الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ . . إِنَّهَا الْمُعْجِزَةُ الَّتِي لَا يَدْرِي سِرَّهَا أَحَدٌ ; فَضْلًا عَلَى أَنْ يَمْلِكَ صُنْعَهَا أَحَدٌ ! مُعْجِزَةُ الْحَيَاةِ نَشْأَةً وَحَرَكَةً . . وَفِي كُلِّ لَحْظَةٍ تَنْفَلِقُ الْحَبَّةُ السَّاكِنَةُ عَنْ نَبْتَةٍ نَامِيَةٍ ، وَتَنْفَلِقُ النَّوَاةُ الْهَامِدَةُ عَنْ شَجَرَةٍ صَاعِدَةٍ . وَالْحَيَاةُ الْكَامِنَةُ فِي الْحَبَّةِ وَالنَّوَاةِ ، النَّامِيَةُ فِي النَّبْتَةِ وَالشَّجَرَةِ ، سِرٌّ مَكْنُونٌ ، لَا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ إِلَّا اللَّهُ ; وَلَا يَعْلَمُ مَصْدَرَهُ إِلَّا اللَّهُ . . وَتَقِفُ الْبَشَرِيَّةُ بَعْدَ كُلِّ مَا رَأَتْ مِنْ ظَوَاهِرِ الْحَيَاةِ وَأَشْكَالِهَا ، وَبَعْدَ كُلِّ مَا دَرَسَتْ مِنْ خَصَائِصِهَا وَأَطْوَارِهَا . . تَقِفُ أَمَامَ السِّرِّ الْمُغَيَّبِ كَمَا وَقَفَ الْإِنْسَانُ الْأَوَّلُ ، تُدْرِكُ الْوَظِيفَةَ وَالْمَظْهَرَ ، وَتَجْهَلُ الْمَصْدَرَ وَالْجَوْهَرَ ، وَالْحَيَاةُ مَاضِيَةٌ فِي طَرِيقِهَا . وَالْمُعْجِزَةُ تَقَعُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ ! ! ! وَمُنْذُ الْبَدْءِ أَخْرَجَ اللَّهُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ . فَقَدْ كَانَ هَذَا الْكَوْنُ - أَوْ عَلَى الْأَقَلِّ كَانَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ - وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ حَيَاةٌ . . ثُمَّ كَانَتِ الْحَيَاةُ . . أَخْرَجَهَا اللَّهُ مِنَ الْمَوَاتِ . . كَيْفَ ؟ لَا نَدْرِي ! وَهِيَ مُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ تَخْرُجُ مِنَ الْمَيِّتِ ; فَتَتَحَوَّلُ الذَّرَّاتُ الْمَيِّتَةُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ - عَنْ طَرِيقِ الْأَحْيَاءِ - إِلَى مَوَادَّ عُضْوِيَّةٍ حَيَّةٍ تَدْخُلُ فِي كِيَانِ الْأَجْسَامِ الْحَيَّةِ ; وَتَتَحَوَّلُ - وَأَصْلُهَا ذَرَّاتٌ مَيِّتَةٌ - إِلَى خَلَايَا حَيَّةٍ . . وَالْعَكْسُ كَذَلِكَ . . فَفِي كُلِّ لَحْظَةٍ تَتَحَوَّلُ خَلَايَا حَيَّةٌ إِلَى ذَرَّاتٍ مَيِّتَةٍ ; إِلَى أَنْ يَتَحَوَّلَ الْكَائِنُ الْحَيُّ كُلُّهُ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى ذَرَّاتٍ مَيِّتَةٍ ! يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ . . وَلَا يَقْدِرُ إِلَّا اللَّهُ أَنْ يَصْنَعَ ذَلِكَ . . لَا يَقْدِرُ إِلَّا اللَّهُ أَنْ يُنْشِئَ الْحَيَاةَ مُنْذُ الْبَدْءِ مِنَ الْمَوَاتِ . وَلَا يَقْدِرُ إِلَّا اللَّهُ أَنْ يُجَهِّزَ الْكَائِنَ الْحَيَّ بِالْقُدْرَةِ عَلَى إِحَالَةِ الذَّرَّاتِ الْمَيِّتَةِ إِلَى خَلَايَا حَيَّةٍ . وَلَا يَقْدِرُ إِلَّا اللَّهُ عَلَى تَحْوِيلِ الْخَلَايَا الْحَيَّةِ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى ذَرَّاتٍ مَيِّتَةٍ . . فِي دَوْرَةٍ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ يَقِينًا بَعْدُ مَتَى بَدَأَتْ ، وَلَا كَيْفَ تَتِمُّ . . وَإِنْ هِيَ إِلَّا فُرُوضٌ وَنَظَرِيَّاتٌ وَاحْتِمَالَاتٌ ! ! ! لَقَدْ عَجَزَتْ كُلُّ مُحَاوَلَةٍ لِتَفْسِيرِ ظَاهِرَةِ الْحَيَاةِ ، عَلَى غَيْرِ أَسَاسِ أَنَّهَا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ . . وَمُنْذُ أَنْ شَرَدَ النَّاسُ مِنَ الْكَنِيسَةِ فِي أُورُبَّا . . كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ . . وَهُمْ يُحَاوِلُونَ تَفْسِيرَ نَشْأَةِ الْكَوْنِ وَتَفْسِيرَ نَشْأَةِ الْحَيَاةِ ، بِدُونِ الْتِجَاءٍ إِلَى الِاعْتِرَافِ بِوُجُودِ اللَّهِ . . وَلَكِنَّ هَذِهِ الْمُحَاوَلَاتِ كُلَّهَا فَشِلَتْ جَمِيعًا . . وَلَمْ تَبْقَ مِنْهَا فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ إِلَّا مُمَاحَكَاتٌ تَدُلُّ عَلَى الْعِنَادِ ، وَلَا تَدُلُّ عَلَى الْإِخْلَاصِ ! وَأَقْوَالُ بَعْضِ "عُلَمَائِهِمُ " الَّذِينَ عَجَزُوا عَنْ تَفْسِيرِ وُجُودِ الْحَيَاةِ إِلَّا بِالِاعْتِرَافِ بِاللَّهِ ، تُصَوِّرُ حَقِيقَةَ مَوْقِفِ "عِلْمِهِمْ " نَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ . وَنَحْنُ نَسُوقُهَا لِمَنْ لَا يَزَالُونَ عِنْدَنَا يَقْتَاتُونَ عَلَى فُتَاتِ الْقَرْنَيْنِ الثَّامِنَ عَشَرَ وَالتَّاسِعَ عَشَرَ مِنْ مَوَائِدِ الْأُورُبِّيِّينَ ، عَازِفِينَ عَنْ هَذَا الدِّينِ ، لِأَنَّهُ يُثْبِتُ "الْغَيْبَ " وَهُمْ "عِلْمِيُّونَ ! " لَا "غَيْبِيُّونَ " ! . . وَنَخْتَارُ لَهُمْ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءَ مِنْ " أَمْرِيكَا " ! ! ! يَقُولُ " فِرَانْكُ أَلَلَنَ " . (مَاجِسْتِيرُ وَدُكْتُورَاهُ مِنْ جَامِعَةِ كُورُنِلْ وَأُسْتَاذُ الطَّبِيعَةِ الْحَيَوِيَّةِ بِجَامِعَةِ مَانِيتُوبَا بِكَنَدَا ) فِي مَقَالِ : نَشْأَةُ الْعَالِمِ هَلْ هُوَ مُصَادَفَةٌ أَوْ قَصْدٌ ؟ مِنْ كِتَابِ : "اللَّهُ يَتَجَلَّى فِي عَصْرِ الْعِلْمِ " . . تَرْجَمَةُ الدُّكْتُورِ : الدِّمِرْدَاشُ عَبْدُ الْمَجِيدِ سَرْحَانُ . . . "فَإِذَا لَمْ تَكُنِ الْحَيَاةُ قَدْ نَشَأَتْ بِحِكْمَةٍ وَتَصْمِيمٍ سَابِقٍ ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ قَدْ نَشَأَتْ عَنْ طَرِيقِ الْمُصَادَفَةِ فَمَا هِيَ تِلْكَ الْمُصَادَفَةُ إِذَنْ حَتَّى نَتَدَبَّرَهَا وَنَرَى كَيْفَ تَخْلُقُ الْحَيَاةَ ؟ " . "إِنَّ نَظَرِيَّاتِ الْمُصَادَفَةِ وَالِاحْتِمَالِ لَهَا الْآنَ مِنَ الْأُسُسِ الرِّيَاضِيَّةِ السَّلِيمَةِ مَا يَجْعَلُهَا تُطَبَّقُ عَلَى نِطَاقٍ وَاسِعٍ حَيْثُمَا انْعَدَمَ الْحُكْمُ الصَّحِيحُ الْمُطْلَقُ . وَتَضَعُ هَذِهِ النَّظَرِيَّاتُ أَمَامَنَا الْحُكْمَ الْأَقْرَبَ إِلَى الصَّوَابِ - مَعَ تَقْدِيرِ احْتِمَالِ الْخَطَأِ فِي هَذَا الْحُكْمِ - وَلَقَدْ تَقَدَّمَتْ دِرَاسَةُ نَظَرِيَّةِ الْمُصَادَفَةِ وَالِاحْتِمَالِ مِنَ الْوُجْهَةِ الرِّيَاضِيَّةِ تَقَدُّمًا كَبِيرًا ، حَتَّى أَصْبَحْنَا قَادِرِينَ عَلَى التَّنَبُّؤِ بِحُدُوثِ بَعْضِ الظَّوَاهِرِ ، الَّتِي نَقُولُ : إِنَّهَا تَحْدُثُ بِالْمُصَادَفَةِ ، وَالَّتِي لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُفَسِّرَ ظُهُورَهَا بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى (مِثْلَ قَذْفٍ الزَّهْرِ فِي لُعْبَةِ النَّرْدِ ) . وَقَدْ صِرْنَا بِفَضْلِ تَقَدُّمِ هَذِهِ الدِّرَاسَاتِ قَادِرِينَ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ بِطَرِيقِ الْمُصَادَفَةِ ، وَمَا يَسْتَحِيلُ حُدُوثُهُ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ ، وَأَنْ نَحْسُبَ احْتِمَالَ حُدُوثِ ظَاهِرَةٍ مِنَ الظَّوَاهِرِ فِي مَدًى مُعَيَّنٍ مِنَ الزَّمَانِ . . وَلْنَنْظُرِ الْآنَ إِلَى الدَّوْرِ الَّذِي تَسْتَطِيعُ أَنْ تَلْعَبَهُ الْمُصَادَفَةُ فِي نَشْأَةِ الْحَيَاةِ : إِنَّ الْبُرُوتِينَاتِ مِنَ الْمُرَكَّبَاتِ الْأَسَاسِيَّةِ فِي جَمِيعِ الْخَلَايَا الْحَيَّةِ . وَهِيَ تَتَكَوَّنُ مِنْ خَمْسَةِ عَنَاصِرَ هِيَ : الْكَرْبُونُ ، وَالْأَدْرُوجِينُ ، وَالنِّيتْرُوجِينُ ، وَالْأُكْسُجِينُ ، وَالْكِبْرِيتُ . . وَيَبْلُغُ عَدَدُ الذَّرَّاتِ فِي الْجُزْءِ الْوَاحِدِ 40,000 ذَرَّةٍ . وَلَمَّا كَانَ عَدَدُ الْعَنَاصِرِ الْكِيمَاوِيَّةِ فِي الطَّبِيعَةِ 92 عُنْصُرًا ، مُوَزَّعَةً كُلَّهَا تَوْزِيعًا عَشْوَائِيًّا ، فَإِنَّ احْتِمَالَ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الْعَنَاصِرِ الْخَمْسَةِ ، لِكَيْ تُكَوِّنَ جُزَيْئًا مِنْ جُزَيْئَاتِ الْبُرُوتِينِ ، يُمْكِنُ حِسَابُهُ لِمَعْرِفَةِ كَمِّيَّةِ الْمَادَّةِ الَّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُخْلَطَ خَلْطًا مُسْتَمِرًّا لِكَيْ تُؤَلِّفَ هَذَا الْجُزَيْءَ ، ثُمَّ لِمَعْرِفَةِ طُولِ الْفَتْرَةِ الزَّمَنِيَّةِ اللَّازِمَةِ لِكَيْ يَحْدُثَ هَذَا الِاجْتِمَاعُ بَيْنَ ذَرَّاتِ الْجُزْءِ الْوَاحِدِ . وَقَدْ قَامَ الْعَالِمُ الرِّيَاضِيُّ السِّوِيسْرِيُّ تِشَارْلِزُ يَوْجَيْنَ جَاي بِحِسَابِ هَذِهِ الْعَوَامِلِ جَمِيعًا ، فَوَجَدَ أَنَّ الْفُرْصَةَ لَا تَتَهَيَّأُ عَنْ طَرِيقِ الْمُصَادَفَةِ لِتَكْوِينِ جُزَيْءٍ بُرُوتِينِيٍّ وَاحِدٍ ، إِلَّا بِنِسْبَةِ 1 إِلَى 10 160 ، أَيْ بِنِسْبَةِ 1 إِلَى رَقْمِ عَشْرَةٍ مَضْرُوبًا فِي نَفْسِهِ 160 مَرَّةً . وَهُوَ رَقْمٌ لَا يُمْكِنُ النُّطْقُ بِهِ أَوِ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِكَلِمَاتٍ . . وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ كَمِّيَّةُ الْمَادَّةِ الَّتِي تَلْزَمُ لِحُدُوثِ هَذَا التَّفَاعُلِ بِالْمُصَادَفَةِ بِحَيْثُ يَنْتِجُ جُزَيْءٌ وَاحِدٌ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَّسِعُ لَهُ كُلُّ هَذَا الْكَوْنِ بِمَلَايِينِ الْمَرَّاتِ . . وَيَتَطَلَّبُ تَكْوِينُ هَذَا الْجُزَيْءِ عَلَى سَطْحِ الْأَرْضِ وَحْدَهَا - عَنْ طَرِيقِ الْمُصَادَفَةِ - بَلَايِينَ لَا تُحْصَى مِنَ السَّنَوَاتِ ، قَدَّرَهَا الْعَالِمُ السِّوِيسْرِيُّ بِأَنَّهَا عَشْرَةٌ مَضْرُوبَةٌ فِي نَفْسِهَا 243 مَرَّةً مِنَ السِّنِينَ (10 243 سَنَةً ) . إِنَّ الْبُرُوتِينَاتِ تَتَكَوَّنُ مِنْ سَلَاسِلَ طَوِيلَةٍ مِنَ الْأَحْمَاضِ الْأَمِينِيَّةِ . فَكَيْفَ تَتَأَلَّفُ ذَرَّاتِ هَذِهِ الْجُزْئِيَّاتِ ؟ إِنَّهَا إِذَا تَآلَفَتْ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى ، غَيْرَ الَّتِي تَتَآلَفُ بِهَا ، تَصِيرُ غَيْرَ صَالِحَةٍ لِلْحَيَاةِ . بَلْ تَصِيرُ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ سُمُومًا . وَقَدْ حَسِبَ الْعَالِمُ الْإِنْجِلِيزِيُّ : ج . ب . سَيَثِرُ . . الطُّرُقَ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تَتَآلَفَ بِهَا الذَّرَّاتُ فِي أَحَدِ الْجُزْئِيَّاتِ الْبَسِيطَةِ مِنَ الْبُرُوتِينَاتِ ، فَوَجَدَ أَنَّ عَدَدَهَا يَبْلُغُ الْمَلَايِينَ (10 ) . وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ عَقْلًا أَنْ تَتَآلَفَ كُلُّ هَذِهِ الْمُصَادَفَاتِ لِكَيْ تَبْنِيَ جُزَيْئًا بُرُوتِينِيًّا وَاحِدًا . وَلَكِنَّ الْبُرُوتِينَاتِ لَيْسَتْ إِلَّا مَوَادَّ كِيمَاوِيَّةً عَدِيمَةَ الْحَيَاةِ ، وَلَا تَدِبُّ فِيهَا الْحَيَاةُ إِلَّا عِنْدَمَا يَحِلُّ فِيهَا ذَلِكَ السِّرُّ الْعَجِيبُ ، الَّذِي لَا نَدْرِي مِنْ كُنْهِهِ شَيْئًا ، إِنَّهُ الْعَقْلُ اللَّانِهَائِيُّ . وَهُوَ اللَّهُ وَحْدَهُ ، الَّذِي اسْتَطَاعَ أَنْ يُدْرِكَ بِبَالِغِ حِكْمَتِهِ ، أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْجُزَيْءِ الْبُرُوتِينِيِّ يَصْلُحُ لِأَنْ يَكُونَ مُسْتَقِرًّا لِلْحَيَاةِ ، فَبَنَاهُ وَصَوَّرَهُ ، وَأَغْدَقَ عَلَيْهِ سِرَّ الْحَيَاةِ . . وَيَقُولُ إِيرِفِنْجُ وِلْيَامُ (دُكْتُورَاهٌ مِنْ جَامِعَةِ إِيوَى وَأَخِصَّائِيٌّ فِي وِرَاثَةِ النَّبَاتَاتِ وَأُسْتَاذُ الْعُلُومِ الطَّبِيعِيَّةِ بِجَامِعَةِ مِيتِشِجَانَ ) فِي مَقَالِ : "الْمَادِّيَّةُ وَحْدَهَا لَا تَكْفِي " مِنَ الْكِتَابِ نَفْسِهِ : "إِنَّ الْعُلُومَ لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُفَسِّرَ لَنَا كَيْفَ نَشَأَتْ تِلْكَ الدَّقَائِقُ الصَّغِيرَةُ الْمُتَنَاهِيَةُ فِي صِغَرِهَا وَالَّتِي لَا يُحْصِيهَا عَدٌّ ، وَهِيَ الَّتِي تَتَكَوَّنُ مِنْهَا جَمِيعُ الْمَوَادِّ . كَمَا لَا تَسْتَطِيعُ الْعُلُومُ أَنْ تُفَسِّرَ لَنَا - بِالِاعْتِمَادِ عَلَى فِكْرَةِ الْمُصَادَفَةِ وَحْدَهَا - كَيْفَ تَتَجَمَّعُ هَذِهِ الدَّقَائِقُ الصَّغِيرَةُ لِكَيْ تُكَوِّنَ الْحَيَاةَ . وَلَا شَكَّ أَنَّ النَّظَرِيَّةَ الَّتِي تَدَّعِي أَنَّ جَمِيعَ صُوَرِ الْحَيَاةِ الرَّاقِيَةِ قَدْ وَصَلَتْ إِلَى حَالَتِهَا الرَّاهِنَةِ مِنَ الرُّقِيِّ بِسَبَبِ حُدُوثِ بَعْضِ الطَّفَرَاتِ الْعَشْوَائِيَّةِ وَالتَّجَمُّعَاتِ وَالْهَجَائِنِ . . نَقُولُ : إِنَّ هَذِهِ النَّظَرِيَّةَ لَا يُمْكِنُ الْأَخْذُ بِهَا إِلَّا عَنْ طَرِيقِ التَّسْلِيمِ . فَهِيَ لَا تَقُومُ عَلَى أَسَاسِ الْمَنْطِقِ وَالْإِقْنَاعِ ! " . وَيَقُولُ : " أَلْبِرْتُ مَاكُومِبُ وِنْشِسْتَرُ " (مُتَخَصِّصٌ فِي عِلْمِ الْأَحْيَاءِ دُكْتُورَاهٌ مِنْ جَامِعَةِ تِكْسَاسَ . أُسْتَاذُ عِلْمِ الْأَحْيَاءِ بِجَامِعَةِ بِايِلُورَ . . . ) فِي مَقَالِ : "الْعُلُومُ تَدْعَمُ إِيمَانِي بِاللَّهِ " مِنَ الْكِتَابِ نَفْسِهِ : " . . . وَقَدِ اشْتَغَلْتُ بِدِرَاسَةِ عِلْمِ الْأَحْيَاءِ . وَهُوَ مِنَ الْمَيَادِينِ الْعِلْمِيَّةِ الْفَسِيحَةِ الَّتِي تَهْتَمُّ بِدِرَاسَةِ الْحَيَاةِ . وَلَيْسَ بَيْنَ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ أَرْوَعَ مِنَ الْأَحْيَاءِ الَّتِي تَسْكُنُ هَذَا الْكَوْنَ " . "انْظُرْ إِلَى نَبَاتِ بَرْسِيمٍ ضَئِيلٍ . وَقَدْ نَمَا عَلَى أَحَدِ جَوَانِبِ الطَّرِيقِ . فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَجِدَ لَهُ نَظِيرًا فِي رَوْعَتِهِ بَيْنَ جَمِيعِ مَا صَنَعَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ تِلْكَ الْعُدَدِ وَالْآلَاتِ الرَّائِعَةِ ؟ إِنَّهُ آلَةٌ حَيَّةٌ تَقُومُ بِصُورَةٍ دَائِبَةٍ لَا تَنْقَطِعُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ ، بِآلَافٍ مِنَ التَّفَاعُلَاتِ الْكِيمَوِيَّةِ وَالطَّبِيعِيَّةِ ; وَيَتِمُّ كُلُّ ذَلِكَ تَحْتَ سَيْطَرَةِ الْبُرُوتُوبْلَازْمِ وَهُوَ الْمَادَّةُ الَّتِي تَدْخُلُ فِي تَرْكِيبِ جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ الْحَيَّةِ " . "فَمِنْ أَيْنَ جَاءَتْ هَذِهِ الْآلَةُ الْحَيَّةُ الْمُعَقَّدَةُ ؟ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَصْنَعْهَا هَكَذَا وَحْدَهَا ، وَلَكِنَّهُ خَلَقَ الْحَيَاةَ ، وَجَعَلَهَا قَادِرَةً عَلَى صِيَانَةِ نَفْسِهَا ، وَعَلَى الِاسْتِمْرَارِ مِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ . مَعَ الِاحْتِفَاظِ بِكُلِّ الْخَوَاصِّ وَالْمُمَيَّزَاتِ الَّتِي تُعِينُنَا عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ نَبَاتٍ وَآخَرَ . . إِنَّ دِرَاسَةَ التَّكَاثُرِ فِي الْأَحْيَاءِ تُعْتَبَرُ أَرْوَعَ دِرَاسَاتِ عِلْمِ الْأَحْيَاءِ ، وَأَكْثَرَهَا إِظْهَارًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ . . إِنَّ الْخَلِيَّةَ التَّنَاسُلِيَّةَ الَّتِي يَنْتِجُ عَنْهَا النَّبَاتُ الْجَدِيدُ ، تَبْلُغُ مِنَ الصِّغَرِ دَرَجَةً كُبْرَى بِحَيْثُ يَصْعُبُ مُشَاهَدَتُهَا إِلَّا بِاسْتِخْدَامِ الْمِجْهَرِ الْمُكَبِّرِ . وَمِنَ الْعَجِيبِ أَنَّ كُلَّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ النَّبَاتِ : كُلُّ عَرَقٍ ، وَكُلُّ شُعَيْرَةٍ ، وَكُلُّ فَرْعٍ عَلَى سَاقٍ ، وَكُلُّ جِذْرٍ أَوْ وَرَقَةٍ ، يَتِمُّ تَكْوِينُهَا تَحْتَ إِشْرَافِ مُهَنْدِسِينَ قَدْ بَلَغُوا مِنْ دِقَّةِ الْحَجْمِ مَبْلَغًا كَبِيرًا ، فَاسْتَطَاعُوا الْعَيْشَ دَاخِلَ الْخَلِيَّةِ الَّتِي يَنْشَأُ مِنْهَا النَّبَاتُ . . تِلْكَ الْفِئَةُ مِنَ الْمُهَنْدِسِينَ هِيَ فِئَةُ الْكُرُومُوسُومَاتُ (نَاقِلَاتُ الْوِرَاثَةِ ) " . وَفِي هَذَا الْقَدْرِ كِفَايَةٌ لِنَعُودَ إِلَى الْجَمَالِ الْمُشْرِقِ فِي سِيَاقِ الْقُرْآنِ : ذَلِكُمُ اللَّهُ . . مُبْدِعُ هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ الْمُتَكَرِّرَةِ الْمُغَيَّبَةِ السِّرِّ . . هُوَ اللَّهُ . . وَهُوَ رَبُّكُمُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ تَدِينُوا لَهُ وَحْدَهُ . . بِالْعُبُودِيَّةِ وَالْخُضُوعِ وَالِاتِّبَاعِ . فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ . . فَكَيْفَ تُصْرَفُونَ عَنْ هَذَا الْحَقِّ الْوَاضِحِ لِلْعُقُولِ وَالْقُلُوبِ وَالْعُيُونِ ! إِنَّ مُعْجِزَةَ انْبِثَاقِ الْحَيَاةِ مِنَ الْمَوَاتِ يَجِيءُ ذِكْرُهَا كَثِيرًا فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ - كَمَا يَجِيءُ ذِكْرُ خَلْقِ الْكَوْنِ ابْتِدَاءً - فِي مَعْرِضِ التَّوْجِيهِ إِلَى حَقِيقَةِ الْأُلُوهِيَّةِ ، وَآثَارِهَا الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَةِ الْخَالِقِ ، لِيَنْتَهِيَ مِنْهَا إِلَى ضَرُورَةِ وَحْدَةِ الْمَعْبُودِ ، الَّذِي يَدِينُ لَهُ الْعِبَادُ ; بِالِاعْتِقَادِ فِي أُلُوهِيَّتِهِ وَحْدَهُ ، وَالطَّاعَةِ لِرُبُوبِيَّتِهِ وَحْدَهُ ، وَالتَّقَدُّمِ إِلَيْهِ وَحْدَهُ بِالشَّعَائِرِ التَّعَبُّدِيَّةِ ، وَالتَّلَقِّي مِنْهُ وَحْدَهُ فِي مَنْهَجِ الْحَيَاةِ كُلِّهِ ، وَالدَّيْنُونَةِ لِشَرِيعَتِهِ كَذَلِكَ وَحْدَهَا . . وَهَذِهِ الدَّلَائِلُ لَا تُذْكَرُ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي صُورَةِ قَضَايَا لَاهُوتِيَّةٍ أَوْ نَظَرِيَّاتٍ فَلْسَفِيَّةٍ ! إِنَّ هَذَا الدِّينَ أَكْثَرُ جِدِّيَّةً مِنْ أَنْ يُنْفِقَ طَاقَةَ الْبَشَرِ فِي قَضَايَا لَاهُوتِيَّةٍ وَنَظَرِيَّاتٍ فَلْسَفِيَّةٍ . إِنَّمَا يَهْدِفُ إِلَى تَقْوِيمِ تَصَوُّرِ الْبَشَرِ - بِإِعْطَائِهِمُ الْعَقِيدَةَ الصَّحِيحَةَ - لِيَنْتَهِيَ إِلَى تَقْوِيمِ حَيَاةِ الْبَشَرِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ . وَذَلِكَ لَا يَكُونُ أَبَدًا إِلَّا بِرَدِّهِمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ وَإِخْرَاجِهِمْ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ . وَإِلَّا أَنْ تَكُونَ الدَّيْنُونَةُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ، وَفِي شُؤُونِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ ، وَإِلَّا أَنْ يَخْرُجَ النَّاسُ مِنْ سُلْطَانِ الْمُتَسَلِّطِينَ ، الَّذِينَ يَدَّعُونَ حَقَّ الْأُلُوهِيَّةِ ، فَيُزَاوِلُونَ الْحَاكِمِيَّةَ فِي حَيَاةِ الْبَشَرِ ، وَيُصْبِحُونَ آلِهَةً زَائِفَةً وَأَرْبَابًا كَثِيرَةً ; فَتَفْسُدُ الْحَيَاةُ ، حِينَ يُسْتَعْبَدُ النَّاسُ فِيهَا لِغَيْرِ اللَّهِ ! وَمِنْ هُنَا نَرَى التَّعْقِيبَ عَلَى مُعْجِزَةِ الْحَيَاةِ : ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ . . ذَلِكُمُ اللَّهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الرُّبُوبِيَّةَ فِيكُمْ . . وَالرَّبُّ هُوَ الْمُرَبِّي وَالْمُوَجَّهُ وَالسَّيِّدُ وَالْحَاكِمُ . . وَمِنْ ثَمَّ يَجِبُ أَلَّا يَكُونَ الرَّبُّ إِلَّا اللَّهَ . .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية