الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

قال ( وإذا ادعت امرأة على رجل نكاحا فصالحها على مال  بذله لها جاز ) قال رضي الله عنه : هكذا ذكر في بعض نسخ المختصر ، وفي بعضها قال : لم يجز . وجه الأول أن يجعل زيادة في مهرها . وجه الثاني أنه بذل لها المال لتترك الدعوى [ ص: 419 ] فإن جعل ترك الدعوى منها فرقة فالزوج لا يعطي العوض في الفرقة ، وإن لم يجعل فالحال على ما كان عليه قبل الدعوى ، فلا شيء يقابله العوض ، فلم يصح .

قال : ( وإن ادعى على رجل أنه عبده ، فصالحه على مال أعطاه  جاز ، وكان في حق المدعي بمنزلة الإعتاق على مال ) ؛ لأنه أمكن تصحيحه على هذا الوجه في حقه لزعمه ؛ ولهذا يصح على حيوان في الذمة إلى أجل وفي حق المدعى عليه يكون لدفع الخصومة ؛ لأنه يزعم أنه حرا فجاز إلا أنه لا ولاء له لإنكار العبد إلا أن يقيم البينة فتقبل ويثبت الولاء .

قال ( وإذا قتل العبد المأذون له رجلا عمدا  لم يجز له أن يصالح عن نفسه ، وإن قتل عبد له رجلا عمدا فصالحه جاز ) ووجه الفرق أن رقبته ليست من تجارته ؛ ولهذا لا يملك التصرف فيه بيعا فكذا استخلاصا بمال المولى وصار كالأجنبي ، [ ص: 420 ] أما عبده فمن تجارته ، وتصرفه فيه نافذ بيعا فكذا استخلاصا ، وهذا لأن المستحق كالزائل عن ملكه وهذا شراؤه فيملكه .

التالي السابق


فتح القدير

( قوله : وجه الأول أن يجعل زيادة في مهرها ) ، أي : أن يجعل كأنه زاد في مهرها ، ثم خالعها على أصل المهر دون الزيادة ، فسقط الأصل دون الزيادة، كذا في الكافي وكثير من الشروح .

قال صاحب غاية البيان : وفيه نظر عندي ؛ لأنه ضعيف جدا ؛ لأن الكلام في دعواها النكاح وصلح الرجل عنه على مال، والصلح عن نكاح على مال عبارة عن ترك النكاح بمال ، فكيف يكون ذلك زيادة في المهر ، اهـ.

أقول : هذا كلام خال عن التحصيل، فإن كون الصلح عن النكاح على مال عبارة عن ترك النكاح بمال لا ينافي كون ذلك زيادة في المهر، بل يقتضيه ؛ لأن ترك النكاح بلا فرقة مما لا يتصور شرعا، فلا بد أن يجعل ترك النكاح بمال فرقة ببدل وهي الخلع، ولما جعل خلعا سقط أصل المهر ، فلا بد أن يجعل ما بذله لها زيادة في المهر ، وهذا وجه [ ص: 419 ]

لا غبار عليه . ( قوله : فإن جعل ترك الدعوى منها فرقة ، فالزوج لا يعطى العوض في الفرقة ) ؛ إذ لا يسلم له شيء من هذه الفرقة ، وإنما المرأة هي التي تسلم لها نفسها ، وتتخلص عن الزوج، كذا في الكافي وكثير من الشروح.

أقول: لمانع أن يمنع قولهم؛ إذ لا يسلم له شيء من هذه الفرقة ؛ فإنه يسلم له منها أصل المهر؛ إذ لولا هذه الفرقة للزمه مهرها عند إثباتها النكاح ، فجاز أن يعطى الزوج العوض ليسلم له المهر في ضمن هاتيك الفرقة التي هي في معنى الخلع. فإن قلت: يجوز أن يكون مراد المصنف فالزوج لا يعطى العوض بناء على وقوع هذه الفرقة من جانب المرأة، كما يشعر به تقرير تاج الشريعة في شرح هذا المقام ؛ حيث قال: يعني أن هذا الصلح إن جعل فرقة فلا عوض في الفرقة من جانبها على الزوج، كالمرأة إذا مكنت ابن زوجها لا يجب عليه شيء، انتهى.

ويشير إليه قول صاحب العناية : فإن جعل ترك الدعوى منها فرقة فلا عوض على الزوج في الفرقة، كما إذا مكنت [ ص: 420 ] ابن زوجها، انتهى. فماذا حال هذا المعنى ؟ قلت: يرد عليه أيضا أن يقال : وقوع الفرقة من جانب المرأة إنما يمنع إعطاء الزوج العوض لو كانت هي مستقلة في مباشرة سبب الفرقة، كما إذا مكنت ابن زوجها، وأما إذا كانت مباشرتها بسبب الفرقة برأي الزوج ورضاه، كما فيما نحن فيه إذا كان تركها دعوى النكاح فيه بطلب الزوج ورضاه ؛ حيث تصالحا عنه على مال بذله لها فلا نسلم أن وقوع الفرقة من جانب المرأة في مثل ذلك يمنع إعطاء الزوج العوض؛ ألا يرى أنه لو قال رجل لامرأته: طلقي نفسك أو قال لها: اختاري ينوي بذلك الطلاق فلها أن تطلق نفسها ما دامت في مجلسها ذلك، فإن طلقت نفسها في ذلك المجلس لزمه مهرها قطعا ، فلم يكن وقوع الفرقة من جانبها هناك مانعا عن وجوب المهر على الزوج، كما كان مانعا عنه فيما إذا مكنت ابن زوجها، فكذا هاهنا لا يكون وقوعها من جانبها مانعا عن لزوم إعطاء الزوج العوض، فتدبر .




الخدمات العلمية