الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

قال : ( ومن مات وترك ابنين وله على آخر مائة درهم ، فأقر أحدهما أن أبوه قبض منها خمسين  لا شيء للمقر وللآخر خمسون ) ؛ لأن هذا إقرار بالدين على الميت ؛ لأن الاستيفاء إنما يكون بقبض مضمون ، فإذا كذبه أخوه استغرق الدين نصيبه كما هو المذهب عندنا ، غاية الأمر أنهما تصادقا على كون المقبوض مشتركا بينهما ، [ ص: 402 ] لكن المقر لو رجع على القابض بشيء لرجع القابض على الغريم ورجع الغريم على المقر فيؤدي إلى الدور .

التالي السابق


فتح القدير

( قال ) ، أي : محمد رحمه الله في الجامع الصغير : ( ومن مات وترك ابنين ، وله ) ، أي : وللميت ( على آخر مائة درهم ، فأقر أحدهما ) ، أي : أحد الابنين ( أن أباه قبض منها ) ، أي : من المائة ( خمسين ) درهما ( لا شيء للمقر ) ، أي : لا شيء من المائة للابن المقر . ( وللآخر ) ، أي : وللابن الآخر ( خمسون ) منها ، يعني : كان للابن الآخر أن يأخذ الخمسين من الغريم بعد أن يحلف بالله ما يعلم أن أباه قبض منه المائة ؛ ( لأن هذا ) ، أي : لأن إقرار أحد الابنين بما ذكر ( إقرار بالدين على الميت ؛ لأن الاستيفاء ) ، أي : استيفاء الدين ( إنما يكون بقبض مضمون ) لما مر أن الديون تقضى بأمثالها فيجب للمديون على صاحب الدين مثل ما لصاحب الدين عليه ، فيلتقيان قصاصا ، وإقرار الوارث بالدين على الميت يوجب القضاء عليه من حصته خاصة .

( فإذا كذبه ) ، أي : كذب المقر . ( أخوه استغرق الدين نصيبه ) ، أي : نصيب المقر ، ( كما هو المذهب عندنا ) ، احترازا عن قول ابن أبي ليلى ؛ فإن هلاك الدين على الغير بسبب الإقرار يختص عندنا بنصيب المقر ، وعند ابن أبي ليلى يشيع في النصيبين ، وكذا في أكثر الشروح . وقال في الكفاية خلافا للشافعي . فعنده يشيع في النصيبين .

وقال في معراج الدراية : وبما هو المذهب عندنا ، قال الشافعي في قول . وقال الشافعي في قول ، وأحمد : يلزمه نصف الدين وهو قياس مذهب مالك ، ، وبه قال النخعي والحسن وإسحاق وأبو عبيدة وأبو ثور ، انتهى .

قال صاحب العناية : وعورض بأن صرف إقراره إلى نصيبه خاصة يستلزم قسمة الدين قبل القبض وهي لا تجوز . والجواب أن قسمة الدين إنما تكون بعد وجود الدين ، وإذا أقر المقر بقبض خمسين قبل الورثة لم ينتقل على زعمه من الدين إلا الخمسون فلم تتحقق القسمة ، انتهى .

أقول . الجواب المزبور ليس بشاف ؛ لأن حاصله عدم لزوم قسمة الدين قبل القبض على زعم المقر ، وزعم المقر إنما يؤثر في حق نفسه لا في حق الغير فيكفي في المحذور لزوم ذلك على زعم الآخر ؛ فإن قسمة الدين قبل القبض لا تجوز بالنظر إلى كل أحد ، فالأظهر عندي في الجواب أن يقال : قسمة الدين قبل القبض إنما لا تجوز في القسمة الحقيقية ، وأما في القسمة الحكمية ، كما نحن فيه فعدم جوازها ممنوع ، ويؤيده ما صرحوا به في فصل الدين المشترك من كتاب الصلح بأن القسمة قبل القبض إنما لا تجوز قصدا لا ضمنا فتأمل . قال المصنف : ( غاية الأمر أنهما ) ، أي : الابنين . ( تصادقا على كون المقبوض مشتركا بينهما ) ، أي : على كون الخمسين الباقي على الغريم الذي يقبضه الابن المنكر مشتركا بين الابن المقر والابن المنكر ، هذا جواب سؤال مقدر ، تقريره أن جميع الدين كان مشتركا بينهما ، فكذلك كل جزء من أجزائه يكون مشتركا بينهما ، فما هلك يهلك مشتركا ، وما بقي يبقى مشتركا بينهما ، فالابن المنكر لما جحد الهلاك لم ينكر الاشتراك في شيء من أجزائه ، والابن المقر وإن زعم أن بعض أجزائه هالك إلا أنه لم ينكر الاشتراك فيما بقي بعد الهلاك ، فهما متصادقان في الاشتراك في الباقي المقبوض ، فينبغي أن يكون ذلك بينهما نصفين ، ويرجع المقر على القابض بنصف ما قبضه ، فأجاب بأنهما وإن تصادقا على كون المقبوض مشتركا بينهما ، ( لكن المقر ) لا يرجع على القابض بشيء لعدم الفائدة ؛ إذ ( لو رجع على القابض بشيء لرجع القابض على الغريم ) بقدر ذلك ؛ لزعمه أن أباه لم يقبض شيئا من الغريم ، وله تمام الخمسين بسبب سابق ، ( ورجع الغريم ) أيضا ( على المقر ) بقدر ذلك لانتقاض المقاصة في ذلك القدر ، وبقائه دينا على الميت بموجب إقراره ، والدين مقدم على الإرث ، ( فيؤدي إلى الدور ) ولا فائدة فيه .

وقد قرر صاحب العناية السؤال والجواب هاهنا بوجه آخر ؛ حيث قال : فإن قيل : زعم المقر يعارضه زعم المنكر ، فإن في زعمه أن المقبوض على التركة ، كما في زعم المقر ، والمنكر يدعي زيادة على المقبوض ، فتصادقا على كون المقبوض مشتركا بينهما ، فما المرجح لزعم المقر على زعم المنكر حتى انصرف المقر به إلى نصيب المقر خاصة ، ولم يكن المقبوض مشتركا بينهما . أجاب بقوله : غاية الأمر أنهما تصادقا على كون المقبوض مشتركا بينهما ، لكن المقر لو رجع ، يعني أن المرجح هو أن اعتبار زعم المنكر يؤدي إلى عدم الفائدة بلزوم الدور ، انتهى .

أقول : كل واحد من تقريري السؤال والجواب على الوجه الذي ذكره مختل ، أما تقرير السؤال ؛ فلأن حديث معارضة زعم المقر لزعم المنكر ، وترجيح زعم المقر على زعم المنكر مما لا مساس له بكلام المصنف هاهنا ؛ لأنه قال : غاية الأمر أنهما تصادقا على كون المقبوض مشتركا بينهما ، ولا شك أن التصادق ينافي التعارض والترجيح فكيف يحمل كلامه على ذلك ، والعجب أن صاحب العناية أدرج تصادقهما أيضا في أثناء تقرير السؤال ، وفرع على تعارض زعميهما ؛ حيث قال : فتصادقا على كون المقبوض مشتركا بينهما ، ثم طلب المرجح بقوله : فما المرجح لزعم المقر على زعم المنكر؟ ولا يخفى أن في نفس هذا التقرير تعارضا وتناقضا ، وأما تقرير الجواب فلأن المفهوم من قوله : يعني أن المرجح ، هو أن اعتبار زعم المنكر يؤدي إلى عدم الفائدة بلزوم الدور هو أن [ ص: 403 ] لزوم الدور إنما يكون باعتبار زعم المنكر دون المقر ، وليس كذلك ، بل لزوم الدور إنما يكون باعتبار زعم المقر دون زعم المنكر ؛ لأن رجوع الغريم على المقر بالآخرة إنما هو على زعم المقر أن أباه قبض منه الخمسين ، وإنما بقي عليه الخمسون المقبوض .

وأما على زعم المنكر وهو أن أباه لم يقبض منه شيئا فلا يرجع الغريم على المقر بشيء ، بل يلزمه أن يعطي المقر أيضا مثل ما أعطاه المنكر ، فلا يلزم الدور ، وتدبر تقف ، ثم قال صاحب العناية : ولقائل أن يقول : إذا كان من زعم المنكر أن أباه لم يقبض شيئا كان من زعمه أن أخاه في إقراره ظالم ، وهو فيما يقبضه أخوه منه مظلوم فلا يرجع على الغريم بشيء ؛ لأن المظلوم لا يظلم غيره ، والجواب أن المظلوم لا يظلم غيره ، ولكنه في زعمه ليس في الرجوع بظالم بل طالب لتمام حقه ، انتهى .

أقول : في الجواب نظر ؛ لأن الخمسين الذي قبضه المنكر من الغريم أولا إن كان بتمامه حق المنكر لم يكن هو في رجوعه على الغريم بعد ذلك طالبا لتمام حقه ؛ إذ ليس حقه في المائة بزائد على الخمسين حتى يكون طالبا لتمامه ، وإن لم يكن المقبوض أولا بتمامه حقه بل كان بعضه حق أخيه لم يكن هو فيما يقبضه أخوه منه مظلوما ، وسوق الجواب المزبور على تسليم مظلوميته ، كما ترى . فالحق في الجواب أن يقال : لا نسلم أنه إذا كان من زعم المنكر أن أباه لم يقبض شيئا كان في زعمه أنه فيما يقبضه أخوه منه مظلوم ، كيف وهما متصادقان على كون ما قبضه من الغريم أولا مشتركا بينهما ، كما تقرر . نعم يجوز أن يكون من زعم المنكر ذلك أن أخاه ظالم لنفسه ؛ حيث أبطل حقه في المائة بإقراره بأن أباه قبض منها الخمسين .




الخدمات العلمية