الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      وَلَمَّا كَانَ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ نَهَى آخَرَ عَنْ هَوَاهُ وَبَالَغَ فِي ذَلِكَ أَبْغَضَهُ ذَلِكَ النَّاهِي وَتَمَنَّى هَلَاكَهُ، فَكَيْفَ إِذَا وَالَى عَلَيْهِ الْإِنْذَارَ وَالتَّخْوِيفَ بِمَا لَا يَصِلُ إِلَى دَرْكِهِ عَقْلَهُ وَلَا يَرَى لَهُ مُقَدِّمَةً بِتَحَقُّقِهَا، وَكَانَ الْكُفَّارُ يَسْعَوْنَ فِي هَلَاكِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ تَبِعَهُ كُلُّ سَعْيٍ، وَكَانَ هَلَاكُ النَّذِيرِ إِنَّمَا يَنْفَعُ الْمُنْذِرَ عَلَى تَقْدِيرِ نَجَاتِهِ مِنْ هَوْلِ مَا كَانَ يُحَذِّرُهُ مِنْهُ النَّذِيرُ، أَمَرَهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يُذَكِّرَهُمْ بِهَذَا لِيَنْظُرُوا فِي ذَلِكَ الْمُتَوَعِّدِ بِهِ، فَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا سَعَوْا فِي الْخَلَاصِ مِمَّا قَدْ يَكُونُ مِنْهُ مِنَ الْعَذَابِ، وَسَلَكُوا فِي الْهَرَبِ مِنْهُ مَسْلَكًا سَهْلًا بَعِيدًا مِنْ سُوءِ الِانْقِلَابِ، وَدَخَلُوا إِلَى فَسِيحِ الْمَانِعِ مِنْهُ مِنْ أَوْسَعِ بَابٍ، أَوْ كَفُّوا عَنِ السَّعْيِ فِي هَلَاكِ النَّذِيرِ وَطَوَوْا مَا مَدُّوا لَهُ مِنَ الْأَسْبَابِ، لِيَدُلَّهُمْ إِذَا كَانَ صَادِقًا عَلَى شَيْءٍ يَحْمِيهِمْ أَوْ يُخَفِّفُ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْمُصَابَ، فَقَالَ مُنَبِّهًا عَلَى شِدَّةِ الْحَذَرِ مِنْ مَكْرِ اللَّهِ وَعَدَمِ الِاغْتِرَارِ [بِهِ - ] لِلْمُؤْمِنِ الطَّائِعِ لِعِلْمِهِ، أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ فَكَيْفَ بِالْعَاصِي فَضْلًا عَنِ الْكَافِرِ مُكَرِّرًا لِلْأَمْرِ بِالْقَوْلِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ صَدَرَتْ بِهِ كَافِيَةٌ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى مَقْصُودِ السُّورَةِ وَعَائِدَةٌ إِلَيْهِ لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ بَاهِرِ الْقُدْرَةُ وَوَافِرِ الْعَظَمَةِ: قُلْ أَيْ يَا أَفْضَلَ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ وَأَشْرَفَهُمْ وَأَعْظَمَهُمْ وَأَتْقَاهُمْ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ طَالَ تَضَجُّرُهُمْ مِنْكَ وَهُمْ يَتَمَنَّوْنَ هَلَاكَكَ حَسَدًا مِنْهُمْ وَعَمًى فِي قُلُوبِهِمْ وَبُعْدًا وَطَرْدًا، قَدِ اسْتَحْكَمَ وَاسْتَدَارَ بِهِمْ ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ أَرَأَيْتُمْ أَيْ أَخْبِرُونِي خَبَرًا أَنْتُمْ فِي الْوُثُوقِ بِهِ عَلَى مَا هُوَ كَالرُّؤْيَةِ. وَلَمَّا كَانُوا غَيْرَ عَالِمِينَ بِعَاقِبَةِ الْأَمْرِ فِي هَلَاكِهِ وَمَنْ مَعَهُ بِمَا يَقْصِدُونَهُمْ بِهِ، حَذَّرَهُمْ عَاقِبَةَ ذَلِكَ بِالتَّعْبِيرِ بِأَدَاةِ الشَّكِّ، وَإِسْنَادِ الْإِهْلَاكِ إِلَى اللَّهِ مُعَبِّرًا عَنِ الِاسْمِ الدَّالِّ عَلَى تَنَاهِي الْعَظَمَةِ إِلَى حَدٍّ لَا يَدْعُ لِغَيْرِهِ مِنْهَا شَيْئًا إِعْلَامًا بِأَنَّهُ عَلَى الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي أَيْدِيهِمْ فَهُوَ لَا يَخَافُهُمْ بِوَجْهٍ فَقَالَ: إِنْ أَهْلَكَنِيَ أَيَّ أَمَاتَنِي بِعَذَابٍ أَوْ غَيْرِهِ اللَّهُ [أَيِ - ] الَّذِي لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ مَا يَعْصِمُ بِهِ وَلَيَّهُ وَيَقْصِمُ بِهِ عَدُوَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَيْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَاصِرِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ بِغَضَبِهِ عَلَيْنَا مَعَ مَا لَنَا مِنَ الْأَسْبَابِ بِالطَّاعَةِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي رَتَّبَ سُبْحَانَهُ عَلَيْهَا الْفَوْزَ وَالنَّجَاةَ حَتَّى لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ يُكَدِّرُ عَلَيْكُمْ بِالْمَنْعِ مِنَ الْهَوَى الْقَائِدِ إِلَى الْقُوَى وَالْحَثِّ عَلَى الْعَقْلِ الضَّامِنِ لِلنَّجَاةِ أَوْ رَحِمَنَا بِالنُّصْرَةِ وَإِظْهَارِ الْإِسْلَامِ كَمَا نَرْجُو فَأَنْجَانَا بِذَلِكَ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَوَقَانَا كُلَّ مَحْذُورٍ وَأَنَالَنَا كُلَّ سُرُورٍ، فَالْآيَةُ مِنَ الِاحْتِبَاكِ: ذَكَرَ الْإِهْلَاكَ أَوَّلًا دَلِيلًا عَلَى النَّجَاةِ ثَانِيًا، وَالرَّحْمَةَ ثَانِيًا دَلِيلًا عَلَى الْغَضَبِ أَوَّلًا فَمَنْ وَكَانَ ظَاهِرُ الْحَالِ يَقْتَضِي: يُجِيرُكُمْ مَعَ طَلَبِكُمُ الْمُسَبِّبَاتِ مِنَ الْفَوْزِ وَالنَّجَاةِ بِغَيْرِ أَسْبَابٍ بَلْ بِأَسْبَابٍ مُنَافِيَةٍ لِلنَّجَاةِ جَالِبَةٍ لِلْعَذَابِ، فَوَضَعَ الظَّاهِرَ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَعْمِيمًا وَتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالْوَصْفِ وَاسْتِعْطَافًا لَهُمْ إِلَى إِيقَاعِ الْإِيمَانِ وَالرُّجُوعِ عَنِ الْكُفْرَانِ فَقَالَ: يُجِيرُ الْكَافِرِينَ أَيِ الْعَرِيقَيْنِ فِي الْكُفْرِ بِأَنْ يَدْفَعُ عَنْهُمْ مَا يَدْفَعُ الْجَارُ عَنْ جَارِهِ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ يُصِيبُهُمْ بِهِ الَّذِي هُمْ عَالِمُونَ بِأَنَّهُ لَا شَيْءَ [إِلَّا - ] بِيَدِهِ، وَإِلَّا لَنَجَى أَحَدٌ مِنَ الْمَوْتِ الَّذِي خَلَقَهُ وَقَدَّرَهُ بَيْنَ عِبَادِهِ جَزَاءً عَلَى مَا كَانُوا يُؤْلِمُونَ مَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ وَيَنْصَحُهُمْ فِيهِ، فَإِذَا كَانَ لَا يُنْجِيهِمْ مِنْ عَذَابِهِ شَيْءٌ سَوَاءٌ مِتْنَا أَوْ بَقَيْنَا فَالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ إِنْ كَانُوا عُقَلَاءَ السَّعْيُ فِيمَا يُنَجَّى مِنْ عَذَابِهِ، لَا السَّعْيُ فِي إِهْلَاكِ مَنْ هُوَ سَاعٍ فِي خَلَاصِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى إِهْلَاكِهِ أَصْلًا إِلَّا بِتَقْدِيرِ الَّذِي أَمَرَهُ بِإِنْذَارِهِمْ.

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية