الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

[ ص: 425 ] ( باب الصلح في الدين )

( وكل شيء وقع عليه الصلح وهو مستحق بعقد المداينة لم يحمل على المعاوضة  ، وإنما يحمل على أنه استوفى بعض حقه وأسقط باقيه ، [ ص: 426 ] كمن له على آخر ألف درهم فصالحه على خمسمائة  ، وكمن له على آخر ألف جياد فصالحه على خمسمائة زيوف  جاز وكأنه أبرأه عن بعض حقه ) وهذا لأن تصرف العاقل يتحرى تصحيحه ما أمكن ، ولا وجه لتصحيحه معاوضة لإفضائه إلى الربا فجعل إسقاطا للبعض في المسألة الأولى وللبعض والصفة في الثانية ( ولو صالح على ألف مؤجلة  جاز وكأنه أجل نفس الحق ) لأنه لا يمكن جعله معاوضة لأن بيع الدراهم بمثلها نسيئة لا يجوز فحملناه على التأخير ( ولو صالحه على دنانير إلى شهر لم يجز ) لأن الدنانير غير مستحقة بعقد المداينة فلا يمكن حمله على التأخير ، ولا وجه له سوى المعاوضة ، وبيع الدراهم بالدنانير نسيئة لا يجوز فلم يصح الصلح ( ولو كانت له ألف مؤجلة فصالحه على خمسمائة حالة  لم يجز ) لأن المعجل خير من المؤجل وهو غير مستحق بالعقد فيكون بإزاء ما حطه عنه ، [ ص: 427 ] وذلك اعتياض عن الأجل وهو حرام ( وإن كان له ألف سود فصالحه على خمسمائة بيض  لم يجز ) لأن البيض غير مستحقة بعقد المداينة وهي زائدة وصفا فيكون معاوضة الألف بخمسمائة وزيادة وصف وهو ربا ، بخلاف ما إذا صالح عن الألف البيض على خمسمائة سود حيث يجوز لأنه إسقاط كله قدرا ووصفا ، وبخلاف ما إذا صالح على قدر الدين وهو أجود لأنه معاوضة المثل بالمثل ، ولا معتبر بالصفة إلا أنه يشترط القبض في المجلس ، ولو كان عليه ألف درهم ومائة دينار فصالحه على مائة درهم حالة أو إلى شهر  صح الصلح لأنه أمكن أن يجعل إسقاطا للدنانير كلها والدراهم إلا مائة وتأجيلا للباقي فلا يجعل معاوضة تصحيحا للعقد أو لأن معنى الإسقاط فيه ألزم

التالي السابق


فتح القدير

[ ص: 425 ] ( باب الصلح في الدين )

( قوله : وكل شيء وقع عليه الصلح وهو مستحق بعقد المداينة لم يحمل على المعاوضة، وإنما يحمل على أنه استوفى بعض حقه وأسقط باقيه ) .

أقول : فيه كلام، وهو أن كلية ذلك بالنظر إلى قوله لم يحمل على المعاوضة مسلمة ، وأما بالنظر إلى قوله وإنما يحمل على أنه استوفى بعض حقه وأسقط باقيه فممنوعة؛ لأن ما وقع عليه الصلح وهو مستحق بعقد المداينة إذا كان على مثل حقه قدرا ووصفا، كما إذا كان عليه ألف درهم جياد فصالح عن ذلك على ألف درهم جياد يحمل على استيفاء عين حقه، صرح به في كثير من المعتبرات كالبدائع والتحفة وغيرهما، وليس فيه إسقاط شيء قط ، وعن هذا قال في الوقاية : وصلحه على بعض من جنس ماله عليه أخذا لبعض حقه، وحطا لباقيه لا معاوضة، انتهى.

ويمكن أن يعتذر عما في الكتاب بأنه خارج مخرج العادة، فإن المعتاد أن يكون الصلح على أقل من المدعى لا على مثله بناء على عدم الفائدة في عقد الصلح على مثل المدعي. قال صاحب النهاية : وهاهنا ينبغي أن يزاد في لفظ الرواية قيد آخر، وهو أن يقال : وكل شيء وقع عليه الصلح وهو مستحق بعقد المداينة، ولا يمكن حمله على بيع الصرف لم يحمل على المعاوضة، وإنما قلنا ذلك ؛ لأنه إذا أمكن حمله على بيع الصرف [ ص: 426 ] يحمل على بيع الصرف وهو معاوضة؛ وإن كان هو من جنس ما هو مستحق بعقد المداينة فبعد ذلك ينظر، إن كان مؤجلا بطل الصلح وإلا فلا؛ ألا ترى أنه لو كان عليه ألف درهم سود حالة فصالحه على ألف درهم بخية إلى أجل لا يجوز. والبخية : اسم لما هو أجود من السود، ولكن كل منهما من جنس الدراهم، وإنما لم يجز في هذه الصورة ؛ لأن هذه مصارفة إلى أجل، والصرف إلى أجل باطل، انتهى كلامه .

أقول : فيه بحث؛ لأن قوله في رواية الكتاب : وهو مستحق بعقد المداينة، يخرج ما يمكن حمله على بيع الصرف، فإن ما يمكن حمله على بيع الصرف عند أهل الشرع مما وقع عليه الصلح ليس مما هو مستحق بعقد المداينة، وما هو مستحق بعقد المداينة ليس مما يمكن حمله على بيع الصرف عندهم، يشهد بذلك كله الأمثلة المذكورة في المسائل وأدلتها المفصلة فيه.

وأما المثال الذي ذكره بقوله: ألا ترى أنه لو كان عليه ألف درهم سود حالة فصالحه على ألف درهم بخية إلى أجل لا يجوز، فبمعزل عما نحن فيه بمراحل؛ لأنه ليس مما هو مستحق بعقد المداينة ولا مما يمكن حمله على بيع الصرف .

أما الأول : فلأن البخية أجود من السود ففيها زيادة وصف وهي غير مستحقة بعقد المداينة بالسود، وإنما المستحق به السود لا غير .

وأما الثاني فلأن الأجل يمنع عن الحمل على بيع الصرف، كما اعترف به نفسه ؛ حيث قال : وإنما لم يجز في هذه الصورة ؛ لأن هذه مصارفة إلى أجل، والصرف إلى أجل باطل .

( قوله : وهذا ؛ لأن تصرف العاقل يتحرى تصحيحه ما أمكن، ولا وجه لتصحيحه معاوضة لإفضائه إلى الربا ) .

أقول : لقائل أن يقول : إنما يفضي إلى الربا لو جعل المصالح عليه وهو خمسمائة عوضا عن مجموع الألف المدعى، وأما إذا جعل عوضا عما يساويه من بعض المدعى وهو الخمسمائة بناء على أن الديون تقضى بأمثالها لا بأعيانها فلا إفضاء إلى الربا ، فما بالهم حملوا الصلح في مثل ذلك على أنه استوفى بعض حقه وأسقط باقيه ولم يحملوا على أنه صارف بعض حقه، وأسقط [ ص: 427 ] باقيه حتى لم يشترطوا القبض في المجلس، وجوزوا التأجيل، فتأمل في الجواب .




الخدمات العلمية