السؤال
[ ص: 176 ] وسئل رحمه الله عن طواف الحائض والجنب والمحدث .
ومعلوم أن الذي طاف على غير طهارة متعمدا آثم وقد ذكر أحمد القولين : هل عليه دم ؟ أم يرجع فيطوف ؟ وذكر النزاع في ذلك وكلامه يبين في أن توقفه في الطائف على غير طهارة يتناول الحائض والجنب مع التعمد ويبين أن أمر الناسي أهون بكثير والعاجز عن الطهارة أعذر من الناسي .
وقال أبو بكر عبد العزيز في " الشافي " : ( باب في الطواف بالبيت غير طاهر قال أبو عبد الله في رواية أبي طالب : ولا يطوف بالبيت أحد إلا طاهرا والتطوع أيسر ولا يقف مشاهد الحج إلا طاهرا . وقال في رواية محمد بن الحكم : إذا طاف طواف الزيارة وهو ناس لطهارته حتى رجع فإنه لا شيء عليه واختار له أن يطوف وهو طاهر وإن وطئ فحجه ماض ولا شيء عليه .
فهذا النص من أحمد صريح بأن الطهارة ليست شرطا وأنه لا شيء عليه إذا طاف ناسيا لطهارته لا دم ولا غيره وأنه إذا وطئ بعد ذلك فحجه ماض ولا شيء عليه كما أنه لما فرق بين التطوع [ ص: 211 ] وغيره في الطهارة فأمر بالطهارة فيه . وفي سائر المناسك دل ذلك على أن الطهارة ليست شرطا عنده فقطع هنا بأنه لا شيء عليه مع النسيان . وقال في رواية أبي طالب أيضا : إذا طاف بالبيت وهو غير طاهر يتوضأ ويعيد الطواف وإذا طاف وهو جنب فإنه يغتسل ويعيد الطواف . وقال في رواية أبي داود : حدثنا سفيان عن ابن جريج عن عطاء إذا طاف على غير وضوء فليعد طوافه . وقال أبو بكر عبد العزيز : ( باب في الطواف في الثوب النجس قال أبو عبد الله في رواية أبي طالب : وإذا طاف رجل في ثوب نجس فإن الحسن كان يكره أن يفعل ذلك ولا ينبغي له أن يطوف إلا في ثوب طاهر .
وهذا الكلام من أحمد يبين أنه ليس الطواف عنده كالصلاة في شروطها فإن غاية ما ذكر في الطواف في الثوب النجس أن الحسن كره ذلك وقال لا ينبغي له أن يطوف إلا في ثوب طاهر . ومثل هذه العبارة تقال في المستحب المؤكد وهذا بخلاف الطهارة في الصلاة . ومذهب أبي حنيفة وغيره أنه إذا طاف وعليه نجاسة صح طوافه ولا شيء عليه .
وبالجملة هل يشترط للطواف شروط الصلاة ؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره : أحدهما : يشترط كقول مالك والشافعي وغيرهما .
[ ص: 212 ] والثاني : لا يشترط وهذا قول أكثر السلف وهو مذهب أبي حنيفة ; وغيره وهذا القول هو الصواب فإن المشترطين في الطواف كشروط الصلاة ليس معهم حجة إلا قوله صلى الله عليه وسلم { الطواف بالبيت صلاة } وهذا لو ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لهم فيه حجة كما تقدم . والأدلة الشرعية تدل على خلاف ذلك . فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب على الطائفين طهارة ولا اجتناب نجاسة بل قال : { مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم } والطواف ليس كذلك والطواف لا يجب فيه ما يجب في الصلاة ولا يحرم فيه ما يحرم في الصلاة فبطل أن يكون مثلها .
وقد ذكروا من القياس أنها عبادة متعلقة بالبيت فكانت الطهارة وغيرها شرطا فيها كالصلاة وهذا القياس فاسد فإنه يقال : لا نسلم أن العلة في الأصل كونها متعلقة بالبيت ولم يذكروا دليلا على ذلك . والقياس الصحيح ما بين فيه أن المشترك بين الأصل والفرع هو علة الحكم أو دليل العلة .
أيضا فالطهارة إنما وجبت لكونها صلاة سواء تعلقت بالبيت أو لم تتعلق ألا ترى أنهم لما كانوا يصلون إلى الصخرة كانت الطهارة أيضا شرطا فيها ولم تكن متعلقة بالبيت وكذلك أيضا إذا صلى .
[ ص: 213 ] إلى غير القبلة كما يصلي المتطوع في السفر وكصلاة الخوف راكبا فإن الطهارة شرط وليست متعلقة بالبيت .
وأيضا فالنظر إلى البيت عبادة متعلقة بالبيت ولا يشترط له الطهارة ولا غيرها . ثم هناك عبادة من شرطها المسجد ولم تكن الطهارة شرطا فيها كالاعتكاف وقد قال تعالى : { وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود } فليس إلحاق الطائف بالراكع الساجد بأولى من إلحاقه بالعاكف بل بالعاكف أشبه لأن المسجد شرط في الطواف والعكوف وليس شرطا في الصلاة .
فإن قيل : الطائف لا بد أن يصلي الركعتين بعد الطواف والصلاة لا تكون إلا بطهارة . قيل : وجوب ركعتي الطواف فيه نزاع وإذا قدر وجوبهما لم تجب فيهما الموالاة وليس اتصالهما بالطواف بأعظم من اتصال الصلاة بالخطبة يوم الجمعة . ومعلوم أنه لو خطب محدثا ثم توضأ وصلى الجمعة جاز فلأن يجوز أن يطوف محدثا ثم يتوضأ ويصلي الركعتين بطريق الأولى وهذا كثير ما يبتلى به الإنسان إذا نسي الطهارة في الخطبة والطواف فإنه يجوز له أن يتطهر ويصلي وقد نص على أنه إذا خطب وهو جنب جاز .
وإذا تبين أن الطهارة ليست شرطا : يبقى الأمر دائرا بين أن [ ص: 214 ] تكون واجبة وبين أن تكون سنة وهما قولان للسلف وهما قولان في مذهب أحمد وغيره . وفي مذهب أبي حنيفة ; لكن من يقول هي سنة من أصحاب أبي حنيفة يقول : مع ذلك عليها دم . وأما أحمد فإنه يقول : لا شيء عليها لا دم ولا غيره كما صرح به فيمن طاف جنبا وهو ناس فإذا طافت حائضا مع التعمد توجه القول بوجوب الدم عليها .
وأما مع العجز فهنا غاية ما يقال : إن عليها دما والأشبه أنه لا يجب الدم ; لأن هذا واجب تؤمر به مع القدرة لا مع العجز فإن لزوم الدم إنما يجب بترك مأمور وهي لم تترك مأمورا في هذه الحالة ولم تفعل محظورا من محظورات الإحرام وهذا ليس من محظورات الإحرام ; فإن الطواف يفعله الحلال والحرام فصار الحظر هنا من جنس حظر اللبث في المسجد واعتكاف الحائض في المسجد أو مس المصحف أو قراءة القرآن وهذا يجوز للحاجة بلا دم ، وطواف الإفاضة إنما يجوز بعد التحلل الأول وهي حينئذ يباح لها المحظورات إلا الجماع .
فإن قيل : لو كان طوافها مع الحيض ممكنا أمرت بطواف القدوم وطواف الوداع . والنبي صلى الله عليه وسلم أسقط طواف الوداع عن الحائض وأمر عائشة لما قدمت وهي متمتعة فحاضت أن تدع أفعال [ ص: 215 ] العمرة وتحرم بالحج فعلم أنه لا يمكنها الطواف .
قيل : الطواف مع الحيض محظور لحرمة المسجد أو للطواف أو لهما . والمحظورات لا تباح إلا حال الضرورة ولا ضرورة بها إلى طواف الوداع فإن ذلك ليس من الحج . ولهذا لا يودع المقيم بمكة وإنما يودع المسافر عنها فيكون آخر عهده بالبيت . وكذلك طواف القدوم ليست مضطرة إليه بل لو قدم الحاج وقد ضاق الوقت عليه بدأ بعرفة ولم يطف للقدوم فهو إن أمر بهما القادر عليهما إما أمر إيجاب فيهما أو في أحدهما أو استحباب . فإن للعلماء في ذلك أقوالا . وليس واحد منهما ركنا يجب على كل حاج بالسنة الثابتة باتفاق العلماء ; بخلاف طواف الفرض فإنها مضطرة إليه ; لأنه لا حج إلا به وهذا كما يباح لها دخول المسجد للضرورة ولا تدخله لصلاة ولا اعتكاف وإن كان منذورا ; بل المعتكفة إذا حاضت خرجت من المسجد ونصبت لها قبة في فنائه .
وهذا أيضا يدل على أن منع الحائض من الطواف كمنعها من الاعتكاف فيه لحرمة المسجد وإلا فالحيض لا يبطل اعتكافها ; لأنها مضطرة إليه بل إنما تمنع من المسجد لا من الاعتكاف فإنها ليست مضطرة إلى أن تقيم في المسجد ولو أبيح لها ذلك مع دوام الحيض لكان في ذلك إباحة المسجد للحيض . وأما الطواف فلا يمكن إلا في المسجد [ ص: 216 ] الحرام فإنه مختص ببقعة معينة ليس كالاعتكاف فإن المعتكف يخرج من المسجد لما لا بد منه : كقضاء الحاجة والأكل والشرب وهو معتكف في حال خروجه من المسجد ليس له في تلك الحال أن يباشر النساء وهو كما قال الله تعالى : { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } . وقوله : { في المساجد } يتعلق بقوله : { عاكفون } لا بقوله : { تباشروهن } . فإن المباشرة في المسجد لا تجوز للمعتكف . ولا لغيره بل المعتكف في المسجد ليس له أن يباشر إذا خرج منه لما لا بد منه .
فلما كان هذا يشبه الاعتكاف والحائض تخرج لما لا بد لها منه فلم يقطع الحيض اعتكافها وقد جمع سبحانه بين العكوف والطواف والصلاة في الأمر بتطهير بيته بقوله : { أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود } فمنعه من الحيض من تمام طهارته والطواف كالعكوف لا كالصلاة فإن الصلاة تباح في جميع الأرض لا تختص بمسجد ويجب لها ويحرم فيها ما لا يحرم في اعتكاف ولا طواف .
وحقيقة الأمر : أن الطواف عبادة من العبادات التي يفعلها الحلال والحرام لا تختص بالإحرام ولهذا كان طواف الفرض إنما يجب بعد التحلل الأول فيطوف الحاج الطواف المذكور في قوله تعالى [ ص: 217 ] { ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق } . فيطوف الحجاج وهم حلال قد قضوا حجهم ولم يبق عليهم محرم إلا النساء ولهذا لو جامع أحدهم في هذه الحال لم يفسد نسكه باتفاق الأئمة وإذا كانت عبادة من العبادات فهي عبادة مختصة بالمسجد الحرام كما أن الاعتكاف يختص بجميع المساجد والله تعالى قد أمر بتطهير بيته للطائفين والعاكفين والركع السجود وليس هو نوعا من الصلاة فإذا ترك من واجبه شيئا فقد يقال ترك شيئا ومن ترك شيئا من نسكه فعليه دم . وإذا ترك الواجب الذي هو صفة في الطواف للعجز فهذا محل اجتهاد : هل يلحق بمن ترك شيئا من نسكه ؟ أو يقال : هذا فيمن ترك نسكا مستقلا أو تركه مع القدرة بلا عذر أو ترك ما يختص بالحج والعمرة .
وأما القول بأن هذه العاجزة عن الطواف مع الحيض ترجع محرمة أو تكون كالمحصر أو يسقط عنها الحج أو يسقط عنها طواف الفرض فهذه أقوال كلها مخالفة لأصول الشرع مع أني لم أعلم إماما من الأئمة صرح بشيء منها في هذه الصورة . وإنما كلام من قال عليها دم أو ترجع محرمة ونحو ذلك - من السلف والأئمة - كلام مطلق يتناول من كان يفعل ذلك في عهدهم وكان زمنهم يمكنها أن تحتبس حتى تطهر وتطوف كانوا يأمرون الأمراء أن يحتبسوا حتى تطهر الحيض [ ص: 218 ] ويطفن ; ولهذا ألزم مالك وغيره المكاري الذي لها أن يحتبس معها حتى تطهر وتطوف . ثم إن أصحابه قالوا : لا يجب على مكاريها في هذه الأزمان أن يحتبس معها لما عليه في ذلك من الضرر .
فعلم أن أجوبة الأئمة بكون الطهارة من الحيض شرطا أو واجبا ; كان مع القدرة على أن تطوف طاهرا لا مع العجز عن ذلك اللهم إلا أن يكون منهم من قال بالاشتراط أو الوجوب في الحالين فيكون النزاع مع من قال ذلك والله تعالى أعلم وصلى الله على محمد .


