الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (114) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115) وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (116) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (117) فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ (118) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (119) وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120) وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (121) أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (124) فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (125) وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (126) لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (127) الْآنَ نَجِيءُ إِلَى الْقَضِيَّةِ الَّتِي تُعَالِجُهَا بَقِيَّةُ السُّورَةِ ; وَالَّتِي كَانَ التَّمْهِيدُ لَهَا مُطَّرِدًا فِي سِيَاقِ السُّورَةِ كُلِّهِ ; وَآخِرُ هَذَا التَّمْهِيدِ مَا سَاقَهُ مِنْ قَضَايَا الْعَقِيدَةِ الْكَبِيرَةِ ; وَمِنْ وَاقِعِ الْمَعْرَكَةِ الْعَقِيدِيَّةِ الطَّوِيلَةِ فِي الْآيَتَيْنِ السَّابِقَتَيْنِ. وَمِنْ تَقْرِيرِ سُلْطَانِ اللَّهِ الْمُطْلَقِ فِيمَا يَقَعُ مِنَ الْمَعْرَكَةِ بَيْنَ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَكُلِّ نَبِيٍّ. وَمِنْ قَوَاعِدِ الْهُدَى وَالضَّلَالِ وَسُنَّةِ اللَّهِ الَّتِي يَجْرِي وِفْقَهَا الضَّلَالُ وَالْهُدَى ... إِلَى آخَرِ مَا اسْتَعْرَضْنَاهُ فِي الصَّفَحَاتِ السَّابِقَةِ. الْآنَ نَجِيءُ إِلَى الْقَضِيَّةِ الَّتِي جَعَلَتْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ كُلَّهَا قَاعِدَةً لَهَا.. قَضِيَّةِ الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ فِيمَا ذُكَرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَمَا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنَ الذَّبَائِحِ.. وَهِيَ تَأْخُذُ أَهَمِّيَّتَهَا مِنْ نَاحِيَةِ تَقْرِيرِ الْمَبْدَأِ الْإِسْلَامِيِّ الْأَوَّلِ: مَبْدَأُ حَقِّ الْحَاكِمِيَّةِ الْمُطْلِقَةِ لِلَّهِ وَحْدَهُ ; وَتَجْرِيدِ الْبَشَرِ مِنِ ادِّعَاءِ هَذَا الْحَقِّ أَوْ مُزَاوَلَتِهِ فِي أَيَّةِ صُورَةٍ مِنَ الصُّوَرِ.. وَحِينَ تَكُونُ الْقَضِيَّةُ هِيَ قَضِيَّةُ هَذَا الْمَبْدَأِ فَإِنَّ الصَّغِيرَةَ تَكُونُ كَالْكَبِيرَةِ فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْمَبْدَأِ أَوْ نَقْضِهِ.. وَلَا يَهُمُّ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ أَمْرَ ذَبِيحَةٍ يُؤْكَلُ مِنْهَا أَوْ لَا يُؤْكَلُ ; أَوْ أَنْ يَكُونَ أَمْرَ دَوْلَةٍ تُقَامُ أَوْ نِظَامٍ مُجْتَمِعٍ يُوضَعُ. فَهَذِهِ كَتِلْكَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَبْدَأِ. وَهَذِهِ كَتِلْكَ تَعْنِي الِاعْتِرَافَ بِأُلُوهِيَّةِ اللَّهِ وَحْدَهُ ; أَوْ تَعْنِي رَفْضَ هَذِهِ الْأُلُوهِيَّةِ. وَالْمَنْهَجُ الْقُرْآنِيُّ يَتَّكِئُ كَثِيرًا جِدًّا عَلَى هَذَا الْمَبْدَأِ لِتَقْرِيرِهِ فِي كُلِّ مُنَاسَبَةٍ. وَلَا يَمَلُّ تَكْرَارَهُ حَيْثُمَا جَاءَتْ مُنَاسَبَتُهُ أَمَامَ كُلِّ تَشْرِيعٍ لِلصَّغِيرِ وَلِلْكَبِيرِ مِنَ الْأُمُورِ.. ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْمَبْدَأَ هُوَ الْعَقِيدَةُ، وَهُوَ الدِّينُ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ ; وَلَيْسَ وَرَاءَهُ مِنْ هَذَا الدِّينِ كُلِّهِ إِلَّا التَّطْبِيقَاتُ وَالتَّفْرِيعَاتُ. وَسَنَجِدُ فِي هَذَا الْمَقْطَعِ مِنَ السُّورَةِ - كَمَا سَنَجِدُ فِي بَقِيَّتِهَا إِلَى خِتَامِهَا - أَنَّ تَقْرِيرَ هَذَا الْمَبْدَأِ يُكَرَّرُ فِي صُوَرٍ شَتَّى ; بِمُنَاسَبَةِ عَرْضِ شَرَائِعِ الْجَاهِلِيَّةِ وَتَقَالِيدِهَا ; وَيَتَّضِحُ ارْتِبَاطُ هَذِهِ الشَّرَائِعِ وَالتَّقَالِيدِ بِالشِّرْكِ وَالِاسْتِكْبَارِ عَنِ الْإِسْلَامِ ; وَانْبِثَاقُهَا مِنْ نُقْطَةِ إِقَامَةِ أُلُوهِيَّةٍ أُخْرَى غَيْرِ أُلُوهِيَّةِ اللَّهِ، وَمِنْ ثَمَّ يُسَلِطُ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ هَذِهِ الْحَمَلَاتِ الْعَنِيفَةَ، الْمُنَوَّعَةَ الْأَسَالِيبِ، وَيَرْبِطُهَا هَذَا الرَّبْطَ بِأَصْلِ الِاعْتِقَادِ وَأَصْلِ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ. إِنَّ السِّيَاقَ يَبْدَأُ بِتَقْرِيرِ جِهَةِ الْحَاكِمِيَّةِ فِي أَمْرِ الْعِبَادِ كُلِّهِ - تَمْهِيدًا لِتَقْرِيرِ جِهَةِ الْحَاكِمِيَّةِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ فِي الذَّبَائِحِ، الْأَمْرِ الَّذِي يُزَاوِلُ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ حَقَّ الْحَاكِمِيَّةِ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ وَاعْتِدَاءً عَلَى سُلْطَانِهِ - وَيُمَهِّدُ لِهَذَا الْأَمْرِ تَمْهِيدًا طَوِيلًا كَمَا نَلْحَظُ مِنْ سِيَاقِ الْآيَاتِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ . هَذَا التَّمْهِيدُ كُلُّهُ يَجِيءُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الْمَوْضُوعِ الْوَاقِعِ الْحَاضِرِ الَّذِي يُمَهِّدُ لَهُ هَذَا التَّمْهِيدَ، ثُمَّ يَرْبِطُهُ رَبْطًا مُبَاشِرًا بِقَضِيَّةِ الْإِيمَانِ أَوِ الْكُفْرِ: فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ . وَقَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ مِنْ عَرْضِ قَضِيَّةِ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ - بَعْدَ ذَلِكَ التَّمْهِيدِ كُلِّهِ - يَفْصِلُ بَيْنَ فِقْرَتَيْنِ بِتَوْجِيهَاتٍ وَتَعْقِيبَاتٍ أُخْرَى، تَحْوِي مُؤَثِّرَاتٍ قَوِيَّةً مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْبَيَانِ وَالْوَعِيدِ: وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ .. ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ الْحَدِيثَ فِي قَضِيَّةِ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ ; فَيَرْبُطُهَا مُبَاشَرَةً بِقَضِيَّةِ الْإِسْلَامِ وَالشِّرْكِ: وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ .. ثُمَّ يَمْضِي بَعْدَ ذَلِكَ شَوْطًا آخَرَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ طَبِيعَةِ الْكَفْرِ وَطَبِيعَةِ الْإِيمَانِ.. شَوْطًا كَأَنَّهُ تَعْقِيبٌ عَلَى أَمْرِ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ. وَمِنْ هَذَا التَّتَابُعِ، وَهَذَا الرَّبْطِ، وَهَذَا التَّوْكِيدِ، تَتَمَثَّلُ طَبِيعَةُ نَظْرَةِ الْإِسْلَامِ لِقَضِيَّةِ التَّشْرِيعِ وَالْحَاكِمِيَّةِ، فِي شُؤُونِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ..

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية