فَجَعَلَ أَمَامَ أَئِمَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَقَادَتِهَا وَمُجَدِّدِي الدَّعْوَةِ فِي أَجْيَالِهَا الْكَثِيرَةِ ، نَمَاذِجَ مِنَ الْعَقَابِيلِ الَّتِي تُلِمُّ بِالْأُمَمِ ; يَعْرِفُونَ مِنْهَا كَيْفَ يُعَالِجُونَ الدَّاءَ بَعْدَ مَعْرِفَةِ طَبِيعَتِهِ . ذَلِكَ أَنَّ أَشَدَّ الْقُلُوبِ اسْتِعْصَاءً عَلَى الْهُدَى وَالِاسْتِقَامَةِ هِيَ الْقُلُوبُ الَّتِي عَرَفَتْ ثُمَّ انْحَرَفَتْ ! فَالْقُلُوبُ الْغُفْلُ الْخَامَةُ أَقْرَبُ إِلَى الِاسْتِجَابَةِ ، لِأَنَّهَا تُفَاجَأُ مِنَ الدَّعْوَةِ بِجَدِيدٍ يَهُزُّهَا ، وَيَنْفُضُ عَنْهَا الرُّكَامَ ، لِجِدَّتِهِ عَلَيْهَا ، وَانْبِهَارِهَا بِهَذَا الْجَدِيدِ الَّذِي يَطْرُقُ فِطْرَتَهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ . فَأَمَّا الْقُلُوبُ الَّتِي نُودِيَتْ مِنْ قَبْلُ ، فَالنِّدَاءُ الثَّانِي
[ ص: 869 ] لَا تَكُونُ لَهُ جَدَّتُهُ ، وَلَا تَكُونُ لَهُ هَزَّتُهُ ; وَلَا يَقَعُ فِيهَا الْإِحْسَاسُ بِضَخَامَتِهِ وَجِدِّيَّتِهِ ، وَمِنْ ثَمَّ تَحْتَاجُ إِلَى الْجُهْدِ الْمُضَاعَفِ ، وَإِلَى الصَّبْرِ الطَّوِيلِ !
وَجَوَانِبُ شَتَّى لِحِكْمَةِ اللَّهِ فِي تَفْصِيلِ قِصَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ، وَعَرْضِهَا مُفَصَّلَةً عَلَى الْأُمَّةِ الْمُسْلِمَةِ وَارِثَةِ الْعَقِيدَةِ وَالدِّينِ ; الْقَوَامَةُ عَلَى الْبَشَرِ أَجْمَعِينَ . . جَوَانِبُ شَتَّى لَا نَمْلِكُ هُنَا الْمُضِيَّ مَعَهَا أَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الْإِشَارَاتِ السَّرِيعَةِ . . لِنَعُودَ إِلَى هَذِهِ الْحَلْقَةِ ، فِي هَذَا الدَّرْسِ ، فِي هَذِهِ السُّورَةِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=20وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ، وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=21يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ . .
وَإِنَّنَا لَنَلْمَحُ فِي كَلِمَاتِ
مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - إِشْفَاقَهُ مِنْ تَرَدُّدِ الْقَوْمِ وَنُكُوصِهِمْ عَلَى الْأَعْقَابِ . فَلَقَدْ جَرَّبَهُمْ مِنْ قَبْلُ فِي "مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ " فِي خَطِّ سَيْرِ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلِ . . جَرَّبَهُمْ وَقَدْ أَخْرَجَهُمْ مِنْ أَرْضِ
مِصْرَ ; وَحَرَّرَهُمْ مِنَ الذُّلِّ وَالْهَوَانِ ، بِاسْمِ اللَّهِ وَبِسُلْطَانِ اللَّهِ الَّذِي فَرَقَ لَهُمُ الْبَحْرَ ، وَأَغْرَقَ لَهُمْ
فِرْعَوْنَ وَجُنْدَهُ . فَإِذَا هُمْ يَمُرُّونَ عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ ، فَيَقُولُونَ
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=138يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ . . وَمَا يَكَادُ يَغِيبُ عَنْهُمْ فِي مِيقَاتِهِ مَعَ رَبِّهِ حَتَّى يَتَّخِذَ
السَّامِرِيُّ مِنَ الْحُلِيِّ الَّتِي سَرَقُوهَا مَعَهُمْ مِنْ نِسَاءِ الْمِصْرِيِّينَ عِجْلًا ذَهَبًا لَهُ خُوَارٌ ; ثُمَّ إِذَا هُمْ عَاكِفُونَ عَلَيْهِ يَقُولُونَ : إِنَّهُ إِلَهُ
مُوسَى الَّذِي ذَهَبَ لِمِيقَاتِهِ ! . . وَجَرَّبَهُمْ وَقَدْ فَجَّرَ لَهُمْ مِنَ الصَّخْرِ يَنَابِيعَ فِي جَوْفِ الصَّحْرَاءِ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى طَعَامًا سَائِغًا ، فَإِذَا هُمْ يَشْتَهُونَ مَا اعْتَادُوا مِنْ أَطْعِمَةِ
مِصْرَ - أَرْضِ الذُّلِّ بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ - فَيَطْلُبُونَ بَقْلَهَا وَقِثَّاءَهَا وَفُومَهَا وَعَدَسَهَا وَبَصَلَهَا ، وَلَا يَصْبِرُونَ عَمَّا أَلِفُوا مِنْ طَعَامٍ وَحَيَاةٍ فِي سَبِيلِ الْعِزَّةِ وَالْخَلَاصِ ، وَالْهَدَفِ الْأَسْمَى ، الَّذِي يَسُوقُهُمْ
مُوسَى إِلَيْهِ وَهُمْ يَتَسَكَّعُونَ ! . . وَجَرَّبَهُمْ فِي قِصَّةِ الْبَقَرَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِذَبْحِهَا فَتَلَكَّئُوا وَتَسَكَّعُوا فِي الطَّاعَةِ وَالتَّنْفِيذِ . .
nindex.php?page=tafseer&surano=2&ayano=71فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ! وَجَرَّبَهُمْ وَقَدْ عَادَ مِنْ مِيقَاتِ رَبِّهِ وَمَعَهُ الْأَلْوَاحُ وَفِيهَا مِيثَاقُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَعَهْدُهُ . فَأَبَوْا أَنْ يُعْطُوا الْمِيثَاقَ وَأَنْ يُمْضُوا الْعَهْدَ مَعَ رَبِّهِمْ - بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْآلَاءِ وَكُلِّ هَذِهِ الْمَغْفِرَةِ لِلْخَطَايَا - وَلَمْ يُعْطُوا الْمِيثَاقَ حَتَّى وَجَدُوا الْجَبَلَ مَنْتُوقًا فَوْقَ رُؤُوسِهِمْ ،
nindex.php?page=tafseer&surano=7&ayano=171وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ ! . .
لَقَدْ جَرَّبَهُمْ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ طُوَالَ الطَّرِيقِ الطَّوِيلِ . . ثُمَّ هَا هُوَ ذَا مَعَهُمْ عَلَى أَبْوَابِ
الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ . أَرْضِ الْمِيعَادِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا خَرَجُوا . الْأَرْضِ الَّتِي وَعَدَهُمُ اللَّهُ أَنْ يَكُونُوا فِيهَا مُلُوكًا ، وَأَنْ يَبْعَثَ مِنْ بَيْنِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ فِيهَا لِيَظَلُّوا فِي رِعَايَةِ اللَّهِ وَقِيَادَتِهِ . .
لَقَدْ جَرَّبَهُمْ فَحَقَّ لَهُ أَنْ يُشْفِقَ ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ دَعْوَتَهُ الْأَخِيرَةَ ، فَيَحْشُدُ فِيهَا أَلْمَعَ الذِّكْرَيَاتِ ، وَأَكْبَرَ الْبُشْرَيَاتِ ، وَأَضْخَمَ الْمُشَجِّعَاتِ وَأَشَدَّ التَّحْذِيرَاتِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=20يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ. إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا، وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=21يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ . .
نِعْمَةُ اللَّهِ . وَوَعْدُهُ الْوَاقِعُ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ فِيهِمْ أَنْبِيَاءَ وَيَجْعَلَهُمْ مُلُوكًا . وَإِيتَاءَهُ لَهُمْ بِهَذَا وَذَلِكَ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ حَتَّى ذَلِكَ التَّارِيخِ .
وَالْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ الَّتِي هُمْ مُقْدِمُونَ عَلَيْهَا مَكْتُوبَةٌ لَهُمْ بِوَعْدِ اللَّهِ . فَهِيَ إِذَنْ يَقِينٌ . . وَقَدْ رَأَوْا مِنْ قَبْلُ كَيْفَ صَدَقَهُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ . وَهَذَا وَعْدُهُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ قَادِمُونَ . . . وَالِارْتِدَادُ عَلَى الْأَدْبَارِ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ . .
[ ص: 870 ] وَلَكِنَّ إِسْرَائِيلَ . ، هِيَ إِسْرَائِيلُ ! ! ! الْجُبْنُ . وَالتَّمَحُّلُ . وَالنُّكُوصُ عَلَى الْأَعْقَابِ . وَنَقْضُ الْمِيثَاقِ :
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=22قَالُوا: يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا، فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ .
إِنَّ جِبِلَّةَ يَهُودٍ لَتَبْدُو هُنَا عَلَى حَقِيقَتِهَا ، مَكْشُوفَةً بِلَا حِجَابٍ وَلَوْ رَقِيقٍ مِنَ التَّجَمُّلِ . ذَلِكَ أَنَّهُمْ أَمَامَ الْخَطَرِ ; فَلَا بَقِيَّةَ إِذَنْ مِنْ تَجَمُّلٍ ; وَلَا مُحَاوَلَةَ إِذَنْ لِلتَّشَجُّعِ ، وَلَا مَجَالَ كَذَلِكَ لِلتَّمَحُّلِ . إِنَّ الْخَطَرَ مَاثِلٌ قَرِيبٌ ; وَمِنْ ثَمَّ لَا يَعْصِمُهُمْ مِنْهُ حَتَّى وَعَدَ اللَّهُ لَهُمْ بِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ هَذِهِ الْأَرْضِ ، وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَهَا لَهُمْ ، فَهُمْ يُرِيدُونَهُ نَصْرًا رَخِيصًا ، لَا ثَمَنَ لَهُ ، وَلَا جُهْدَ فِيهِ . نَصْرًا مُرِيحًا يَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ تَنْزُّلَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى !
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=22إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ.. وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا.. فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ . .
وَلَكِنَّ تَكَالِيفَ النَّصْرِ لَيْسَتْ هَكَذَا كَمَا تُرِيدُهَا يَهُودٌ ! وَهِيَ فَارِغَةُ الْقُلُوبِ مِنَ الْإِيمَانِ !
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=23قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا: ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ. وَعَلَى اللَّهُ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ .
هُنَا تَبْرُزُ
nindex.php?page=treesubj&link=19995_29675قِيمَةُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ ، وَالْخَوْفِ مِنْهُ . . فَهَذَانِ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ اللَّهَ ، يُنْشِئُ لَهُمَا الْخَوْفَ مِنَ اللَّهِ اسْتِهَانَةً بِالْجَبَّارِينَ ! وَيَرْزُقُهُمَا شَجَاعَةً فِي وَجْهِ الْخَطَرِ الْمَوْهُومِ ! وَهَذَانِ هُمَا يَشْهَدَانِ بِقَوْلَتِهِمَا هَذِهِ بِقِيمَةِ الْإِيمَانِ فِي سَاعَةِ الشِّدَّةِ ; وَقِيمَةِ الْخَوْفِ مِنَ اللَّهِ فِي مَوَاطِنِ الْخَوْفِ مِنَ النَّاسِ . فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَجْمَعُ فِي قَلْبٍ وَاحِدٍ بَيْنَ مَخَافَتَيْنِ : مَخَافَتِهِ - جَلَّ جَلَالُهُ - وَمَخَافَةِ النَّاسِ . . وَالَّذِي يَخَافُ اللَّهَ لَا يَخَافُ أَحَدًا بَعْدَهُ ; وَلَا يَخَافُ شَيْئًا سِوَاهُ . .
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=23ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ. فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ . .
قَاعِدَةٌ فِي عِلْمِ الْقُلُوبِ وَفِي عِلْمِ الْحُرُوبِ . . أَقْدِمُوا وَاقْتَحِمُوا . فَمَتَى دَخَلْتُمْ عَلَى الْقَوْمِ فِي عُقْرِ دَارِهِمُ انْكَسَرَتْ قُلُوبُهُمْ بِقَدْرِ مَا تَقْوَى قُلُوبُكُمْ ; وَشَعَرُوا بِالْهَزِيمَةِ فِي أَرْوَاحِهِمْ وَكُتُبَ لَكُمُ الْغَلَبَ عَلَيْهِمْ . .
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=23وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ . .
فَعَلَى اللَّهِ - وَحْدَهُ - يَتَوَكَّلُ الْمُؤْمِنُ . وَهَذِهِ هِيَ خَاصِّيَّةُ الْإِيمَانِ وَعَلَامَتُهُ ; وَهَذَا هُوَ مَنْطِقُ الْإِيمَانِ وَمُقْتَضَاهُ . . وَلَكِنْ لِمَنْ يَقُولَانِ هَذَا الْكَلَامَ ؟ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ؟ !
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=24قَالُوا: يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا. فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا. إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ . .
وَهَكَذَا يُحْرِجُ الْجُبَنَاءُ فَيَتَوَقَّحُونَ ; وَيَفْزَعُونَ مِنَ الْخَطَرِ أَمَامَهُمْ فَيَرْفُسُونَ بِأَرْجُلِهِمْ كَالْحُمُرِ وَلَا يَقْدُمُونَ ! وَالْجُبْنُ وَالتَّوَقُّحُ لَيْسَا مُتَنَاقِضَيْنِ وَلَا مُتَبَاعِدَيْنِ ; بَلْ إِنَّهُمَا لَصِنْوَانٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْيَانِ . يُدْفَعُ الْجَبَانُ إِلَى الْوَاجِبِ فَيَجْبُنُ . فَيُحْرِجُ بِأَنَّهُ نَاكِلٌ عَنِ الْوَاجِبِ ، فَيَسُبُّ هَذَا الْوَاجِبَ ; وَيَتَوَقَّحُ عَلَى دَعْوَتِهِ الَّتِي تُكَلِّفُهُ مَا لَا يُرِيدُ !
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=24فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا. إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ . .
هَكَذَا فِي وَقَاحَةِ الْعَاجِزِ ، الَّذِي لَا تُكَلِّفُهُ وَقَاحَةُ اللِّسَانِ إِلَّا مَدَّ اللِّسَانِ ! أَمَّا النُّهُوضُ بِالْوَاجِبِ فَيُكَلِّفُهُ وَخْزَ السِّنَانِ ! !
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=24فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ . .
فَلَيْسَ بِرَبِّهِمْ إِذَا كَانَتْ رُبُوبِيَّتُهُ سَتُكَلِّفُهُمُ الْقِتَالَ !
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=24إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ . .
لَا نُرِيدُ مُلْكًا ، وَلَا نُرِيدُ عِزًّا ، وَلَا نُرِيدُ
أَرْضَ الْمِيعَادِ . . وَدُونَهَا لِقَاءُ الْجَبَّارِينَ !
[ ص: 871 ] هَذِهِ هِيَ نِهَايَةُ الْمَطَافِ
بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ . نِهَايَةُ الْجُهْدِ الْجَهِيدِ . وَالسَّفَرِ الطَّوِيلِ . وَاحْتِمَالِ الرُّذَالَاتِ وَالِانْحِرَافَاتِ وَالِالْتِوَاءَاتِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ !
نَعَمْ هَا هِيَ ذِي نِهَايَةُ الْمَطَافِ . . نُكُوصًا عَنِ
الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، وَهُوَ مَعَهُمْ عَلَى أَبْوَابِهَا . وَنُكُولًا عَنْ مِيثَاقِ اللَّهِ وَهُوَ مُرْتَبِطٌ مَعَهُمْ بِالْمِيثَاقِ . . فَمَاذَا يَصْنَعُ ؟ وَبِمَنْ يَسْتَجِيرُ ؟
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=25قَالَ: رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلا نَفْسِي وَأَخِي. فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . .
دَعْوَةٌ فِيهَا الْأَلَمُ . وَفِيهَا الِالْتِجَاءُ . وَفِيهَا الِاسْتِسْلَامُ . وَفِيهَا - بَعْدَ ذَلِكَ - الْمُفَاصَلَةُ وَالْحَسْمُ وَالتَّصْمِيمُ !
وَإِنَّهُ لَيَعْلَمُ أَنَّ رَبَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا نَفْسَهُ وَأَخَاهُ . . وَلَكِنَّ
مُوسَى فِي ضَعْفِ الْإِنْسَانِ الْمَخْذُولِ . وَفِي إِيمَانِ النَّبِيِّ الْكَلِيمِ . وَفِي عَزْمِ الْمُؤْمِنِ الْمُسْتَقِيمِ ، لَا يَجِدُ مُتَوَجَّهًا إِلَّا لِلَّهِ . يَشْكُو لَهُ بَثَّهُ وَنَجْوَاهُ ، وَيَطْلُبُ إِلَيْهِ الْفُرْقَةَ الْفَاصِلَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ . فَمَا يَرْبُطُهُ بِهِمْ شَيْءٌ بَعْدَ النُّكُولِ عَنْ مِيثَاقِ اللَّهِ الْوَثِيقِ . . مَا يَرْبُطُهُ بِهِمْ نَسَبٌ . وَمَا يَرْبُطُهُ بِهِمْ تَارِيخٌ . وَمَا يَرْبُطُهُ بِهِمْ جُهْدٌ سَابِقٌ . إِنَّمَا تَرْبُطُهُ بِهِمْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ إِلَى اللَّهِ ، وَهَذَا الْمِيثَاقُ مَعَ اللَّهِ . وَقَدْ فَصَلُوهُ . فَانْبَتَّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ إِلَى الْأَعْمَاقِ . وَمَا عَادَ يَرْبُطُهُ بِهِمْ رِبَاطٌ . . إِنَّهُ مُسْتَقِيمٌ عَلَى عَهْدِ اللَّهِ وَهُمْ فَاسِقُونَ . . إِنَّهُ مُسْتَمْسِكٌ بِمِيثَاقِ اللَّهِ وَهُمْ نَاكِصُونَ . .
هَذَا هُوَ أَدَبُ النَّبِيِّ . وَهَذِهِ هِيَ خُطَّةُ الْمُؤْمِنِ . وَهَذِهِ هِيَ الْآصِرَةُ الَّتِي يَجْتَمِعُ عَلَيْهَا أَوْ يَتَفَرَّقُ الْمُؤْمِنُونَ . . لَا جِنْسَ . لَا نَسَبَ . لَا قَوْمَ . لَا لُغَةَ . لَا تَارِيخَ . لَا وَشِيجَةَ مِنْ كُلِّ وَشَائِجِ الْأَرْضِ ; إِذَا انْقَطَعَتْ وَشِيجَةُ الْعَقِيدَةِ ; وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمَنْهَجُ وَالطَّرِيقُ . .
وَاسْتَجَابَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ . وَقَضَى بِالْجَزَاءِ الْعَدْلِ عَلَى الْفَاسِقِينَ .
nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=26قَالَ: فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ. فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ .
وَهَكَذَا أَسْلَمَهُمُ اللَّهُ - وَهُمْ عَلَى أَبْوَابِ
الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ - لِلتِّيهِ ; وَحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الْأَرْضَ الَّتِي كَتَبَهَا لَهُمْ . . وَالْأَرْجَحُ أَنَّهُ حَرَّمَهَا عَلَى هَذَا الْجِيلِ مِنْهُمْ حَتَّى تَنْبُتَ نَابِتَةٌ جَدِيدَةٌ ; وَحَتَّى يَنْشَأَ جِيلٌ غَيْرُ هَذَا الْجِيلِ . جِيلٌ يَعْتَبِرُ بِالدَّرْسِ ، وَيَنْشَأُ فِي خُشُونَةِ الصَّحْرَاءِ وَحُرِّيَّتِهَا صُلْبَ الْعُودِ . . جِيلٌ غَيْرُ هَذَا الْجِيلِ الَّذِي أَفْسَدَهُ الذُّلُّ وَالِاسْتِعْبَادُ وَالطُّغْيَانُ فِي
مِصْرَ ، فَلَمْ يَعُدْ يَصْلُحُ لِهَذَا الْأَمْرِ الْجَلِيلِ ! وَالذُّلُّ وَالِاسْتِعْبَادُ وَالطُّغْيَانُ يُفْسِدُ فِطْرَةَ الْأَفْرَادِ كَمَا يُفْسِدُ فِطْرَةَ الشُّعُوبِ .
وَيَتْرُكُهُمُ السِّيَاقُ هُنَا - فِي التِّيهِ - لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ . . وَهُوَ مَوْقِفٌ تَجْتَمِعُ فِيهِ الْعِبْرَةُ النَّفْسِيَّةُ إِلَى الْجَمَالِ الْفَنِّيِّ ، عَلَى طَرِيقَةِ الْقُرْآنِ فِي التَّعْبِيرِ .
وَلَقَدْ وَعَى الْمُسْلِمُونَ هَذَا الدَّرْسَ - مِمَّا قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْقَصَصِ - فَحِينَ وَاجَهُوا الشِّدَّةَ وَهُمْ قِلَّةٌ أَمَامَ نَفِيرِ
قُرَيْشٍ فِي غَزْوَةِ
بَدْرٍ ، قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
nindex.php?page=hadith&LINKID=104939إِذَنْ لَا نَقُولُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا قَالَهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِنَبِيِّهِمْ . nindex.php?page=tafseer&surano=5&ayano=24فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ لَكِنْ نَقُولُ : اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا فَإِنَّنَا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ . .
وَكَانَتْ هَذِهِ بَعْضَ آثَارِ الْمَنْهَجِ الْقُرْآنِيِّ فِي التَّرْبِيَةِ بِالْقَصَصِ عَامَّةً ; وَبَعْضَ جَوَانِبِ حِكْمَةِ اللَّهِ فِي تَفْصِيلِ قِصَّةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ . .