الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . . إِنَّهُ مَشْهَدٌ رَائِعٌ بَاهِرٌ هَذَا الَّذِي يَرْسُمُهُ السِّيَاقُ الْقُرْآنِيُّ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ . . مَشْهَدُ الْفِطْرَةِ وَهِيَ - لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى - تُنْكِرُ تَصَوُّرَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْأَصْنَامِ وَتَسْتَنْكِرُهَا . وَهِيَ تَنْطَلِقُ بَعْدَ إِذْ نَفَضَتْ عَنْهَا هَذِهِ الْخُرَافَةَ فِي شَوْقٍ عَمِيقٍ دَافِقٍ تَبْحَثُ عَنْ إِلَهِهَا الْحَقِّ ، الَّذِي تَجِدُهُ فِي ضَمِيرِهَا ، وَلَكِنَّهَا لَا تَتَبَيَّنُهُ فِي وَعْيِهَا وَإِدْرَاكِهَا . وَهِيَ تَتَعَلَّقُ فِي لَهْفَتِهَا الْمَكْنُونَةِ بِكُلِّ مَا يَلُوحُ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ هَذَا الْإِلَهُ ! حَتَّى إِذَا اخْتَبَرَتْهُ وَجَدَتْهُ زَائِفًا ، وَلَمْ تَجِدْ فِيهِ الْمُطَابَقَةَ لِمَا هُوَ مَكْنُونٌ فِيهَا مِنْ حَقِيقَةِ الْإِلَهِ وَصِفَتِهِ . . ثُمَّ وَهِيَ تَجِدُ الْحَقِيقَةَ تُشْرِقُ فِيهَا وَتَتَجَلَّى لَهَا . وَهِيَ تَنْطَلِقُ بِالْفَرْحَةِ الْكُبْرَى ، وَالِامْتِلَاءِ الْجَيَّاشِ ، بِهَذِهِ الْحَقِيقَةِ ، وَهِيَ تُعْلِنُ فِي جَيَشَانِ اللُّقْيَا عَنْ يَقِينِهَا الَّذِي وَجَدَتْهُ مِنْ مُطَابَقَةِ الْحَقِيقَةِ الَّتِي انْتَهَتْ إِلَيْهَا بِوَعْيِهَا لِلْحَقِيقَةِ الَّتِي كَانَتْ كَامِنَةً مِنْ قَبْلُ فِيهَا ! . . إِنَّهُ مَشْهَدٌ رَائِعٌ بَاهِرٌ هَذَا الَّذِي يَتَجَلَّى فِي قَلْبِ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَالسِّيَاقُ يَعْرِضُ التَّجْرِبَةَ الْكُبْرَى الَّتِي اجْتَازَهَا فِي هَذِهِ الْآيَاتِ الْقِصَارِ . . إِنَّهَا قِصَّةُ الْفِطْرَةِ مَعَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ . وَقِصَّةُ الْعَقِيدَةِ كَذَلِكَ يَصْدَعُ بِهَا الْمُؤْمِنُ وَلَا يَخْشَى فِيهَا لَوْمَةَ لَائِمٍ ; وَلَا يُجَامِلُ عَلَى حِسَابِهَا أَبًا وَلَا أُسْرَةً وَلَا عَشِيرَةً وَلَا قَوْمًا . . كَمَا وَقَفَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ أَبِيهِ وَقَوْمِهِ هَذِهِ الْوَقْفَةَ الصُّلْبَةَ الْحَاسِمَةَ الصَّرِيحَةَ : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . . إِنَّهَا الْفِطْرَةُ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ . إِنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ بَعْدُ بِوَعْيِهِ وَإِدْرَاكِهِ - إِلَى إِلَهِهِ - وَلَكِنَّ فِطْرَتَهُ السَّلِيمَةَ تُنْكِرُ ابْتِدَاءً أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَصْنَامُ الَّتِي يَعْبُدُهَا قَوْمُهُ آلِهَةً - وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الْكَلْدَانِيِّينَ بِالْعِرَاقِ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ كَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَالنُّجُومَ - فَالْإِلَهُ الَّذِي يُعْبَدُ ، وَالَّذِي يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ ، وَالَّذِي خَلَقَ النَّاسَ وَالْأَحْيَاءَ . . هَذَا الْإِلَهُ فِي فِطْرَةِ إِبْرَاهِيمَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَنَمًا مِنْ حَجَرٍ ، أَوْ وَثَنًا مِنْ خَشَبٍ . . وَإِذَا لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْأَصْنَامُ هِيَ الَّتِي تَخْلُقُ وَتَرْزُقُ وَتَسْمَعُ وَتَسْتَجِيبُ - وَهَذَا ظَاهِرٌ مِنْ حَالِهَا لِلْعِيَانِ - فَمَا هِيَ بِالَّتِي تَسْتَحِقُّ أَنْ تُعْبَدَ ; وَمَا هِيَ بِالَّتِي تُتَّخَذُ آلِهَةً حَتَّى عَلَى سَبِيلِ أَنْ تُتَّخَذَ وَاسِطَةً بَيْنَ الْإِلَهِ الْحَقِّ وَالْعِبَادِ ! وَإِذَنْ فَهُوَ الضَّلَالُ الْبَيِّنُ تُحِسُّهُ فِطْرَةُ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى . وَهِيَ النَّمُوذَجُ الْكَامِلُ لِلْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَيْهَا . . ثُمَّ هِيَ النَّمُوذَجُ الْكَامِلُ لِلْفِطْرَةِ وَهِيَ تُوَاجِهُ الضَّلَالَ الْبَيِّنَ ، فَتُنْكِرُهُ وَتَسْتَنْكِرُهُ ، وَتَجْهَرُ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ وَتَصْدَعُ ، حِينَمَا يَكُونُ الْأَمْرُ هُوَ أَمْرُ الْعَقِيدَةِ : أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . . كَلِمَةٌ يَقُولُهَا إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِأَبِيهِ . وَهُوَ الْأَوَّاهُ الْحَلِيمُ الرَّضِيُّ الْخُلُقِ السَّمْحُ اللَّيِّنُ ، كَمَا تَرِدُ أَوْصَافُهُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ . وَلَكِنَّهَا الْعَقِيدَةُ هُنَا . وَالْعَقِيدَةُ فَوْقَ رَوَابِطِ الْأُبُوَّةِ وَالْبُنُوَّةِ ، وَفَوْقَ مَشَاعِرِ الْحِلْمِ وَالسَّمَاحَةِ . وَإِبْرَاهِيمُ هُوَ الْقُدْوَةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِيهِ أَنْ يَتَأَسَّوْا بِهَا . وَالْقِصَّةُ تُعْرَضُ لِتَكُونَ أُسْوَةً وَمِثَالًا . . وَكَذَلِكَ اسْتَحَقَّ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بِصَفَاءِ فِطْرَتِهِ وَخُلُوصِهَا لِلْحَقِّ أَنْ يَكْشِفَ اللَّهُ لِبَصِيرَتِهِ عَنِ الْأَسْرَارِ الْكَامِنَةِ فِي الْكَوْنِ ، وَالدَّلَائِلِ الْمُوحِيَةِ بِالْهُدَى فِي الْوُجُودِ : وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ . . بِمِثْلِ هَذِهِ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ ، وَهَذِهِ الْبَصِيرَةِ الْمَفْتُوحَةِ ; وَعَلَى هَذَا النَّحْوِ مِنَ الْخُلُوصِ لِلْحَقِّ ، وَمِنْ إِنْكَارِ الْبَاطِلِ فِي قُوَّةٍ . . نُرِي إِبْرَاهِيمَ حَقِيقَةَ هَذَا الْمُلْكِ . . مُلْكِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . . وَنُطْلِعُهُ عَلَى الْأَسْرَارِ الْمَكْنُونَةِ فِي صَمِيمِ الْكَوْنِ ، وَنَكْشِفُ لَهُ عَنِ الْآيَاتِ الْمَبْثُوثَةِ فِي صَحَائِفِ الْوُجُودِ ، وَنَصِلُ بَيْنَ قَلْبِهِ وَفِطْرَتِهِ وَمُوحِيَاتِ الْإِيمَانِ وَدَلَائِلِ الْهُدَى فِي هَذَا الْكَوْنِ الْعَجِيبِ . لِيَنْتَقِلَ مِنْ دَرَجَةِ الْإِنْكَارِ عَلَى عِبَادَةِ الْآلِهَةِ الزَّائِفَةِ ، إِلَى دَرَجَةِ الْيَقِينِ الْوَاعِي بِالْإِلَهِ الْحَقِّ . . وَهَذَا هُوَ طَرِيقُ الْفِطْرَةِ الْبَدِيهِيُّ الْعَمِيقُ . . وَعْيٌ لَا يَطْمِسُهُ الرُّكَامُ . وَبَصَرٌ يَلْحَظُ مَا فِي الْكَوْنِ مِنْ عَجَائِبِ صُنْعِ اللَّهِ . وَتَدَبُّرٌ يَتَّبِعُ الْمُشَاهِدَ حَتَّى تَنْطِقَ لَهُ بِسِرِّهَا الْمَكْنُونِ . . وَهِدَايَةٌ مِنَ اللَّهِ جَزَاءً عَلَى الْجِهَادِ فِيهِ . . وَكَذَلِكَ سَارَ إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - وَفِي هَذَا الطَّرِيقِ وَجَدَ اللَّهَ . . وَجَدَهُ فِي إِدْرَاكِهِ وَوَعْيِهِ ، بَعْدَ أَنْ كَانَ يَجِدُهُ فَحَسْبُ فِي فِطْرَتِهِ وَضَمِيرِهِ . . وَوَجَدَ حَقِيقَةَ الْأُلُوهِيَّةِ فِي الْوَعْيِ وَالْإِدْرَاكِ مُطَابِقَةً لِمَا اسْتَكَنَّ مِنْهَا فِي الْفِطْرَةِ وَالضَّمِيرِ . فَلْنُتَابِعِ الرِّحْلَةَ الشَّائِقَةَ مَعَ فِطْرَةِ إِبْرَاهِيمَ الصَّادِقَةِ . . إِنَّهَا رِحْلَةٌ هَائِلَةٌ وَإِنْ كَانَتْ تَبْدُو هَيِّنَةً مُيَسَّرَةً ! رِحْلَةٌ مِنْ نُقْطَةِ الْإِيمَانِ الْفِطْرِيِّ إِلَى نُقْطَةِ الْإِيمَانِ الْوَعْيِ ! الْإِيمَانُ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ التَّكْلِيفُ بِالْفَرَائِضِ وَالشَّرَائِعِ ; وَالَّذِي لَا يَكِلُ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ - جَمْهَرَةَ النَّاسِ فِيهِ إِلَى عُقُولِهِمْ وَحْدَهَا ، فَيُبَيِّنُهُ لَهُمْ فِي رِسَالَاتِ الرُّسُلِ، وَيَجْعَلُ الرِّسَالَةَ - لَا الْفِطْرَةَ وَلَا الْعَقْلَ الْبَشَرِيَّ - هِيَ حُجَّتُهُ عَلَيْهِمْ ، وَهِيَ مَنَاطُ الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ ، عَدْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً ، وَخِبْرَةً بِحَقِيقَةِ الْإِنْسَانِ وَعِلْمًا . . فَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَهُوَ إِبْرَاهِيمُ ! خَلِيلُ الرَّحْمَنِ وَأَبُو الْمُسْلِمِينَ . . فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ . . إِنَّهَا صُورَةٌ لِنَفْسِ إِبْرَاهِيمَ ، وَقَدْ سَاوَرَهَا الشَّكُّ - بَلِ الْإِنْكَارُ الْجَازِمُ - لِمَا يَعْبُدُ أَبُوهُ وَقَوْمُهُ مِنَ الْأَصْنَامِ . وَقَدْ بَاتَتْ قَضِيَّةُ الْعَقِيدَةِ هِيَ الَّتِي تَشْغَلُ بَالَهُ ، وَتَزْحَمُ عَالَمَهُ . . صُورَةٌ يَزِيدُهَا التَّعْبِيرُ شُخُوصًا بِقَوْلِهِ : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ . . كَأَنَّمَا اللَّيْلُ يَحْتَوِيهِ وَحْدَهُ ، وَكَأَنَّمَا يَعْزِلُهُ عَنِ النَّاسِ حَوْلَهُ ، لِيَعِيشَ مَعَ نَفْسِهِ وَخَوَاطِرِهِ وَتَأَمُّلَاتِهِ ، وَمَعَ هَمِّهِ الْجَدِيدِ الَّذِي يَشْغَلُ بَالَهُ وَيَزْحَمُ خَاطِرَهُ : فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي . . وَكَانَ قَوْمُهُ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَالنُّجُومَ - كَمَا أَسْلَفْنَا - فَلَمَّا أَنْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يَكُونَ إِلَهُهُ الْحَقُّ - الَّذِي يَجِدُهُ فِي فِطْرَتِهِ فِي صُورَةٍ غَيْرِ مُدْرَكَةٍ وَلَا وَاعِيَةٍ - صَنَمًا مِنْ تِلْكَ الْأَصْنَامِ ، فَلَعَلَّهُ رَجَا أَنْ يَجِدَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَتَوَجَّهُ إِلَيْهِ قَوْمُهُ بِالْعِبَادَةِ ! وَمَا كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَعْرِفُ فِيهَا إِبْرَاهِيمُ أَنَّ قَوْمَهُ يَتَّجِهُونَ بِالْعِبَادَةِ إِلَى الْكَوَاكِبِ وَالنُّجُومِ . وَمَا كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَرَى فِيهَا إِبْرَاهِيمُ كَوْكَبًا . . وَلَكِنَّ الْكَوْكَبَ - اللَّيْلَةَ - يَنْطِقُ لَهُ بِمَا لَمْ يَنْطِقْ مِنْ قَبْلُ ، وَيُوحِي إِلَى خَاطِرِهِ بِمَا يَتَّفِقُ مَعَ الْهَمِّ الَّذِي يَشْغَلُ بَالَهُ ، وَيَزْحَمُ عَلَيْهِ عَالَمَهُ : قَالَ هَذَا رَبِّي . . فَهُوَ بِنُورِهِ وَبُزُوغِهِ وَارْتِفَاعِهِ أَقْرَبُ - مِنَ الْأَصْنَامِ - إِلَى أَنْ يَكُونَ رَبًّا ! . . وَلَكِنْ لَا ! إِنَّهُ يُكَذِّبُ ظَنَّهُ : فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ . . إِنَّهُ يَغِيبُ . . يَغِيبُ عَنْ هَذِهِ الْخَلَائِقِ . فَمَنْ ذَا يَرْعَاهَا إِذَنْ وَمَنْ ذَا يُدَبِّرُ أَمْرَهَا . . إِذَا كَانَ الرَّبُّ يَغِيبُ ؟ ! لَا ، إِنَّهُ لَيْسَ رَبًّا ، فَالرَّبُّ لَا يَغِيبُ ! إِنَّهُ مَنْطِقُ الْفِطْرَةِ الْبَدِيهِيُّ الْقَرِيبُ . . لَا يَسْتَشِيرُ الْقَضَايَا الْمَنْطِقِيَّةَ وَالْفُرُوضَ الْجَدَلِيَّةَ ، إِنَّمَا يَنْطَلِقُ مُبَاشَرَةً فِي يُسْرٍ وَجَزْمٍ . لِأَنَّ الْكَيْنُونَةَ الْبَشَرِيَّةَ كُلَّهَا تَنْطِقُ بِهِ فِي يَقِينٍ عَمِيقٍ . . لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ . . فَالصِّلَةُ بَيْنَ الْفِطْرَةِ وَإِلَهِهَا هِيَ صِلَةُ الْحُبِّ ; وَالْآصِرَةُ هِيَ آصِرَةُ الْقَلْبِ . . وَفِطْرَةُ إِبْرَاهِيمَ "لَا تُحِبُّ " الْآفِلِينَ ، وَلَا تَتَّخِذُ مِنْهُمْ إِلَهًا . إِنَّ الْإِلَهَ الَّذِي تُحِبُّهُ الْفِطْرَةُ . . لَا يَغِيبُ . . ! فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ . . إِنَّ التَّجْرِبَةَ تَتَكَرَّرُ . وَكَأَنَّ إِبْرَاهِيمَ لَمْ يَرَ الْقَمَرَ قَطُّ ; وَلَمْ يَعْرِفْ أَنَّ أَهْلَهُ وَقَوْمَهُ يَعْبُدُونَهُ ! فَهُوَ اللَّيْلَةَ فِي نَظَرِهِ جَدِيدٌ : قَالَ هَذَا رَبِّي . . بِنُورِهِ الَّذِي يَنْسَكِبُ فِي الْوُجُودِ ; وَتَفَرُّدِهِ فِي السَّمَاءِ بِنُورِهِ الْحَبِيبِ . . وَلَكِنَّهُ يَغِيبُ ! . . وَالرَّبُّ - كَمَا يَعْرِفُهُ إِبْرَاهِيمُ بِفِطْرَتِهِ وَقَلْبِهِ - لَا يَغِيبُ ! هُنَا يُحِسُّ إِبْرَاهِيمُ أَنَّهُ فِي حَاجَةٍ إِلَى الْعَوْنِ مِنْ رَبِّهِ الْحَقِّ الَّذِي يَجِدُهُ فِي ضَمِيرِهِ وَفِطْرَتِهِ . رَبِّهِ الَّذِي يُحِبُّهُ ، وَلَكِنَّهُ بَعْدُ لَمْ يَجِدْهُ فِي إِدْرَاكِهِ وَوَعْيِهِ . . وَيُحِسُّ أَنَّهُ ضَالٌّ مُضَيَّعٌ إِنْ لَمْ يُدْرِكْهُ رَبُّهُ بِهِدَايَتِهِ . إِنْ لَمْ يَمُدَّ إِلَيْهِ يَدَهُ . وَيَكْشِفْ لَهُ عَنْ طَرِيقِهِ : قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ .. فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . إِنَّهَا التَّجْرِبَةُ الثَّالِثَةُ مَعَ أَضْخَمِ الْأَجْرَامِ الْمَنْظُورَةِ وَأَشَدِّهَا ضَوْءًا وَحَرَارَةً . . الشَّمْسِ . . وَالشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ يَوْمٍ وَتَغِيبُ . وَلَكِنَّهَا الْيَوْمَ تَبْدُو لِعَيْنَيْ إِبْرَاهِيمَ كَأَنَّهَا خَلْقٌ جَدِيدٌ . إِنَّهُ الْيَوْمَ يَرَى الْأَشْيَاءَ بِكِيَانِهِ الْمُتَطَلِّعِ إِلَى إِلَهٍ يَطْمَئِنُّ بِهِ وَيَطْمَئِنُّ إِلَيْهِ ; وَيَسْتَقِرُّ عَلَى قَرَارٍ ثَابِتٍ بَعْدَ الْحَيْرَةِ الْمُقْلِقَةِ وَالْجَهْدِ الطَّوِيلِ : قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ . وَلَكِنَّهَا كَذَلِكَ تَغِيبُ . . هُنَا يَقَعُ الْتِمَاسٌ ، وَتَنْطَلِقُ الشَّرَارَةُ ، وَيَتِمُّ الِاتِّصَالُ بَيْنَ الْفِطْرَةِ الصَّادِقَةِ وَاللَّهِ الْحَقِّ ، وَيَغْمُرُ النُّورُ الْقَلْبَ وَيَفِيضُ عَلَى الْكَوْنِ الظَّاهِرِ وَعَلَى الْعَقْلِ وَالْوَعْيِ . . هُنَا يَجِدُ إِبْرَاهِيمُ إِلَهَهُ . . يَجِدُهُ فِي وَعْيِهِ وَإِدْرَاكِهِ كَمَا هُوَ فِي فِطْرَتِهِ وَضَمِيرِهِ . . هُنَا يَقَعُ التَّطَابُقُ بَيْنَ الْإِحْسَاسِ الْفِطْرِيِّ الْمَكْنُونِ وَالتَّصَوُّرِ الْعَقْلِيِّ الْوَاضِحِ . . وَهُنَا يَجِدُ إِبْرَاهِيمُ إِلَهَهُ . وَلَكِنَّهُ لَا يَجِدُهُ فِي كَوْكَبٍ يَلْمَعُ ، وَلَا فِي قَمَرٍ يَطْلُعُ ، وَلَا فِي شَمْسٍ تَسْطَعُ . . وَلَا يَجِدُهُ فِيمَا تُبْصِرُ الْعَيْنُ ، وَلَا فِيمَا يُحِسُّهُ الْحِسُّ . . إِنَّهُ يَجِدُهُ فِي قَلْبِهِ وَفِطْرَتِهِ ، وَفِي عَقْلِهِ وَوَعْيِهِ ، وَفِي الْوُجُودِ كُلِّهِ مِنْ حَوْلِهِ . . إِنَّهُ يَجِدُهُ خَالِقًا لِكُلِّ مَا تَرَاهُ الْعَيْنُ ، وَيُحِسُّهُ الْحِسُّ ، وَتُدْرِكُهُ الْعُقُولُ . وَعِنْدَئِذٍ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ الْمُفَاصَلَةَ الْكَامِلَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ فِي كُلِّ مَا يَعْبُدُونَ مِنْ آلِهَةٍ زَائِفَةٍ ; وَيَبْرَأُ فِي حَسْمٍ لَا مُوَارَبَةَ فِيهِ مِنْ وُجْهَتِهِمْ وَمَنْهَجِهِمْ وَمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ - وَهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَجْحَدُونَ اللَّهَ الْبَتَّةَ ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يُشْرِكُونَ هَذِهِ الْأَرْبَابَ الزَّائِفَةَ - وَإِبْرَاهِيمُ يَتَّجِهُ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ بِلَا شَرِيكٍ : قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . . فَهُوَ الِاتِّجَاهُ إِلَى فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ . الِاتِّجَاهُ الْحَنِيفُ الَّذِي لَا يَنْحَرِفُ إِلَى الشِّرْكِ . وَهِيَ الْكَلِمَةُ الْفَاصِلَةُ ، وَالْيَقِينُ الْجَازِمُ ، وَالِاتِّجَاهُ الْأَخِيرُ . . فَلَا تَرَدُّدَ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا حَيْرَةَ فِيمَا تَجْلَى لِلْعَقْلِ مِنْ تَصَوُّرٍ مُطَابِقٍ لِلْحَقِيقَةِ الَّتِي فِي الضَّمِيرِ . . وَمَرَّةً أُخْرَى نَشْهَدُ ذَلِكَ الْمَشْهَدَ الرَّائِعَ الْبَاهِرَ . . مَشْهَدَ الْعَقِيدَةِ وَقَدِ اسْتَعْلَنَتْ فِي النَّفْسِ ، وَاسْتَوْلَتْ عَلَى الْقَلْبِ ، بَعْدَمَا وَضَحَتْ وُضُوحَهَا الْكَامِلَ وَانْجَلَى عَنْهَا الْغَبَشُ . . نَشْهَدُهَا وَقَدْ مَلَأَتِ الْكِيَانَ الْإِنْسَانِيَّ ، فَلَمْ يَعُدْ وَرَاءَهَا شَيْءٌ . وَقَدْ سَكَبَتْ فِيهِ الطُّمَأْنِينَةَ الْوَاثِقَةَ بِرَبِّهِ الَّذِي وَجَدَهُ فِي قَلْبِهِ وَعَقْلِهِ وَفِي الْوُجُودِ مِنْ حَوْلِهِ . . وَهُوَ مَشْهَدٌ يَتَجَلَّى بِكُلِّ رَوْعَتِهِ وَبَهَائِهِ فِي الْفِقْرَةِ التَّالِيَةِ فِي السِّيَاقِ . لَقَدِ انْتَهَى إِبْرَاهِيمُ إِلَى رُؤْيَةِ اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - فِي ضَمِيرِهِ وَعَقْلِهِ وَفِي الْوُجُودِ مِنْ حَوْلِهِ . وَقَدِ اطْمَأَنَّ قَلْبُهُ وَاسْتَرَاحَ بَالُهُ . وَقَدْ أَحَسَّ بِيَدِ اللَّهِ تَأْخُذُ بِيَدِهِ وَتَقُودُ خُطَاهُ فِي الطَّرِيقِ . . وَالْآنَ يَجِيءُ قَوْمُهُ لِيُجَادِلُوهُ فِيمَا انْتَهَى إِلَيْهِ مِنْ يَقِينٍ ; وَفِيمَا انْشَرَحَ لَهُ صَدْرُهُ مِنْ تَوْحِيدٍ ; وَلِيُخَوِّفُوهُ آلِهَتَهُمُ الَّتِي تَنَكَّرَ لَهَا أَنْ تُنْزِلَ بِهِ سُوءًا . . وَهُوَ يُوَاجِهُهُمْ فِي يَقِينِهِ الْجَازِمِ ; وَفِي إِيمَانِهِ الرَّاسِخِ ; وَفِي رُؤْيَتِهِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ لِرَبِّهِ الْحَقِّ الَّذِي هَدَاهُ : وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . . إِنَّ الْفِطْرَةَ حِينَ تَنْحَرِفُ تَضِلُّ ; ثُمَّ تَتَمَادَى فِي ضَلَالِهَا ، وَتَتَّسِعُ الزَّاوِيَةُ وَيَبْعُدُ الْخَطُّ عَنْ نُقْطَةِ الِابْتِدَاءِ ، حَتَّى لَيَصْعُبُ عَلَيْهَا أَنْ تَثُوبَ . . وَهَؤُلَاءِ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - يَعْبُدُونَ أَصْنَامًا وَكَوَاكِبَ وَنُجُومًا . فَلَا يَتَفَكَّرُونَ وَلَا يَتَدَبَّرُونَ هَذِهِ الرِّحْلَةَ الْهَائِلَةَ الَّتِي تَمَّتْ فِي نَفْسِ إِبْرَاهِيمَ . وَلَمْ يَكُنْ هَذَا دَاعِيًا لَهُمْ لِمُجَرَّدِ التَّفَكُّرِ وَالتَّدَبُّرِ . بَلْ جَاءُوا يُجَادِلُونَهُ وَيُحَاجُّونَهُ . وَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَهَنِ الظَّاهِرِ فِي تَصَوُّرَاتِهِمْ وَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ . وَلَكِنَّ إِبْرَاهِيمَ الْمُؤْمِنَ الَّذِي وَجَدَ اللَّهَ فِي قَلْبِهِ وَعَقْلِهِ وَفِي الْوُجُودِ كُلِّهِ مِنْ حَوْلِهِ ، يُوَاجِهُهُمْ مُسْتَنْكِرًا فِي طُمَأْنِينَةٍ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ . . أَتُجَادِلُونَنِي فِي اللَّهِ وَقَدْ وَجَدْتُهُ يَأْخُذُ بِيَدِي ، وَيَفْتَحُ بَصِيرَتِي، وَيَهْدِينِي إِلَيْهِ ، وَيُعَرِّفُنِي بِهِ . . لَقَدْ أَخَذَ بِيَدِي وَقَادَنِي فَهُوَ مَوْجُودٌ - وَهَذَا هُوَ فِي نَفْسِي دَلِيلُ الْوُجُودِ - لَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي ضَمِيرِي وَفِي وَعْيِي ، كَمَا رَأَيْتُهُ فِي الْكَوْنِ مِنْ حَوْلِي . فَمَا جِدَالُكُمْ فِي أَمْرٍ أَنَا أَجِدُهُ فِي نَفْسِي وَلَا أَطْلُبُ عَلَيْهِ الدَّلِيلَ . فَهِدَايَتُهُ لِي إِلَيْهِ هِيَ الدَّلِيلُ ؟ ! وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ . . وَكَيْفَ يَخَافُ مَنْ وَجَدَ اللَّهَ ؟ وَمَاذَا يَخَافُ وَمَنْ ذَا يَخَافُ ؟ وَكُلُّ قُوَّةٍ - غَيْرَ قُوَّةِ اللَّهِ - هَزِيلَةٌ وَكُلُّ سُلْطَانٍ - غَيْرَ سُلْطَانِ اللَّهِ - لَا يُخَافُ ؟ ! وَلَكِنَّ إِبْرَاهِيمَ فِي عُمْقِ إِيمَانِهِ ، وَاسْتِسْلَامِ وِجْدَانِهِ ، لَا يُرِيدُ أَنْ يَجْزِمَ بِشَيْءٍ إِلَّا مُرْتَكِبًا إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ الطَّلِيقَةِ ، وَإِلَى عِلْمِ اللَّهِ الشَّامِلِ : إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا . فَهُوَ يَكِلُ إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ حِمَايَتَهُ وَرِعَايَتَهُ ; وَيُعْلِنُ أَنَّهُ لَا يَخَافُ مِنْ آلِهَتِهِمْ شَيْئًا ، لِأَنَّهُ يَرْكَنُ إِلَى حِمَايَةِ اللَّهِ وَرِعَايَتِهِ . وَيَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُهُ إِلَّا مَا شَاءَهُ اللَّهُ ، وَوَسِعَهُ عِلْمُهُ الَّذِي يَسَعُ كُلَّ شَيْءٍ . . وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . إِنَّهُ مَنْطِقُ الْمُؤْمِنِ الْوَاثِقِ الْمُدْرِكِ لِحَقَائِقِ هَذَا الْوُجُودِ . إِنَّهُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ قَمِينًا بِالْخَوْفِ فَلَيْسَ هُوَ إِبْرَاهِيمُ - وَلَيْسَ هُوَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَضَعُ يَدَهُ فِي يَدِ اللَّهِ وَيَمْضِي فِي الطَّرِيقِ - وَكَيْفَ يَخَافُ آلِهَةً عَاجِزَةً - كَائِنَةً مَا كَانَتْ هَذِهِ الْآلِهَةُ ، وَالَّتِي تَتَبَدَّى أَحْيَانًا فِي صُورَةِ جَبَّارِينَ فِي الْأَرْضِ بَطَّاشِينَ ; وَهُمْ أَمَامَ قُدْرَةِ اللَّهِ مَهْزُولُونَ مَضْعُوفُونَ ! - كَيْفَ يَخَافُ إِبْرَاهِيمُ هَذِهِ الْآلِهَةَ الزَّائِفَةَ الْعَاجِزَةَ ، وَلَا يَخَافُونَ هُمْ أَنَّهُمْ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يَجْعَلْ لَهُ سُلْطَانًا وَلَا قُوَّةً مِنَ الْأَشْيَاءِ وَالْأَحْيَاءِ ؟ وَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ؟ الَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ وَيَكْفُرُ بِالشُّرَكَاءِ ؟ أَمِ الَّذِي يُشْرِكُ بِاللَّهِ مَا لَا سُلْطَانَ لَهُ وَلَا قُوَّةَ ؟ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ ، لَوْ كَانَ لَهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْعِلْمِ وَالْفَهْمِ ؟ ! هُنَا يَتَنَزَّلُ الْجَوَابُ مِنَ الْمَلَأِ الْأَعْلَى ; وَيَقْضِي اللَّهُ بِحُكْمِهِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ . . الَّذِينَ آمَنُوا وَأَخْلَصُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ ، لَا يَخْلِطُونَ بِهَذَا الْإِيمَانِ شِرْكًا فِي عِبَادَةٍ وَلَا طَاعَةٍ وَلَا اتِّجَاهٍ . هَؤُلَاءِ لَهُمُ الْأَمْنُ ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُهْتَدُونَ . . وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَلَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ هِيَ الْحُجَّةُ الَّتِي أَلْهَمَهَا اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ لِيَدْحَضَ بِهَا حُجَّتَهُمُ الَّتِي جَاءُوا بِهَا يُجَادِلُونَهُ . وَلَقَدْ كَشَفَ لَهُمْ عَنْ وَهَنِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ تَصَوُّرِهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْآلِهَةَ تَمْلِكُ أَنْ تُسِيءَ إِلَيْهِ . . وَوَاضِحٌ أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَجْحَدُونَ وُجُودَ اللَّهِ ; وَلَا أَنَّهُ هُوَ صَاحِبُ الْقُوَّةِ وَالسُّلْطَانِ فِي الْكَوْنِ ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا يُشْرِكُونَ بِهِ هَذِهِ الْآلِهَةَ . فَلَمَّا وَاجَهَهُمْ إِبْرَاهِيمُ ، بِأَنَّ مَنْ كَانَ يُخْلِصُ نَفْسَهُ لِلَّهِ لَا يَخَافُ مَنْ دُونَهُ ، فَأَمَّا مَنْ يُشْرِكُ بِاللَّهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِالْمَخَافَةِ . . لَمَّا وَاجَهَهُمْ بِهَذِهِ الْحُجَّةِ الَّتِي آتَاهَا اللَّهُ لَهُ وَأَلْهَمَهُ إِيَّاهَا ، سَقَطَتْ حُجَّتُهُمْ ، وَعَلَتْ حُجَّتُهُ ، وَارْتَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى قَوْمِهِ عَقِيدَةً وَحُجَّةً وَمَنْزِلَةً . . وَهَكَذَا يَرْفَعُ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ دَرَجَاتٍ . مُتَصَرِّفًا فِي هَذَا بِحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهِ : إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ . . وَقَبْلَ أَنْ نُغَادِرَ هَذِهِ الْفِقْرَةَ نُحِبُّ أَنْ نَسْتَمْتِعَ بِنَفْحَةٍ مِنْ نَفَحَاتِ الْحَيَاةِ فِي عَصْرِ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهَذَا الْقُرْآنُ يَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ غَضًّا ; وَتَشْرَبُهُ نُفُوسُهُمْ ; وَتَعِيشُ بِهِ وَلَهُ ; وَتَتَعَامَلُ بِهِ وَتَتَعَايَشُ بِمَدْلُولَاتِهِ وَإِيحَاءَاتِهِ وَمُقْتَضَيَاتِهِ ، فِي جِدٍّ وَفِي وَعْيٍ وَفِي الْتِزَامٍ عَجِيبٍ ، تَأْخُذُنَا رَوْعَتُهُ وَتَبْهَرُنَا جِدِّيَّتُهُ ; وَنُدْرِكُ مِنْهُ كَيْفَ كَانَ هَذَا الرَّهْطُ الْفَرِيدُ مِنَ النَّاسِ ، وَكَيْفَ صَنَعَ اللَّهُ بِهَذَا الرَّهْطِ مَا صَنَعَ مِنَ الْخَوَارِقِ ، فِي رُبْعِ قَرْنٍ مِنَ الزَّمَانِ : رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ - بِإِسْنَادِهِ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ ، قَالَ : "لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَالُوا : أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ؟ قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَيْسَ كَمَا تَظُنُّونَ . وَإِنَّمَا هُوَ مَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ : لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ . . وَرَوَى كَذَلِكَ - بِإِسْنَادِهِ - عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَرَأَ : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ فَلَمَّا قَرَأَهَا فَزِعَ . فَأَتَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ . فَقَالَ : يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ، قَرَأْتُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ . مَنْ يَسْلَمُ ؟ فَقَالَ : مَا هِيَ ؟ . . فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ . . فَأَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ ؟ فَقَالَ : غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ! أَمَّا سَمِعْتَ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ يَقُولُ : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ؟ إِنَّمَا هُوَ : وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِشِرْكٍ . وَرَوَى - بِإِسْنَادِهِ - عَنْ أَبِي الْأَشْعَرِ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ صُوحَانَ سَأَلَ سَلْمَانَ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ قَدْ بَلَغَتْ مِنِّي كُلَّ مَبْلَغٍ : الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ! فَقَالَ سَلْمَانُ : هُوَ الشِّرْكُ بِاللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ . فَقَالَ زَيْدٌ : مَا يَسُرُّنِي بِهَا أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهَا مِنْكَ ، وَأَنَّ لِي مِثْلَ كُلِّ شَيْءٍ أَمْسَيْتُ أَمْلِكُهُ . فَهَذِهِ الْآثَارُ الثَّلَاثَةُ تُصَوِّرُ لَنَا كَيْفَ كَانَ حِسُّ هَذَا الرَّهْطِ الْكَرِيمِ بِهَذَا الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ . كَيْفَ كَانَتْ جِدِّيَّةُ وَقْعِهِ فِي نُفُوسِهِمْ. كَيْفَ كَانُوا يَتَلَقَّوْنَهُ وَهُمْ يَشْعُرُونَ أَنَّهُ أَوَامِرُ مُبَاشِرَةٌ لِلتَّنْفِيذِ وَتَقْرِيرَاتٌ حَاسِمَةٌ لِلطَّاعَةِ ، وَأَحْكَامٌ نِهَائِيَّةٌ لِلنَّفَاذِ . وَكَيْفَ كَانُوا يَفْزَعُونَ حِينَ يَظُنُّونَ أَنَّ هُنَاكَ مُفَارَقَةً بَيْنَ طَاقَتِهِمُ الْمَحْدُودَةِ وَمُسْتَوَى التَّكْلِيفِ الْمَطْلُوبِ ، وَكَيْفَ كَانُوا يَجْزَعُونَ أَنْ يُؤَاخَذُوا بِأَيِّ دَرَجَةٍ مِنْ دَرَجَاتِ التَّقْصِيرِ ، وَالتَّفَاوُتِ بَيْنَ عَمَلِهِمْ وَبَيْنَ مُسْتَوَى التَّكْلِيفِ . حَتَّى يَأْتِيَهُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ التَّيْسِيرُ . إِنَّهُ مَشْهَدٌ كَذَلِكَ رَائِعٌ بَاهِرٌ . . مَشْهَدُ هَذِهِ النُّفُوسِ الَّتِي حَمَلَتْ هَذَا الدِّينَ . . وَكَانَتْ سِتَارًا لِقَدَرِ اللَّهِ ; وَمَنْفَذًا لِمَشِيئَتِهِ فِي وَاقِعِ الْحَيَاةِ . .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية