الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
بَابُ مَا يُتَيَمَّمُ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجُوزُ بِهِ التَّيَمُّمُ ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : ( يُجْزِي التَّيَمُّمُ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنَ الْأَرْضِ : التُّرَابُ وَالرَّمْلُ وَالْحِجَارَةُ وَالزَّرْنِيخُ وَالنُّورَةُ وَالطِّينُ الْأَحْمَرُ وَالْمُرْدَاسَنْجُ وَمَا أَشْبَهَهُ ) ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ ، وَكَذَلِكَ يُجْزِي بِالْكُحْلِ وَالْآجُرِّ الْمَدْقُوقِ فِي قَوْلِهِ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدٌ ؛ وَرَوَاهُ أَيْضًا الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . وَإِنْ تَيَمَّمَ بِبُورَقٍ أَوْ رَمَادٍ أَوْ مِلْحٍ أَوْ نَحْوِهِ لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُمْ ، وَكَذَلِكَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فِي قَوْلِهِمْ . وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : ( لَا يُجْزِي إِلَّا أَنْ يَكُونَ تُرَابًا أَوْ رَمْلًا ) . وَإِنْ ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَخْرَةٍ أَوْ حَائِطٍ لَا صَعِيدَ عَلَيْهِ مَا أَجْزَأَهُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : ( لَا يُجْزِيهِ ) . وَرَوَى الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ إِنْ تَيَمَّمَ بِأَرْضٍ لَا صَعِيدَ عَلَيْهَا لَمْ يُجْزِهِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْحَائِطِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ الْآخَرُ . وَقَالَ الثَّوْرِيُّ : ( يَجُوزُ بِالزَّرْنِيخِ وَالنُّورَةِ وَنَحْوِهِمَا وَكُلِّ مَا كَانَ مِنْ تُرَابِ الْأَرْضِ ، وَلَا يَتَيَمَّمُ بِالْآجُرِّ ) . وَقَالَ مَالِكٌ : ( يَتَيَمَّمُ بِالْحَصَى وَالْجَبَلِ ) وَكَذَلِكَ حَكَى عَنْهُ أَصْحَابُهُ فِي الزَّرْنِيخِ وَالنُّورَةِ وَنَحْوِهِمَا ، قَالَ : ( وَإِنْ تَيَمَّمَ بِالثَّلْجِ وَلَمْ يَصِلْ إِلَى الْأَرْضِ أَجْزَأَهُ ، وَكَذَلِكَ الْحَشِيشُ إِذَا كَانَ مُمْتَدًّا ) . وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ بِالثَّلْجِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : ( يَتَيَمَّمُ بِالتُّرَابِ مِمَّا تَعَلَّقَ بِالْيَدِ ) . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا وَكَانَ الصَّعِيدُ اسْمًا لِلْأَرْضِ ، اقْتَضَى ذَلِكَ جَوَازَ التَّيَمُّمِ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنَ الْأَرْضِ ؛ وَأَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ غُلَامُ ثَعْلَبٍ عَنْهُ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ : الصَّعِيدُ الْأَرْضُ ، وَالصَّعِيدُ التُّرَابُ ، وَالصَّعِيدُ الْقَبْرُ ، وَالصَّعِيدُ الطَّرِيقُ . فَكُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْأَرْضِ فَهُوَ صَعِيدٌ فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ بِظَاهِرِ الْآيَةِ . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّمَا أَبَاحَ التَّيَمُّمَ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ ، وَالْأَرْضُ الطَّيِّبَةُ هِيَ الَّتِي تُنْبِتُ ، وَالْجِصُّ وَالزَّرْنِيخُ لَا يُنْبِتُ شَيْئًا ، فَلَيْسَ إِذًا بِطَيِّبٍ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ قِيلَ لَهُ : إِنَّمَا أَرَادَ بِالطَّيِّبِ الطَّاهِرَ الْمُبَاحَ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَفَادَ بِذَلِكَ إِيجَابَ التَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ الطَّاهِرِ دُونَ النَّجِسِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ فَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ مَا لَيْسَ بِسَبْخَةٍ لِأَنَّهُ قَالَ : وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِالسَّبْخَةِ الَّتِي لَا تُخْرِجُ مِثْلَ مَا يُخْرِجُ غَيْرُهَا ، فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالطَّيِّبِ مَا ذَكَرْتُ . وَقَدْ رَوَى أَبُو ظَبْيَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : ( الطَّيِّبُ الصَّعِيدُ الْجُرُزُ ) أَوْ قَالَ : ( الْأَرْضُ الْجُرُزُ ) . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا قَالَ : أَطْيَبُ مَا حَوْلَكَ . وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَهُوَ يَدُلُّ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، أَحَدُهُمَا : إِخْبَارُهُ أَنَّ الْأَرْضَ طَهُورٌ ، فَكُلُّ مَا كَانَ مِنَ الْأَرْضِ فَهُوَ طَهُورٌ بِمُقْتَضَى الْخَبَرِ . وَالْآخَرُ : أَنَّ مَا جَعَلَهُ مِنَ الْأَرْضِ مَسْجِدًا هُوَ الَّذِي جَعَلَهُ طَهُورًا ، وَسَائِرُ مَا ذُكِرَ هُوَ مِنَ الْأَرْضِ وَهِيَ مَسْجِدٌ ، فَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ بِحَقِّ الْعُمُومِ . وَرَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ أَعْرَابًا أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَكُونُ فِي هَذِهِ الرِّمَالِ لَا نَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ أَوْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَفِينَا النُّفَسَاءُ وَالْحَائِضُ وَالْجُنُبُ ؟ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَيْكُمْ بِأَرْضِكُمْ فَأَفَادَ بِذَلِكَ جَوَازَهُ بِكُلِّ مَا كَانَ مِنَ الْأَرْضِ . وَلَمَّا ذَكَرْنَا مِنْ عُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ أَجَزْنَا التَّيَمُّمَ بِالْحَجَرِ وَالْحَائِطِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ وَلَا يُخْرِجُهَا اخْتِلَافُ أَنْوَاعِهَا مِنْ كَوْنِ جَمِيعِهَا صَعِيدًا ؛ وَقَالَ تَعَالَى : فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا يَعْنِي الْأَرْضَ الْمَلْسَاءَ الَّتِي لَا شَيْءَ عَلَيْهَا . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُحْشَرُ النَّاسُ عُرَاةً حُفَاةً فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ يَعْنِي الْأَرْضَ الْمُسْتَوِيَةَ الَّتِي لَيْسَ عَلَيْهَا شَيْءٌ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَا عَلَيْهِ مِنْهَا تُرَابٌ أَوْ لَا تُرَابَ عَلَيْهِ ، لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ الْآجُرَّ وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مِنَ الْأَرْضِ فَقَدِ انْتَقَلَ عَنْ طَبْعِ الْأَرْضِ بِالطَّبْخِ وَحَالَ عَنْ حَدِّ التُّرَابِ ، فَهُوَ كَالْمَاءِ الْمُنْتَقِلِ عَنْ حَالِهِ بِمَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنَ الرَّيَاحِينِ وَالْأَصْبَاغِ حَتَّى يَحُولَ إِلَى جِنْسٍ آخَرَ وَيَزُولُ عَنْهُ الِاسْمُ الْأَوَّلُ ، وَكَالزُّجَاجِ ؛ فَلَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ . قِيلَ لَهُ : إِنَّمَا لَمْ يَجُزِ الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ الَّذِي ذَكَرْتَ لِغَلَبَةِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ حَتَّى أَزَالَ عَنْهُ اسْمَ الْمَاءِ ، وَأَمَّا الْآجُرُّ فَلَا يُخَالِطُهُ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ حَدِّ الْأَرْضِ ، وَإِنَّمَا حَدَثَتْ فِيهِ صَلَابَةٌ بِالْإِحْرَاقِ فَهُوَ كَالْحَجَرِ ، فَلَا يَمْنَعُ ذَلِكَ التَّيَمُّمَ بِهِ ؛ وَقَدْ رَوَى ابْنُ عُمَرَ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى الْحَائِطِ فَتَيَمَّمَ بِهِ ؛ وَرُوِيَ : أَنَّهُ نَفَضَ يَدَيْهِ حِينَ وَضَعَهُمَا عَلَى التُّرَابِ وَأَنَّهُ نَفَخَهُمَا فَعَلِمْنَا أَنَّ الْمَقْصَدَ فِيهِ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْأَرْضِ لَا عَلَى أَنَّهُ يَحْصُلُ فِي يَدِهِ أَوْ وَجْهِهِ شَيْءٌ مِنْهُ ، وَلَوْ كَانَ الْمَقْصِدُ أَنْ يَحْصُلَ فِي يَدِهِ مِنْهُ شَيْءٌ لَأَمَرَ بِحَمْلِ التُّرَابِ عَلَى يَدِهِ وَمَسَحَ الْوَجْهَ بِهِ كَمَا أَمَرَ بِأَخْذِ الْمَاءِ لِلْغَسْلِ أَوْ لِلْمَسْحِ حَتَّى يَحْصُلَ فِي وَجْهِهِ ، فَلَمَّا لَمْ يَأْمُرْ بِأَخْذِ التُّرَابِ وَنَفَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ وَنَفَخَهُمَا عَلِمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ الْمَقْصَدُ حُصُولَ التُّرَابِ فِي وَجْهِهِ . فَإِنْ قِيلَ : قَوْلُهُ تَعَالَى : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ يَقْتَضِي حُصُولَ شَيْءٍ مِنْهُ فِي الْأَعْضَاءِ الْمَمْسُوحَةِ بِهِ . قِيلَ لَهُ : إِنَّمَا أَفَادَ بِذَلِكَ تَأْكِيدَ وُجُوبِ النِّيَّةِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ ( مِنْ ) قَدْ تَكُونُ لِبَدْءِ الْغَايَةِ كَقَوْلِكَ : خَرَجْتُ مِنَ الْكُوفَةِ ، وَهَذَا كِتَابٌ مِنْ فُلَانٍ إِلَى فُلَانٍ ؛ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ عَلَى هَذَا : لِيَكُنِ ابْتِدَاءُ الْأَخْذِ مِنَ الْأَرْضِ حَتَّى يَتَّصِلَ بِالْوَجْهِ وَالْيَدِ بِلَا فَاصِلٍ يَفْصِلُ بَيْنَ الْأَخْذِ وَبَيْنَ الْمَسْحِ فَيَنْقَطِعُ حُكْمُ النِّيَّةِ وَيَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِهَا ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ : تَوَضَّأَ مِنَ النَّهْرِ ؛ يَعْنِي أَنَّ ابْتِدَاءَ أَخْذِهِ مِنَ النَّهْرِ إِلَى أَنِ اتَّصَلَ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ مِنَ النَّهْرِ فِي إِنَاءٍ وَتَوَضَّأَ مِنْهُ لَمْ يَقُلْ إِنَّهُ تَوَضَّأَ مِنَ النَّهْرِ ؟ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ يَعْنِي مِنْ بَعْضِهِ ، وَأَفَادَ بِهِ أَنَّ أَيَّ بَعْضٍ مِنْهُ مَسَحْتُمْ بِهِ عَلَى جِهَةِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّوْسِعَةِ . وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَاللُّؤْلُؤُ وَنَحْوُهَا فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ طَبْعِ الْأَرْضِ وَإِنَّمَا هِيَ جَوَاهِرُ مَوْدُوعَةٌ فِيهَا ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الرِّكَازِ : هُوَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ اللَّذَانِ خَلَقَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ يَوْمَ خُلِقَتْ . وَاللُّؤْلُؤُ مِنَ الصَّدَفِ ، وَالصَّدَفُ مِنْ حَيَوَانِ الْمَاءِ ؛ وَأَمَّا الرَّمَادُ فَهُوَ مِنَ الْخَشَبِ وَنَحْوِهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ هُوَ مِنْ طَبْعِ الْأَرْضِ وَلَا مِنْ جَوْهَرِهَا . وَأَمَّا الثَّلْجُ وَالْحَشِيشُ فَهُمَا كَالدَّقِيقِ وَالْحُبُوبِ وَنَحْوِهَا ، فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهَا ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الصَّعِيدِ ، وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ الْأَبْدَالِ إِلَى غَيْرِهَا إِلَّا بِتَوْقِيفٍ ، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الصَّعِيدَ بَدَلًا مِنَ الْمَاءِ لَمْ يَجُزْ لَنَا إِثْبَاتُ بَدَلٍ مِنْهُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ أَنْ يَضْرِبَ يَدَهُ عَلَى ثَوْبٍ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ فَيَتَيَمَّمُ بِهِ ، وَلَجَازَ التَّيَمُّمُ بِالْقُطْنِ وَالْحُبُوبِ ؛ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا قَالَ : وَتُرَابُهَا لَنَا طَهُورٌ وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى امْتِنَاعِ جَوَازِهِ بِالثَّلْجِ وَالْحَشِيشِ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْأَرْضِ ، فَلَوْ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ لَجَازَ مَعَ وُجُودِ التُّرَابِ ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ بِالصَّعِيدِ بَدَلٌ فَلَا يُنْتَقَلُ إِلَى بَدَلٍ غَيْرِهِ . فَإِنْ قِيلَ : إِذَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْأَرْضِ فَهُوَ كَالزَّرْنِيخِ وَالنُّورَةِ وَالْمَغْرَةِ إِذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ . قِيلَ لَهُ : الزَّرْنِيخُ وَنَحْوُهُ مِنَ الْأَرْضِ ، وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ مَعَ وُجُودِ التُّرَابِ وَعَدَمِهِ ، وَلَيْسَ هُوَ مَعَ ذَلِكَ حَائِلًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْأَرْضِ وَإِنَّمَا الْأَرْضُ فِي الْأَغْلَبِ حَائِلَةٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ ، فَكَيْفَ يُشْبِهُهُ الثَّلْجُ وَالْحَشِيشُ وَإِنْ تَيَمَّمَ بِغُبَارِ ثَوْبٍ أَوْ لِبْدٍ وَقَدْ نَفَضَهُ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ، وَإِنَّمَا جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّ الْغُبَارَ الَّذِي فِيهِ مِنَ الْأَرْضِ ، وَلَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ فِي كَوْنِهِ فِي الثِّيَابِ أَوْ عَلَى الْأَرْضِ ، كَمَا أَنَّ الْمَاءَ لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ فِي كَوْنِهِ فِي إِنَاءٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ مَا عُصِرَ مِنْ ثَوْبٍ مَبْلُولٍ . وَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَى أَنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى تُرَابًا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزِ التَّيَمُّمُ بِأَرْضٍ لَا تُرَابَ عَلَيْهَا ، وَجَعَلَهَا بِمَنْزِلَةِ الْحَجَرِ عَلَى أَصْلِهِ . وَرَوَى قَتَادَةُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ عُمَرَ صَلَّى عَلَى مَسْحٍ مِنْ ثَلْجٍ أَصَابَهُ وَأَرَادُوا أَنْ يَتَيَمَّمُوا فَلَمْ يَجِدُوا تُرَابًا ، فَقَالَ : ( لِيَنْفُضَ أَحَدُكُمْ ثَوْبَهُ أَوْ صُفَّةَ سَرْجِهِ فَيَتَيَمَّمَ بِهِ ) . وَرَوَى هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : ( إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ وَلَمْ يَصِلْ إِلَى الْأَرْضِ ضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى لِبْدِهِ وَسَرْجِهِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ بِهِ ) .

ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


الخدمات العلمية