الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                                      جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                                      الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : [50 ] وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ بَيَانٌ لِسَبَبِ التَّنْجِيَةِ ، وَتَصْوِيرٌ لِكَيْفِيَّتِهَا ، إِثْرَ تَذْكِيرِهَا وَبَيَانُ عِظَمِهَا وَهَوْلِهَا ، وَقَدْ بَيَّنَ فِي تَضَاعِيفِ ذَلِكَ نِعْمَةً جَلِيلَةً أُخْرَى هِيَ الْإِنْجَاءُ مِنَ الْغَرَقِ . أَيْ : وَاذْكُرُوا إِذْ فَلَقْنَاهُ بِسُلُوكِكُمْ ، أَوْ مُلْتَبِسًا بِكُمْ ، أَوْ بِسَبَبِ إِنْجَائِكُمْ . وَفَصَلْنَا بَيْنَ بَعْضِهِ وَبَعْضٍ حَتَّى حَصَلَتْ مَسَالِكُ . فَالْبَاءُ عَلَى الْأَوَّلِ اسْتِعَانَةٌ ، مِثْلُهَا فِي : كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ . وَعَلَى الثَّانِي لِلْمُصَاحَبَةِ . مِثْلُهَا فِي : أَسْنَدْتُ ظَهْرِي بِالْحَائِطِ . وَعَلَى الثَّالِثِ لِلسَّبَبِيَّةِ . وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ ضَعِيفٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّ تَفْرِيقَ الْبَحْرِ وَقَعَ بِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي التَّنْزِيلِ أَنَّ الْبَحْرَ إِنَّمَا انْفَرَقَ بِعَصَا مُوسَى . قَالَ تَعَالَى : أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ فَآلَةُ التَّفْرِيقِ الْعَصَا لَا بَنُو إِسْرَائِيلَ "فَأَنْجَيْنَاكُمْ" أَيْ : مِنَ الْغَرَقِ بِإِخْرَاجِكُمْ إِلَى السَّاحِلِ "وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ" أُرِيدَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهِمْ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ أَوْلَى بِهِ مِنْهُمْ "وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ" أَيْ : إِلَى ذَلِكَ وَتُشَاهِدُونَهُ لَا تَشُكُّونَ فِيهِ . لِيَكُونَ ذَلِكَ أَشْفَى لِصُدُورِكُمْ وَأَبْلَغَ فِي إِهَانَةِ عَدُوِّكُمْ . وَكَانَتْ قِصَّةُ إِغْرَاقِ آلِ فِرْعَوْنَ الْمُشَارِ لَهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، عَلَى مَا رُوِيَ ، أَنَّ الْحَقَّ تَعَالَى لَمَّا شَاءَ إِخْرَاجَ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ ، أَوْقَعَ فِي نَفْسِ فِرْعَوْنَ أَنْ يُطْلِقَهُمْ مِنْ مِصْرَ . بَعْدَ إِبَاءٍ شَدِيدٍ مِنْهُ ، وَرُؤْيَةِ آيَاتٍ إِلَهِيَّةٍ كَادَتْ تُحِلُّ بِهِ وَبِقَوْمِهِ الْبَوَارَ . فَدَعَا مُوسَى وَهَارُونَ وَقَالَ : اخْرُجُوا مِنْ بَيْنِ شَعْبِي أَنْتُمَا وَبَنُو إِسْرَائِيلَ جَمِيعًا . وَاذْهَبُوا اعْبُدُوا الرَّبَّ كَمَا تَكَلَّمْتُمْ . فَلَمَّا ارْتَحَلُوا وَأُخْبِرَ فِرْعَوْنُ أَنَّ الشَّعْبَ قَدْ هَرَبَ ، تَغَيَّرَ قَلْبُهُ عَلَيْهِمْ وَقَالَ : مَاذَا فَعَلْنَا حَتَّى أَطْلَقْنَاهُمْ مِنْ خِدْمَتِنَا ؟ فَشَدَّ مَرْكَبَتَهُ وَأَخَذَ قَوْمَهُ مَعَهُ وَسَعَى وَرَاءَهُمْ ، وَأَدْرَكَهُمْ وَهُمْ نَازِلُونَ عِنْدَ بَحْرِ الْقُلْزُمِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ بِبَحْرِ السُّوَيْسِ فَلَمَّا رَأَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَسْكَرَ فِرْعَوْنُ وَرَاءَهُمْ ، قَالُوا : يَا مُوسَى أَيْنَ مَا وَعَدْتَنَا مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفَرِ ؟ فَلَوْ بَقِينَا عَلَى خِدْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ لَكَانَ خَيْرًا لَنَا مِنْ أَنْ نَهْلِكَ فِي هَذِهِ الْبَرِّيَّةِ : قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ وَقَالَ : عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَضَرَبَهُ فَانْفَلَقَ ، وَأَيْبَسَ قَعْرُهُ ، فَدَخَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِيهِ . فَتَبِعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ . فَخَرَجَ مُوسَى وَقَوْمُهُ مِنَ الْجِهَةِ الثَّانِيَةِ . وَانْطَبَقَ الْبَحْرُ عَلَى فِرْعَوْنَ وَمَنْ مَعَهُ فَغَرِقُوا كُلُّهُمْ . وَسَيَأْتِي الْإِشَارَةُ إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي مَوَاضِعَ مِنَ التَّنْزِيلِ . وَمِنْ أَبْسَطِهَا فِيهِ سُورَةُ الشُّعَرَاءِ .

                                                                                                                                                                                                                                      ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                                      الخدمات العلمية