الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

وللشريك أن يتبع الغريم في جميع ما ذكرنا لأن حقه في ذمته باق لأن القابض استوفى نصيبه حقيقة لكن له حق المشاركة فله أن لا يشاركه ، فلو سلم له ما قبض ثم توى ما على الغريم له أن يشارك القابض لأنه رضي بالتسليم ليسلم له ما في ذمة الغريم ولم يسلم ، ولو وقعت المقاصة بدين كان عليه من قبل لم يرجع عليه الشريك لأنه قاض بنصيبه لا مقتض ، ولو أبرأه عن نصيبه فكذلك؛ لأنه إتلاف وليس بقبض ، ولو أبرأه عن البعض كانت قسمة الباقي على ما بقي من السهام ، ولو أخر أحدهما عن نصيبه صح عند أبي يوسف اعتبارا بالإبراء المطلق ، [ ص: 436 ] ولا يصح عندهما لأنه يؤدي إلى قسمة الدين قبل القبض ، ولو غصب أحدهما عينا منه أو اشتراها شراء فاسدا وهلك في يده فهو قبض والاستئجار بنصيبه قبض ، [ ص: 437 ] وكذا الإحراق عند محمد رحمه الله خلافا لأبي يوسف رحمه الله والتزوج به إتلاف في ظاهر الرواية ، وكذا الصلح عليه من جناية العمد .قال ( وإذا كان السلم بين شريكين فصالح أحدهما من نصيبه على رأس المال  لم يجز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله .

وقال أبو يوسف رحمه الله يجوز الصلح ) اعتبارا بسائر الديون ، [ ص: 438 ] وبما إذا اشتريا عبدا فأقال أحدهما في نصيبه

التالي السابق


فتح القدير

( قوله : وللشريك أن يتبع الغريم في جميع ما ذكرنا ؛ لأن حقه في ذمته باق؛ لأن القابض استوفى نصيبه حقيقة لكن له حق المشاركة فله أن لا يشاركه ) .

أقول: فيه كلام، وهو أنه إن كان حق الشريك الساكت باقيا في ذمة الغريم وكان ما استوفاه القابض نصيب نفسه حقيقة كان ثبوت حق المشاركة للساكت فيما استوفاه القابض مشكلا غير معقول المعنى. ثم إن هذا مخالف لما ذكر في غاية البيان وغيرها في صدر هذه المسائل من الأصل الصحيح المبرهن عليه بأن يقال: الأصل هنا أن الدين المشترك الذي يثبت بسبب واحد للشريكين إذا قبض أحدهما شيئا منه فالمقبوض من النصيبين ؛ لأنا لو جعلناه من نصيب أحدهما لكنا قد قسمنا الدين حال كونه في الذمة، وقسمة الدين حال كونه في الذمة لا تجوز.

والدليل على ذلك هو أن القسمة تمييز الحقوق ، وذلك لا يتأتى فيما في الذمة، ولأن القسمة فيها معنى التمليك ؛ لأن كل واحد من المقتسمين يأخذ نصف حقه ويأخذ الباقي عوضا عما له في يد الآخر، وتمليك الدين لغير من في ذمته لا يجوز، فإذا ثبت هذا كان المقبوض من الحقين جميعا فكان لشريكه أن يأخذ نصف المقبوض بعينه، انتهى فتأمل.

قال صاحب العناية في تعليل قول المصنف، فله أن لا يشاركه لئلا ينقلب ما له ما عليه فإنه خلف باطل.

أقول: فيه نظر ؛ لأنه يستلزم أن لا يثبت له حق المشاركة أصلا بل يتعين له عدم المشاركة، وهذا ظاهر لزوما وبطلانا .

( قوله : ولو وقعت المقاصة بدين كان عليه من قبل لم يرجع عليه الشريك ؛ لأنه قاض بنصيبه لا مقتص ) .

أقول: فيه شيء، وهو أنه يلزم في هذه المقاصة قسمة الدين قبل القبض، وذا لا يجوز، وليس [ ص: 436 ] هاهنا عقد حتى تجوز في ضمنه، كما قالوا في صورة البيع : اللهم إلا أن تجعل نفس المقاصة نوع عقد أو شبيه عقد، وتجوز قسمة الدين قبل القبض في ضمنها أيضا .

( قوله : ولا يصح عندهما ؛ لأنه يؤدي إلى قسمة الدين قبل القبض ) . قال صاحب العناية في شرح هذا المقام : وقالا : يلزم قسمة الدين قبل القبض لامتياز أحد النصيبين عن الآخر باتصاف أحدهما بالحلول والآخر بالتأخير، وقسمة الدين قبل القبض لا تجوز ؛ لأنه وصف شرعي ثابت في الذمة، وذلك لا يتميز بعضه عن بعض، ولقائل أن يقول بتأخير البعض هل يتميز أحد النصيبين عن الآخر أو لا ؟ فإن تميز بطل قولكم، وذلك لا يتميز بعضه عن بعض، وإن لم يتميز بطل قولكم لامتياز أحد النصيبين عن الآخر بكذا وكذا .

والجواب عنه : أن تأخير البعض فيه يستلزم التمييز بذكر ما يوجبه فيما يستحيل ذلك فيه، فمعنى قوله : لامتياز أحد النصيبين، لاستلزام التأخير الامتياز .

فإن قيل : فقد جوزوا إبراء أحدهما عن نصيبه، وذكر الإبراء يوجب التمييز بكون بعضه مطلوبا وبعضه لا فيما يستحيل فيه ذلك . وأجيب بأن القسمة تقتضي وجود النصيبين، وليس ذلك في صورة الإبراء بموجود فلا قسمة . إلى هنا كلامه .

أقول : في الجواب الثاني بحث لأن عدم تحقق القسمة في صورة الإبراء بسبب عدم تحقق مقتضاها لا يدفع السؤال الثاني؛ لأن حاصله نقض ما ذكر في الجواب الأول بأن ذكر ما يوجب التمييز يتحقق في صورة الإبراء أيضا، فلو استلزم مجرد ذلك قسمة الدين قبل القبض في صورة التأخير لاستلزمها في صورة الإبراء أيضا، وأما عدم تحقق القسمة بسبب تخلف مقتضاها فأمر مشترك بين الصورتين؛ لأن القسمة كما تقتضي وجود النصيبين كذلك تقتضي كون كل واحد من النصيبين قابلا للتمييز عن الآخر، وتمييز بعض الدين عن بعض غير متصور، فلا [ ص: 437 ] قسمة في الدين لا في صورة الإبراء ولا في صورة التأخير، كيف ولو أمكن القسمة في الدين لما بطلت قسمة الدين قبل القبض فإذا لم تتصور حقيقة القسمة في الدين لا في صورة الإبراء ولا في صورة التأخير بقي أصل النقض على حاله فتدبر . ( قوله : وكذا الصلح عليه عن جناية العمد )

قال في النهاية ومعراج الدراية : قيل : إنما قيد بجناية العمد ؛ لأن في جناية الخطأ يرجع، ولكن ذكر في الإيضاح مطلقا فقال: ولو شج الطالب والمطلوب موضحة فصالحه على حصته لم يلزمه لشريكه شيء؛ لأن الصلح عن الموضحة بمنزلة النكاح، انتهى. قال في العناية بعد ذكر ما فيها : وأرى أنه قيده بذلك ؛ لأن الأرش قد يلزم العاقلة فلم يكن مقتضيا لشيء، انتهى .

ورد عليه بعض الفضلاء ؛ حيث قال فيه: إن العاقلة لا تعقل صلحا على ما سيجيء، انتهى.

أقول: هذا ساقط جدا؛ لأن العاقلة إنما لا تعقل الأرش الذي يجب بالصلح وهو الذي يجيء في كتاب الديات، ولا يكون ذلك إلا في الصلح عن جناية العمد. وإنما مراد صاحب العناية هاهنا أن الأرش قد يلزم العاقلة بجناية الخطأ، ثم يصالح عنه على مال أعطاه الجاني، ففي مثله إذا وقع الصلح على نصيب الجاني من الدين المشترك لم يكن الجاني المصالح مقتضيا لشيء؛ إذ الأرش لم يلزمه حتى يكون مقتضيا له بل قد لزم العاقلة، فأين ما أراده ذلك الراد، ثم أقول : بقي كلام فيما قاله صاحب العناية .

أما أولا : فلأن القاتل يدخل مع العاقلة عندنا فيكون فيما يؤدي كأحدهم على ما يجيء في كتاب المعاقل فلم يتم قوله فلم يكن مقتضيا لشيء؛ إذ قد كان مقتضيا لقدر ما لزمه أن يؤديه مع العاقلة.

وأما ثانيا : فلأن ما ذكره إنما يقتضي إطلاق الجناية لا تقييدها بالعمد، فإن المصالح إذا لم يكن [ ص: 438 ] مقتضيا لشيء لزم أن لا يرجع شريكه عليه، كما في الصلح عن جناية العمد فلم يظهر للتقييد وجه فليتأمل .




الخدمات العلمية