الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      هَذِهِ الْمُنَاسَبَةُ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةً فِي حَيَاةِ الْأُمَّةِ الْمُسْلِمَةِ - وَالْجَاهِلِيَّةُ مِنْ حَوْلِهَا - وَالَّتِي عَالَجَهَا سِيَاقُ السُّورَةِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ الَّذِي سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمُقْتَطَفَاتِ.. هِيَ هِيَ مَوْضُوعُ بَقِيَّةِ السُّورَةِ الَّتِي سَنُعَالِجُهَا فِي هَذَا الْجُزْءِ. بَعْدَ مَا مَضَى الشَّطْرُ الْأَوَّلُ مِنَ السُّورَةِ فِي عَرْضِ قَضِيَّةِ الْأُلُوهِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ فِي مُحِيطِهَا الشَّامِلِ; وَانْتَهَى السِّيَاقُ إِلَى مُوَاجَهَةِ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ الْوَاقِعِيَّةِ، فَرَبَطَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَضِيَّةِ الْكُبْرَى، ذَلِكَ الرَّبْطَ الْقَوِيَّ الْمُبَاشِرَ. إِنَّ السِّيَاقَ الْقُرْآنِيَّ يَحْشُدُ - لِمُوَاجَهَةِ تِلْكَ التَّقَالِيدِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي تَحْرِيمِ بَعْضِ الْمَطَاعِمِ وَتَحْلِيلِ بَعْضِهَا ; وَفِي النُّذُورِ مِنَ الثِّمَارِ وَالْأَنْعَامِ وَالْأَوْلَادِ - حَشْدًا ضَخْمًا مِنَ الْمُؤَثِّرَاتِ وَالتَّقْرِيرَاتِ، وَيَرْبِطُهَا بِجُمْلَةٍ مِنَ الْحَقَائِقِ وَالْقَوَاعِدِ; هِيَ حَقَائِقُ هَذَا الدِّينِ وَقَوَاعِدُهُ الْأَسَاسِيَّةُ، وَيُقَدِّمُ لَهَا وَيُعَقِّبُ عَلَيْهَا تَقْدُمَاتٍ ضَخْمَةً وَتَعْقِيبَاتٍ هَائِلَةً; مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الْأَهَمِّيَّةِ الْبَالِغَةِ الَّتِي يَنُوطُهَا هَذَا الدِّينُ، بِتَخْلِيصِ الْحَيَاةِ كُلِّهَا مِنْ قَبْضَةِ الْجَاهِلِيَّةِ ; وَرَدِّهَا بِجُمْلَتِهَا إِلَى الْإِسْلَامِ، أَيْ إِلَى سُلْطَانِ اللَّهِ وَحْدَهُ.. وَهَكَذَا يَبْدَأُ السِّيَاقُ بِتَقْدُمَةٍ لِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ عَنْ إِحَاطَةِ مَشِيئَةِ اللَّهِ بِالْعِبَادِ جَمِيعًا: جِنِّهِمْ وَإِنْسِهِمْ، وَجَرَيَانِ الْأَحْدَاثِ فِي هَذِهِ الْعَوَالِمِ بِمَشِيئَتِهِ وَقَدَرِهِ، وَاسْتِدْرَاجِهِ لِأَعْدَاءِ الرُّسُلِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ; وَإِمْهَالِهِ لَهُمْ، لِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ; وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَقَهَرَهَمْ عَلَى الْهُدَى وَلَكَفَّهُمْ عَنِ الضَّلَالِ قَهْرًا أَوْ لَهَدَاهُمْ إِلَى الْحَقِّ وَشَرَحَ صُدُورَهُمْ لَهُ. أَوْ لَكَفَّهَمْ عَنْ أَذَى الرُّسُلِ وَالْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يَصِلُوا إِلَيْهِمْ، فَهُمْ لَا يُعَادُونَ الرُّسُلَ، وَلَا يَقْتَرِفُونَ مَا يَقْتَرِفُونَ، خُرُوجًا عَلَى سُلْطَانِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ; فَهُمْ أَعْجَزُ مِنْ أَنْ يَخْرُجُوا عَلَى سُلْطَانِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ إِنَّمَا هِيَ مَشِيئَةُ اللَّهِ اقْتَضَتْ أَنْ يَتْرُكَ لَهُمُ الْخِيَارَ وَالْقُدْرَةَ عَلَى الْهُدَى وَعَلَى الضَّلَالِ، وَهُمْ فِي قَبْضَتِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُمْ مُقْتَرِفُونَ .. فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ عَدَاءَ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ لِلرُّسُلِ سَنَةٌ يَجْرِي بِهَا قَدَرُ اللَّهِ. وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الشَّيَاطِينَ، عَلَى كُلِّ مَا يَرْتَكِبُونَهُ، هُمْ فِي قَبْضَةِ اللَّهِ. اسْتَنْكَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَبْتَغِيَ " حَكَمًا " غَيْرَ اللَّهِ.. هَكَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، فِي أَيِّ شَأْنٍ وَفِي أَيِّ أَمْرٍ.. ذَلِكَ أَنَّ تَحْكِيمَ غَيْرِ اللَّهِ فِي شَأْنِ هَذِهِ الْمَطَاعِمِ هُوَ كَالتَّحْكِيمِ لِغَيْرِ اللَّهِ فِي كُلِّ شَأْنٍ. وَهُوَ إِقَامَةُ رُبُوبِيَّةٍ غَيْرِ رُبُوبِيَّةِ اللَّهِ يُنْكِرُهَا رَسُولُ اللَّهِ.. وَأَعْقَبَ ذَلِكَ تَقْرِيرُ أَنَّ كَلِمَةَ رَبِّهِ قَدْ تَمَّتْ بِهَذَا الْكِتَابِ وَبِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ فَلَمْ يَعُدْ هُنَاكَ قَوْلٌ لِقَائِلٍ، وَلَا حُكْمٌ لِبَشَرٍ. وَحُذِّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُطِيعَ الْبَشَرَ فِي دِينِ اللَّهِ، فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ، وَلَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ يُسْتَيْقَنُ، وَمَنْ يُطِعْهُمْ يَضِلُّوهُ، وَاللَّهُ وَحْدَهُ هُوَ الَّذِي يَعْلَمُ الضَّالِّينَ وَالْمُهْتَدِينَ مِنْ عِبَادِهِ. وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ تَمْهِيدًا لِلْأَمْرِ بِالْأَكْلِ مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُؤْمِنِينَ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْأَكْلِ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَتَحْذِيرِهِمْ أَنْ يُطِيعُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيَاطِينِ فِي شَيْءٍ مِنَ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ، وَإِلَّا فَهُمْ مِثْلُهُمْ مُشْرِكُونَ. وَأُنْهِيَتِ الْفِقْرَةُ بِبَيَانٍ عَنْ طَبِيعَةِ الْكَفْرِ وَطَبِيعَةِ الْإِيمَانِ، وَالدَّوَافِعِ الَّتِي تَدْفَعُ بِالْكَافِرِينَ إِلَى هَذَا الَّذِي يَقْتَرِفُونَ: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ . ثُمَّ يَعُودُ السِّيَاقُ فَيُقَرِّرُ أَنَّ هُدَى الْمُهْتَدِينَ وَضَلَالَ الضَّالِّينَ كِلَيْهِمَا إِنَّمَا يَتِمُّ بِقَدَرٍ مِنَ اللَّهِ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ كَهَؤُلَاءِ فِي قَبْضَةِ اللَّهِ وَسُلْطَانِهِ وَفِي إِطَارِ مَشِيئَتِهِ وَقَدَرِهِ : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ . وَيُنْهِي هَذِهِ الْفِقْرَةَ بِتَقْرِيرِ أَنَّ مَا مَرَّ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَمِنَ الِاعْتِقَادِ وَالتَّصَوُّرِ، هُوَ صِرَاطُ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمُ. فَيَرْبُطُ بَيْنَ ذَلِكَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَبَيْنَ أُصُولِ الِاعْتِقَادِ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ وَيَجْعَلُهُمَا حُزْمَةً وَاحِدَةً، كَمَا يَجْعَلُهُمَا صِرَاطَ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمَ الَّذِي يَأْمُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ أَنْ يَسْلُكُوهُ إِلَيْهِ لِيَنْتَهُوا إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَالْأَمْنِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ وَنَاصِرُهُمْ: وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . وَلَا تَنْتَهِي التَّعْقِيبَاتُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي تَنَاوُلِ الذَّبَائِحِ، حَتَّى يَعْرِضَ السِّيَاقُ مَصِيرَ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ ; وَهُمْ فِي قَبْضَةِ اللَّهِ - صَاحِبِ السُّلْطَانِ وَصَاحِبِ الْحُكْمِ فِي الْمَصَائِرِ - وَحَتَّى يَعْرِضَ سُلْطَانَ اللَّهِ كَذَلِكَ فِي اسْتِخْلَافِ مَنْ يَسْتَخْلِفُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ، وَالذَّهَابِ بِمَنْ يُرِيدُ لَهُ أَنْ يَذْهَبَ. وَتَهْدِيدِ مَنْ يَرْكَبُ رَأْسَهُ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا - بِسَبَبِ مَا مَنَحَهُ اللَّهُ مِنْ حُرِّيَّةٍ فِي اخْتِيَارِ طَرِيقِهِ، ابْتِلَاءً مِنَ اللَّهِ وَاخْتِبَارًا - بِانْتِهَاءِ الْمُهْلَةِ، وَالْأَخْذِ بِمَا كَسَبَ فِي فَتْرَةِ الِابْتِلَاءِ وَالِاخْتِبَارِ : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ . بِهَذَا الْحَشْدِ الْعَجِيبِ مِنْ حَقَائِقِ الْعَقِيدَةِ الْأَسَاسِيَّةِ، وَمِنَ الْمَشَاهِدِ وَالْمَوَاقِفِ وَالْمُؤَثِّرَاتِ الْمُوحِيَةِ، وَمِنْ تَسْلِيطِ الْأَضْوَاءِ عَلَى حَقَائِقِ الْمَشِيئَةِ وَحَقَائِقِ الْوُجُودِ الْكَوْنِيِّ وَحَقَائِقِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ ، وَالدَّوَافِعِ الظَّاهِرَةِ وَالْخَفِيَّةِ فِي حَيَاةِ الْبَشَرِ. وَمِنَ التَّقْرِيرَاتِ الشَّامِلَةِ عَنْ سُلْطَانِ اللَّهِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَفِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَفِي حَيَاةِ الْبَشَرِ الْمُسْتَتِرَةِ وَالظَّاهِرَةِ. بِهَذَا الْحَشْدِ كُلِّهِ يُوَاجِهُ الْمَنْهَجُ الْقُرْآنِيُّ ظَاهِرَةً وَاحِدَةً مِنْ ظَوَاهِرِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْأَكْلِ أَوْ عَدَمِ الْأَكْلِ مِنْ ذَبِيحَةٍ.. فَمَاذَا ؟ إِنَّهَا الْقَضِيَّةُ الْأَسَاسِيَّةُ فِي هَذَا الدِّينِ، قَضِيَّةُ الْحَاكِمِيَّةِ وَلِمَنْ تَكُونُ. وَبِالتَّعْبِيرِ الْمُرَادِفِ: قَضِيَّةُ الْأُلُوهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ وَلِمَنْ تَكُونُ. وَمِنْ ثَمَّ تَنَالُ هَذِهِ الْمُلَابَسَةُ الْجُزْئِيَّةُ كُلَّ هَذَا الِاحْتِشَادِ وَالتَّجَمُّعِ وَالِاحْتِفَالِ. وَبِمِثْلِ هَذَا الِاحْتِشَادِ وَهَذَا الِاحْتِفَالِ وَهَذَا التَّجَمُّعِ يُوَاجِهُ كَذَلِكَ مَسْأَلَةَ النُّذُورِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الثِّمَارِ وَالْأَنْعَامِ وَالْأَوْلَادِ.. إِنَّ جَاهِلِيَّةَ الْعَرَبِ لَمْ تَكُنْ تَجْحَدُ اللَّهَ الْبَتَّةَ. وَلَمْ تَكُنْ تَجْعَلُ مَعَهُ إِلَهًا آخَرَ يُسَاوِيهُ! وَلَكِنَّهَا إِنَّمَا كَانَتْ تَجْعَلُ مَعَهُ آلِهَةً - مِنْ دُونِهِ - أَقَلَّ مِنْهُ مَنْزِلَةً وَرُتْبَةً، وَكَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّهُمْ إِنَّمَا يَتَّخِذُونَ مِنْ هَذِهِ الْآلِهَةِ شُفَعَاءَ يُقَرِّبُونَهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَفِي هَذَا كَانَ شِرْكُهُمْ، وَبِهَذَا كَانُوا مُشْرِكِينَ. وَكَانَ مِنْ شِرْكِهِمْ كَذَلِكَ أَنْ يَبْتَدِعُوا هُمْ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ - يَقُومُ بِذَلِكَ كُهَّانُهُمْ وَمَشَايِخُهُمْ - شَرَائِعَ وَتَقَالِيدَ فِي حَيَاتِهِمْ ، ثُمَّ يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ شَرْعَهَا لَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِهَا! إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا مِنَ التَّبَجُّحِ فِي الشِّرْكِ بِحَيْثُ يَنْسُبُونَ هَذِهِ الشَّرَائِعَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ ; وَيَدَّعُونَ أَنَّ لَهُمْ هُمْ سُلْطَةَ الْحَاكِمِيَّةِ الْعُلْيَا الَّتِي يُصْدِرُونَ بِهَا الشَّرَائِعَ مُسْتَقِلِّينَ عَنْ سُلْطَانِ اللَّهِ! لَمْ يَكُونُوا قَدْ عَرَفُوا بَعْدَ هَذَا التَّبَجُّحِ الَّذِي عَرَفَهُ مُشْرِكُو هَذَا الزَّمَانِ مِمَّنْ يَدْعُونَ - مِنْ دُونِ اللَّهِ - السُّلْطَانَ، وَفِي هَذَا كَذَلِكَ كَانَ شِرْكُهُمْ ، وَبِهَذَا كَانُوا مُشْرِكِينَ ! مِنْ هَذِهِ الشَّرَائِعِ وَالتَّقَالِيدِ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا وَزَعَمُوا أَنَّهَا شَرِيعَةُ اللَّهِ مَا كَانُوا يُنْذِرُونَهُ مِنَ الثِّمَارِ وَالْأَنْعَامِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَلِآلِهَتِهِمُ الْمَدْعَاةِ ! ثُمَّ يَتَصَرَّفُونَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى هَوَاهُمْ أَوْ عَلَى هَوَى السَّدَنَةِ وَالْكَهَنَةِ فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ ! وَمِنْهَا مَا كَانُوا يُنْذِرُونَهُ مِنْ أَوْلَادِهِمْ لِلْآلِهَةِ الْمَزْعُومَةِ ، و َمَا كَانُوا يَقْتُلُونَهُ مِنَ الْبَنَاتِ اتِّبَاعًا لِعُرْفِ الْقَبِيلَةِ ! وَمِنْهَا مَا كَانُوا يَحْجُرُونَهُ مِنَ الْأَنْعَامِ وَمِنَ الزُّرُوعِ لَا يَطْعَمُهُ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَهُمُ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ تَحْرِيمَهَا، وَهُمْ كَذَلِكَ الَّذِينَ يُعَيِّنُونَ مَنْ هُمُ الَّذِينَ شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَطْعَمُوهَا ! وَمِنْهَا ما كَانُوا يُحَرِّمُونَ رُكُوبَهُ مِنَ الْأَنْعَامِ; كَالْبُحَيْرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَالْوَصِيلَةِ وَالْحَامِي ! وَمِنْهَا مَا كَانُوا يَمْنَعُونَ أَنْ يُذْكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنَ الذَّبَائِحِ. زَاعِمِينَ أَنَّ هَذَا مِنْ أَمْرِ اللَّهِ! وَمِنْهَا مَا كَانُوا يُخَصِّصُونَهُ - مِنَ الْحَمْلِ الَّذِي فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ - لِلذُّكُورِ مِنْهُمْ دُونَ الْإِنَاثِ، إِلَّا إِذَا نَزَلَ مَيِّتًا فَيُشَارِكُ فِيهِ الْإِنَاَثَ، وَكَانُوا يجْعَلُونَ هَذَا حَرَامًا وَذَلِكَ حَلَالًا ! وَمِنْهُ الْمَيِّتَةُ الَّتِي كَانُوا يُحِلُّونَهَا وَيَقُولُونَ: ذَبَحَهَا اللَّهُ. فَهِيَ حَلَالٌ بِذَبْحِ اللَّهِ! وَالْقُرْآنُ يُوَاجِهُ هَذَا كُلَّهُ بِحَمْلَةٍ كَاشِفَةٍ يَحْشُدُ فِيهَا مِنَ الْمُقَرَّرَاتِ الْأَسَاسِيَّةِ فِي الْعَقِيدَةِ، وَالْمَشَاهِدِ وَالْحَقَائِقِ الْمُؤَثِّرَةِ مَا يَحْشُدُهُ فِي مُوَاجَهَةِ قَضِيَّةِ الشِّرْكِ وَالْإِيمَانِ فِي سِيَاقِ السُّورَةِ كُلِّهِ; لِأَنَّهَا هِيَ هِيَ بِعَيْنِهَا قَضِيَّةُ الشِّرْكِ وَالْإِيمَانِ، فِي صُورَةٍ تَطْبِيقِيَّةٍ وَاقِعَةٍ.. وَمِنْ خِلَالِ هَذِهِ الْحَمْلَةِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ الْقَضِيَّةَ هِيَ قَضِيَّةُ هَذَا الدِّينِ كَمَا هِيَ قَضِيَّةُ هَذِهِ الْعَقِيدَةِ. فَهَذِهِ التَّشْرِيعَاتُ وَالتَّقَالِيدُ، إِنَّمَا زَيَّنَهَا لِلْمُشْرِكِينَ شُرَكَاؤُهُمُ الَّذِينَ يُشَرِّعُونَهَا لَهُمْ لِيُدَمِّرُوا حَيَاتَهُمْ وَيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ. وَتَلْبِيسُ الدِّينِ وَتَدْمِيرُ الْحَيَاةِ كِلَاهُمَا مُرْتَبِطَانِ. فَإِمَّا شَرْعُ اللَّهِ فَهُوَ الدِّينُ الْوَاضِحُ وَالْحَيَاةُ السَّلِيمَةُ ; وَإِمَّا شَرَعُ غَيْرِ اللَّهِ فَهُوَ الدِّينُ الْغَامِضُ وَالْحَيَاةُ الْمُهَدَّدَةُ بِالرَّدَى: وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ . وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الشَّيَاطِينَ وَرَاءَ هَذَا الْعُدُولِ عَنْ شَرْعِ اللَّهِ وَدِينِهِ إِلَى شَرْعِ الشُّرَكَاءِ وَدِينِهِمْ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ وَهُوَ الْعَدُوُّ الْمُبِينُ يَقُودُ خُطَى الْمُشْرِكِينَ إِلَى الْخُسْرَانِ وَالتَّدْمِيرِ: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ . وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّحْرِيمَ وَالتَّحْلِيلَ - بِغَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ - هُوَ وَالشَّرَكُ سَوَاءٌ. فَهُوَ شِرْكٌ مِثْلُهُ، وَأَنَّ إِحَالَةَ شَيْءٍ مِنْ هَذَا كُلِّهِ إِلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ الْقَاهِرَةِ هُوَ دَعْوَى يَدَّعِيهَا الْمُشْرِكُونَ فِي جَمِيعِ الْعُصُورِ. فَقَدْ شَاءَتْ إِرَادَةُ اللَّهِ أَنْ تُعْطِيَ النَّاسَ قَدْرًا مِنَ الِاخْتِيَارِ تَبْتَلِيهِمْ بِهِ ; وَمِنْ ثَمَّ فَلَا قَهْرَ عَلَى الشِّرْكِ فِي كُلِّ صُوَرِهِ ; إِنَّمَا هُوَ الِابْتِلَاءُ، وَهُمْ غَيْرُ مُفْلِتِينَ مِنْ قَبْضَةِ اللَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ. سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ . ثُمَّ نَجِدُ مَوْقِفًا لِلْإِشْهَادِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا الَّذِي يَحْرِّمُونَهُ ; يُذَكِّرُنَا بِمَوْقِفِ الْإِشْهَادِ عَلَى قَضِيَّةِ الْأُلُوهِيَّةِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ.. ذَلِكَ أَنَّهَا قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فِي الْحَقِيقَةِ. فَمُزَاوَلَةُ التَّشْرِيعِ مُزَاوَلَةٌ لِخَصَائِصِ الْأُلُوهِيَّةِ.. وَهِيَ هِيَ بِذَاتِهَا الْقَضِيَّةُ: قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ .. وَيُذَكِّرُنَا التَّعْبِيرُ " يَعْدِلُونَ " هُنَا بِأَنَّهُ هُوَ بِذَاتِهِ اللَّفْظُ الَّذِي اسْتُخْدِمَ فِي قَضِيَّةِ الْأُلُوهِيَّةِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ. كَمَا ذَكَرْنَا فِي التَّعْرِيفِ بِالسُّورَةِ . ثُمَّ تُخْتَمُ هَذِهِ الْحَمْلَةُ بِبَيَانِ أَنَّ هَذَا الَّذِي قَرَّرَهُ اللَّهُ فِي قَضِيَّةِ التَّشْرِيعِ وَالتَّقَالِيدِ فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْعَامِ وَالْأَوْلَادِ هُوَ صِرَاطُ اللَّهِ الْمُسْتَقِيمُ.. ذَاتُ التَّعْبِيرِ الَّذِي اسْتُخْدِمَ مِنْ قَبْلُ فِي قَضِيَّةِ تَحْرِيمِ الذَّبَائِحِ وَتَحْلِيلِهَا، كَمَا اسْتُخْدِمَ بِذَاتِهِ فِي قَضِيَّةِ الْأُلُوهِيَّةِ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي التَّعْرِيفِ بِالسُّورَةِ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ . وَلَا يَنْتَهِي السِّيَاقُ بِهَذَا الْحَشْدِ الَّذِي اقْتَطَفْنَا مِنْهُ هَذِهِ الْإِشَارَاتِ.. بَلْ يُمْضِي فِي طَرِيقِهِ يَتَحَدَّثُ عَنْ كِتَابِ مُوسَى الَّذِي جَاءَ لِقَوْمِ مُوسَى: تَفْصِيلًا لِكُلِ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَعَنْ هَذَا الْكِتَابِ الْمُبَارَكِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللَّهُ لِيَتَّبِعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَيَتَّقُوا لَعَلَّهُمْ يُرْحَمُونَ، وَلِتَنْقَطِعَ حُجَّتُهُمْ بِأَنَّ الْكِتَابَ قَدْ نَزَلَ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ قَبْلُ. وَأَنَّهُمْ هُمْ لَمْ يَجِئْهُمْ كِتَابٌ يُفَصِّلُ لَهُمْ كُلَّ شَيْءٍ فَيَعْرِفُوا مَا شَرَعَهُ اللَّهُ حَقًّا، وَمَا يُقَالُ لَهُمْ إِنَّهُ مِنْ شَرْعِ اللَّهِ افْتِرَاءً . يَتْبَعُ هَذَا تَهْدِيدُ الَّذِينَ لَا يَتَّبِعُونَ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَيُبْقُونَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ شَرَائِعَ جَاهِلِيَّةٍ يَنْسُبُونَهَا إِلَى اللَّهِ افْتِرَاءً عَلَيْهِ، وَيَتَعَلَّلُونَ بِطَلَبِ الْخَوَارِقِ الَّتِي تَحْمِلُهُمْ عَلَى التَّصْدِيقِ وَالِاتِّبَاعِ.. تَهْدِيدُهُمْ بِأَنَّ هَذِهِ الْخَوَارِقَ الَّتِي يَطْلُبُونَهَا سَتَكُونُ يَوْمَ تَجِيءُ هِيَ فَصْلَ الْخِطَابِ ; حَيْثُ يَتْبَعُهَا الدَّمَارُ وَالْهَلَاكُ: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ . ثُمَّ مُفَاصَلَةٌ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالدِّينِ الَّذِي جَاءَ بِهِ وَالْأُمَّةِ الْمُسْلِمَةِ ، وَبَيْنَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَحِلُّونَ وَيُحَرِّمُونَ بِغَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ ; وَيَشْتَرِعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ يَزْعُمُونَ أَنَّهَا شَرِيعَةُ اللَّهِ: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ .. هَكَذَا وَاضِحَةٌ صَرِيحَةٌ: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ وَفِي خِتَامِ السِّيَاقِ كُلِّهِ - السِّيَاقِ الَّذِي وَاجَهَ قَضِيَّةَ الشَّرْعِ وَالْحَكَمِ هَذِهِ الْمُوَاجَهَةَ بِمُنَاسَبَةٍ تَبْدُو فِي ظَاهِرِهَا جُزْئِيَّةً - يَجِيءُ الْإِيقَاعُ الشَّامِلُ لِقَضِيَّةِ الْعَقِيدَةِ بِجُمْلَتِهَا ، وَلِقَضِيَّةِ الدِّينِ بِرِمَّتِهَا . الْعَقِيدَةِ الْمُسْتَكِنَّةِ فِي الْقَلْبِ وَالضَّمِيرِ، وَالدِّينِ الَّذِي يُتَرْجِمُ هَذِهِ الْعَقِيدَةَ إِلَى نِظَامٍ وَمَنْهَجٍ لِلْحَيَاةِ : قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ . إِنَّهَا جُمْلَةُ قَضَايَا الْعَقِيدَةِ وَالدِّينِ: فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فِي الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، فِي الْعَمَلِ وَالْجَزَاءِ، فِي الْعِبَادَةِ وَالسُّلُوكِ. كُلُّهَا يَجْمَعُهَا الْمَنْهَجُ الرَّبَّانِيُّ لِيُعَقِّبَ بِهَا فِي ذَلِكَ الْإِيقَاعِ الْجَلِيلِ الرَّهِيبِ الْحَبِيبِ، عَلَى قَضِيَّةِ الْحَاكِمِيَّةِ وَالتَّشْرِيعِ، مُمَثَّلَةً فِي أَبْسَطِ مَظَاهِرِهَا فِي الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ وَمَطَاعِمِهَا وَمَشَارِبَهَا. ذَلِكَ أَنَّهَا هِيَ قَضِيَّةُ الْأُلُوهِيَّةِ وَالرُّبُوبِيَّةِ فِي أَضْخَمِ مَجَالَاتِهَا وَأَخْطَرِ مَوَاقِفِهَا.. وَهَذَا هُوَ الْإِسْلَامُ كَمَا يَعْرِضُهُ مَصْدَرُهُ الرَّبَّانِيُّ الْكَرِيمُ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية