الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      اَلْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ إِذَا قِيلَ هَذِهِ مِنَ الْمُتَشَابِهِ ، أَوْ كَانَ فِيهَا مَا هُوَ مِنَ الْمُتَشَابِهِ ، كَمَا نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ سَمَّى بَعْضَ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْجَهْمِيَّةُ مُتَشَابِهًا ، ، فَيُقَالُ : الَّذِي فِي الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ، إِمَّا الْمُتَشَابِهُ ، وَإِمَّا الْكِتَابُ كُلُّهُ كَمَا تَقَدَّمَ . وَنَفْيُ عِلْمِ تَأْوِيلِهِ لَيْسَ نَفْيَ عِلْمِ مَعْنَاهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْقِيَامَةِ وَأُمُورِ الْقِيَامَةِ . وَهَذَا الْوَجْهُ قَوِيٌّ إِنَّ ثَبَتَ حَدِيثُ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ ، أَنَّهُمْ احْتَجُّوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقَوْلِهِ : ( إِنَّا وَنَحْنُ ) وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ فِي الْقُرْآنِ مُتَشَابِهًا ، وَهُوَ مَا يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ ، وَفِي سَائِرِ الصِّفَاتِ مَا هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ ، كَمَا أَنَّ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْمَعَادِ وَأَوْلَى ، فَإِنَّ نَفْيَ الْمُتَشَابِهِ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ أَعْظَمُ مِنْ نَفْيِ الْمُتَشَابِهِ بَيْنَ مَوْعُودِ الْجَنَّةِ وَمَوْجُودِ الدُّنْيَا ، وَإِنَّمَا نُكْتَةُ الْجَوَابِ هُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلًا أَنَّ نَفْيَ عِلْمِ التَّأْوِيلِ لَيْسَ نَفْيًا لِعِلْمِ الْمَعْنَى ، وَنَزِيدُهُ تَقْرِيرًا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ وَقَالَ تَعَالَى : الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ فَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَهُ لِيَعْقِلُوهُ ، وَأَنَّهُ طَلَبَ تَذَكُّرَهُمْ . وَقَالَ أَيْضًا : وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ فَحَضَّ عَلَى تَدَبُّرِهِ وَفِقْهِهِ وَعَقْلِهِ وَالتَّذَكُّرِ بِهِ وَالتَّفْكِيرِ فِيهِ ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا . بَلْ نُصُوصٌ مُتَعَدِّدَةٌ تُصَرِّحُ بِالْعُمُومِ فِيهِ ، مِثْلَ قَوْلِهِ : أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا وَقَوْلُهُ : أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَمَعْلُومٌ أَنَّ نَفْيَ الِاخْتِلَافِ عَنْهُ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَدَبُّرِهِ كُلِّهِ ، وَإِلَّا فَتَدَبُّرُ بَعْضِهِ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِنَفْيِ مُخَالَفَةِ مَا لَمْ يُتَدَبَّرْ لِمَا تُدُبِّرَ . وَقَالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا قِيلَ لَهُ : هَلْ تَرَكَ عِنْدَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَيْئًا ؟ فَقَالَ : لَا وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ ، إِلَّا فَهْمًا يُؤْتِيهِ اللَّهُ عَبْدًا فِي كِتَابِهِ وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ . فَأَخْبَرَ أَنَّ الْفَهْمَ فِيهِ مُخْتَلِفٌ فِي الْأُمَّةِ ، وَالْفَهْمُ أَخَصُّ مِنَ الْعِلْمِ وَالْحُكْمِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : « رَبَّ مَبْلَغٍ أَوَعَّى مِنْ سَامِعٍ » ، وَقَالَ : « بَلَّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً » . وَأَيْضًا فَالسَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَسَائِرِ الْأُمَّةِ قَدْ تَكَلَّمُوا فِي جَمِيعِ نُصُوصِ الْقُرْآنِ ، آيَاتِ الصِّفَاتِ وَغَيْرِهَا ، وَفَسَّرُوهَا بِمَا يُوَافِقُ دِلَالَتَهَا ، وَرَوَوْا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَحَادِيثَ كَثِيرَةً تُوَافِقُ الْقُرْآنَ . وَأَئِمَّةُ الصَّحَابَةِ فِي هَذَا أَعْظَمُ مِنْ غَيْرِهِمْ . مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي كَانَ يَقُولُ : لَوْ أَعْلَمُ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَبْلُغُهُ آبَاطُ الْإِبِلِ لَأَتَيْتُهُ . وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ الَّذِي دَعَا لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ حَبْرُ الْأُمَّةِ وَتُرْجُمَانِ الْقُرْآنِ ، كَانَا هُمَا وَأَصْحَابُهُمَا مِنْ أَعْظَمِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينِ إِثْبَاتًا لِلصِّفَاتِ وَرِوَايَةً لَهَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَمَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ يَعْرِفُ هَذَا ، وَمَا فِي التَّابِعِينِ أَجَلُّ مِنْ أَصْحَابِ هَذَيْنِ السَّيِّدَيْنِ ، بَلْ وَثَالِثُهُمَا فِي عِلْيَةِ التَّابِعِينَ مِنْ جِنْسِهِمْ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُمْ جَلَالَةً ، أَصْحَابُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، لَكِنَّ أَصْحَابَهُ مَعَ جَلَالَتِهِمْ لَيْسُوا مُخْتَصِّينَ بِهِ ، بَلْ أَخَذُوا عَنْ غَيْرِهِ مِثْلَ عُمَرَ ، وَابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَلَوْ كَانَ مَعَانِي هَذِهِ الْآيَاتِ مَنْفِيًّا أَوْ مَسْكُوتًا عَنْهُ ، لَمْ يَكُنْ رَبَّانِيُّو الصَّحَابَةِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَكْثَرَ كَلَامًا فِيهِ ، ثُمَّ إِنَّ الصَّحَابَةَ نَقَلُوا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُ التَّفْسِيرَ مَعَ التِّلَاوَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْهُ قَطُّ أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ . قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ : حَدَّثَنَا الَّذِينَ كَانُوا يُقْرِئُونَنَا : عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشْرَ آيَاتٍ لَمْ يُجَاوِزُوهَا حَتَّى يَتَعَلَّمُوا مَا فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ ، قَالُوا : فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعِلْمَ وَالْعَمَلَ . وَكَذَلِكَ الْأَئِمَّةُ كَانُوا إِذَا سُئِلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَنْفُوا مَعْنَاهُ ، بَلْ يُثْبِتُونَ الْمَعْنَى وَيَنْفُونَ الْكَيْفِيَّةَ . كَقَوْلِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ لَمَّا سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى كَيْفَ اسْتَوَى ؟ فَقَالَ : الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ ، وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ ، وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ، وَالسُّؤَالُ عَنْهُ بِدْعَةٌ . وَكَذَلِكَ رَبِيعَةُ قَبْلَهُ . وَقَدْ تَلَقَّى النَّاسُ هَذَا الْكَلَامَ بِالْقَبُولِ . فَلَيْسَ فِي أَهْلِ السُّنَّةِ مَنْ يُنْكِرُهُ . وَقَدْ بَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِوَاءَ مَعْلُومٌ ، كَمَا أَنَّ سَائِرَ مَا أَخْبَرَ بِهِ مَعْلُومٌ ، وَلَكِنَّ الْكَيْفِيَّةَ لَا تُعْلَمُ ، وَلَا يَجُوزُ السُّؤَالُ عَنْهَا ، لَا يُقَالُ : كَيْفَ اسْتَوَى ؟ وَلَمْ يَقُلْ مَالِكٌ : الْكَيْفُ مَعْدُومٌ ، وَإِنَّمَا قَالَ : الْكَيْفُ مَجْهُولٌ . وَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ، غَيْرَ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَقُولُونَ : لَا تَخْطُرُ كَيْفِيَّتُهُ بِبَالٍ ، وَلَا تَجْرِي مَاهِيَّتُهُ فِي مَقَالٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : لَيْسَ لَهُ كَيْفِيَّةٌ وَلَا مَاهِيَّةٌ . فَإِنْ قِيلَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ أَنَّ وُرُودَ هَذَا اللَّفْظِ فِي الْقُرْآنِ مَعْلُومٌ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعْرِفَةَ مَعَانِيهَا مِنَ التَّأْوِيلِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ ، قِيلَ : هَذَا ضَعِيفٌ ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ بَابِ تَحْصِيلِ الْحَاصِلِ ، فَإِنَّ السَّائِلَ قَدْ عَلِمَ أَنَّ هَذَا مَوْجُودٌ فِي الْقُرْآنِ ، وَقَدْ تَلَا الْآيَةَ ، وَأَيْضًا فَلَمْ يَقُلْ ذُكِرَ الِاسْتِوَاءُ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا إِخْبَارُ اللَّهِ بِالِاسْتِوَاءِ ، وَإِنَّمَا قَالَ : الِاسْتِوَاءُ مَعْلُومٌ ، فَأَخْبَرَ عَنْ الِاسْمِ الْمُفْرَدِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ ، لَمْ يُخْبِرْ عَنْ الْجُمْلَةِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ : وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ ، وَلَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ : مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ مَجْهُولٌ ، أَوْ تَفْسِيرُ الِاسْتِوَاءِ مَجْهُولٌ ، أَوْ بَيَانُ الِاسْتِوَاءِ غَيْرُ مَعْلُومٍ ، فَلَمْ يَنْفِ إِلَّا الْعِلْمَ بِكَيْفِيَّةِ الِاسْتِوَاءِ ، لَا الْعِلْمَ بِنَفْسِ الِاسْتِوَاءِ ، وَهَذَا شَأْنُ جَمِيعِ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِهِ نَفْسَهُ . لَوْ قَالَ فِي قَوْلِهِ : إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى كَيْفَ يَسْمَعُ وَكَيْفَ يَرَى ؟ لَقُلْنَا : السَّمْعُ وَالرُّؤْيَةُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ . وَلَوْ قَالَ : كَيْفَ كَلَّمَ مُوسَى تَكْلِيمًا ؟ لَقُلْنَا : التَّكْلِيمُ مَعْلُومٌ وَالْكَيْفُ غَيْرُ مَعْلُومٍ . وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنْ قَالَ هَذَا مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ يُقِرُّونَ بِأَنَّ اللَّهَ فَوْقَ الْعَرْشِ حَقِيقَةً ، وَأَنَّ ذَاتَهُ فَوْقَ ذَاتِ الْعَرْشِ ، لَا يُنْكِرُونَ مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ ، وَلَا يَرَوْنَ هَذَا مِنَ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ مَعْنَاهُ بِالْكُلِّيَّةِ . ثُمَّ السَّلَفُ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَفْسِيرِهِ بِمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ . قَالَ بَعْضُهُمْ : ارْتَفَعَ عَلَى الْعَرْشِ : عَلَا عَلَى الْعَرْشِ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ عِبَارَاتٍ أُخْرَى . وَهَذِهِ ثَابِتَةٌ عَنْ السَّلَفِ . وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَعْضَهَا فِي آخِرِهِ ، فِي كِتَابِ الرَّدِّ عَلَى الْجَهْمِيَّةِ . وَأَمَّا التَّأْوِيلَاتُ الْمُحَرَّفَةُ مِثْلَ اسْتَوْلَى وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَهِيَ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ الْمُبْتَدَعَةِ لَمَّا ظَهَرَتْ الْجَهْمِيَّةُ . وَأَيْضًا قَدْ ثَبَتَ أَنَّ اتِّبَاعَ الْمُتَشَابِهِ لَيْسَ فِي خُصُوصِ الصِّفَاتِ ، بَلْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِعَائِشَةَ : « يَا عَائِشَةُ ! إِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ؛ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ ، فَاحْذَرِيهِمْ » ، وَهَذَا عَامٌّ . وَقِصَّةُ صَبِيغِ بْنِ عَسَلٍ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ أَشْهَرِ الْقَضَايَا ، فَإِنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ يَسْأَلُ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ حَتَّى رَآهُ عُمَرُ ، فَسَأَلَ عُمَرَ عَنْ : وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَقَالَ : مَا اسْمُكَ ؟ قَالَ : عَبْدُ اللَّهِ صَبِيغٌ ، فَقَالَ : وَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ ، وَضَرَبَهُ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ . وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذَا أَلَحَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ يَقُولُ : مَا أَحْوَجَكَ أَنْ يُصْنَعَ بِكَ كَمَا صَنَعَ عُمَرُ بِصَبِيغٍ . وَهَذَا لِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ غَرَضَ السَّائِلِ ابْتِغَاءُ الْفِتْنَةِ لَا الِاسْتِرْشَادُ وَالِاسْتِفْهَامُ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : « إِذَا رَأَيْتِ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ... » . وَكَمَا قَالَ تَعَالَى : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ فَعَاقِبُوهُمْ عَلَى هَذَا الْقَصْدِ الْفَاسِدِ ، كَاَلَّذِي يُعَارِضُ بَيْنَ آيَاتِ الْقُرْآنِ . وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ : لَا تَضْرِبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَإِنَّ ذَلِكَ يُوقِعُ الشَّكَّ فِي قُلُوبِهِمْ وَمَعَ ابْتِغَاءِ الْفِتْنَةِ ابْتِغَاءُ تَأْوِيلِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ، فَكَانَ مَقْصُودُهُمْ مَذْمُومًا ، وَمَطْلُوبُهُمْ مُتَعَذِّرًا ، مِثْلَ أُغْلُوطَاتِ الْمَسَائِلِ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْهَا . وَمِمَّا يُبَيِّنُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَعْنَى وَالتَّأْوِيلِ أَنْ صَبِيغًا سَأَلَ عَنْ الذَّارِيَاتِ وَلَيْسَتْ مِنَ الصِّفَاتِ . وَقَدْ تَكَلَّمَ الصَّحَابَةُ فِي تَفْسِيرِهَا مِثْلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مَعَ ابْنِ الْكَوَّاءِ لَمَّا سَأَلَهُ عَنْهَا ، كَرِهَ سُؤَالَهُ ، لِمَا رَآهُ مِنْ قَصْدِهِ ، لَكِنْ عَلِيٌّ كَانَ رَعِيَّتُهُ مُلْتَوِيَةً عَلَيْهِ ، لَمْ يَكُنْ مُطَاعًا فِيهِمْ طَاعَةَ عُمَرَ حَتَّى يُؤَدِّبَهُ ، وَالذَّارِيَاتِ وَالْحَامِلَاتِ وَالْجَارِيَاتِ وَالْمُقَسِّمَاتِ فِيهَا اشْتِبَاهٌ ، لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ الرِّيَاحَ وَالسَّحَابَ وَالنُّجُومَ وَالْمَلَائِكَةَ وَيَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ ، إِذْ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ ذِكْرُ الْمَوْصُوفِ . وَالتَّأْوِيلُ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ هُوَ أَعْيَانُ الرِّيَاح وَمَقَادِيرُهَا وَصِفَاتُهَا وَأَعْيَانُ السَّحَابِ وَمَا تَحْمِلُهُ مِنَ الْأَمْطَارِ وَمَتَى يَنْزِلُ الْمَطَرُ . وَكَذَلِكَ فِي الْجَارِيَاتِ وَالْمُقَسِّمَاتِ ، فَهَذَا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى . وَكَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : ( إِنَّا وَنَحْنُ ) وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الْجَمْعِ كَمَا اتَّبَعَتْهُ النَّصَارَى ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ مَعْلُومٌ وَهُوَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ، لَكِنَّ اسْمَ الْجَمْعِ يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ الْمَعَانِي بِمَنْزِلَةِ الْأَسْمَاءِ الْمُتَعَدِّدَةِ ، مِثْلَ الْعَلِيمِ وَالْقَدِيرِ وَالسَّمِيعِ وَالْبَصِيرِ ، فَإِنَّ الْمُسَمَّى وَاحِدٌ ، وَمَعَانِيَ الْأَسْمَاءِ مُتَعَدِّدَةٌ ، فَهَكَذَا الِاسْمُ الَّذِي لَفْظُهُ الْجَمْعُ . وَأَمَّا التَّأْوِيلُ الَّذِي اخْتَصَّ اللَّهُ بِهِ ، فَحَقِيقَةُ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ : وَالْكَيْفُ مَجْهُولٌ فَإِذَا قَالُوا : مَا حَقِيقَةُ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ ؟ قِيلَ : هَذَا هُوَ التَّأْوِيلُ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ . وَمَا أَحْسَنَ مَا يُعَادُ التَّأْوِيلُ إِلَى الْقُرْآنِ كُلِّهِ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِابْنِ عَبَّاسٍ : « اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ » . قِيلَ : أَمَّا تَأْوِيلُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَذَاكَ يَعْلَمُهُ ، وَاللَّامُ هُنَا لِلتَّأْوِيلِ الْمَعْهُودِ ، لَمْ يَقُلْ : تَأْوِيلَ كُلِّ الْقُرْآنِ . فَالتَّأْوِيلُ الْمَنْفِيُّ هُوَ تَأْوِيلُ الْأَخْبَارِ الَّتِي لَا يَعْلَمُ حَقِيقَةَ مَخْبَرِهَا إِلَّا اللَّهُ ، وَالتَّأْوِيلُ الْمَعْلُومُ هُوَ الْأَمْرُ الَّذِي يَعْلَمُ الْعِبَادُ تَأْوِيلَهُ . وَهَذَا كَقَوْلِهِ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ وَقَوْلِهِ : بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ فَإِنَّ الْمُرَادَ تَأْوِيلُ الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ ، فَإِنَّهُ هُوَ الَّذِي يُنْتَظَرُ وَيَأْتِي ، وَلَمَّا يَأْتِهِمْ . وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَذَاكَ فِي الْأَمْرِ ، وَ تَأْوِيلُ الْخَبَرِ عَنْ اللَّهِ وَعَمَّنْ مَضَى إِنَّ أُدْخِلَ فِي التَّأْوِيلِ لَا يُنْتَظَرُ ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ . انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ . وَإِنَّمَا سُقْتُهُ بِطُولِهِ لِمَا أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ مِنَ الْمَعَارِكِ الْمُهِمَّةِ الَّتِي قَلَّ مَنْ حَرَّرَهَا وَنَهَجَ فِيهَا مَنْهَجَ الْحَقِّ كَالشَّيْخِ - قُدِّسَ سِرُّهُ - . وَمَعَ مَا فِي خِلَالِ الْبَحْثِ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْجَلِيلَةِ فِي فَنِّ التَّفْسِيرِ . فَخُذْ مَا أُوتِيتَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ . وَاَللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ . وَقَالَ الْإِمَامُ الْجَلِيلُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُرْتَضَى الْيَمَانِيُّ فِي كِتَابِ ( إِيثَارِ الْحَقِّ عَلَى الْخَلْقِ ) فِي بَحْثِ سَبَبِ الِاخْتِلَافِ الشَّدِيدِ بَيْنَ الْفِرَقِ مَا نَصُّهُ : وَأَمَّا الْأَصْلُ الثَّانِي وَهُوَ السَّمْعُ فَهُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي أَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : فِي مَعْرِفَةِ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ أَنْفُسِهِمَا وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا حَتَّى يُرَدَّ الْمُتَشَابِهُ إِلَى الْمُحْكَمِ . وَثَانِيهِمَا : اخْتِلَافُهُمْ هَلْ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ ، ثُمَّ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا الْمُتَشَابِهَ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية