الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

وفي الوجهين ضرر ببقية الورثة . والأوجه أن يقرضوا المصالح مقدار نصيبه ويصالحوا عما وراء الدين . [ ص: 443 ] ويحيلهم على استيفاء نصيبه من الغرماء ، ولو لم يكن في التركة دين، وأعيانها غير معلومة، والصلح على المكيل والموزون ، قيل: لا يجوز لاحتمال الربا ، وقيل: يجوز؛ لأنه شبهة الشبهة ، [ ص: 444 ] ولو كانت التركة غير المكيل والموزون لكنها أعيان غير معلومة قيل: لا يجوز لكونه بيعا إذ المصالح عنه عين والأصح أنه يجوز لأنها لا تفضي إلى المنازعة لقيام المصالح عنه في يد البقية من الورثة ، وإن كان على الميت دين مستغرق لا يجوز الصلح ولا القسمة  لأن التركة لم يتملكها الوارث ، وإن لم يكن مستغرقا لا ينبغي أن يصالحوا ما لم يقضوا دينه فتقدم حاجة الميت ، ولو فعلوا قالوا يجوز . وذكر الكرخي رحمه الله في القسمة أنها لا تجوز استحسانا وتجوز قياسا .

التالي السابق


فتح القدير

( قوله : وفي الوجهين ضرر ببقية الورثة ) لعدم رجوعهم على الغرماء ، كذا في الكفاية وشرح تاج الشريعة . وقالوا في سائر الشروح : أما في الوجه الأول فإن بقية الورثة لا يمكنهم الرجوع على الغرماء، وفي الوجه الثاني لزوم النقد عليهم بمقابلة الدين الذي هو نسيئة والنقد خير من النسيئة، انتهى.

قال بعض الفضلاء بعد نقل المعنى الأول عن الكفاية : هذا هو الحق ، لا ما في سائر الشروح من لزوم النقد بالنسيئة في الصورة الثانية؛ إذ لا نسيئة عند التبرع، فليتأمل، انتهى.

أقول: قد يكون التبرع في نفس المال بأن يعطيه على أن لا يأخذ عينه ولا بدله من بعد، وقد يكون في نقده وتعجيله بأن يعطيه في الحال عند عدم وجوب إعطائه عاجلا عليه، وهذا لا ينافي أن يأخذ عينه أو بدله في الآجل، فلما كان قول المصنف في الوجه الثاني: "متبرعين"، محتملا لكل واحدة من صورتي التبرع حمله بعض الشراح على الصورة الأولى لتبادرها، ففسر ضرر بقية الورثة في الوجهين معا بعدم رجوعهم على الغرماء، وحمله أكثر الشراح على الصورة الثانية لقلة الضرر فيها وتفاحش الضرر في الصورة الأولى، ففسروا الضرر في الوجهين بالمعنيين المختلفين، فقول ذلك القائل في الرد عليهم: "إذ لا نسيئة في التبرع"، ناشئ من [ ص: 443 ]

الغفول عن الصورة الثانية للتبرع . واعلم أن صدر الشريعة حمل هذا الوجه الثاني في شرح الوقاية على ما حمل عليه أكثر شراح هذا الكتاب ؛ حيث قال : والثانية أن بقية الورثة يؤدون إلى المصالح نصيبه نقدا ويحيل لهم حصته من الدين على الغرماء ، وفي هذا الوجه يتضرر بقية الورثة ؛ لأن النقد خير من الدين، انتهى .

ولكن خالف في توجيه الوجه الأول صاحب الهداية وشراح كتابه قاطبة وسائر المحققين كصاحب الكافي وغيره ؛ حيث قال : الحيلة الأول أن يشرطوا أن يبرئ المصالح الغرماء عن حصته من الدين ويصالح عن أعيان التركة بمال، وفي هذا الوجه فائدة لبقية الورثة؛ لأن المصالح لا يبقى له على الغرماء حق لا أن حصته تصير لهم، انتهى كلامه .

أقول : فيه بحث لأن ما ذكره إنما يفيد ثبوت الفائدة لغرماء لا لبقية الورثة .

فإن قيل : إذا لم يبق للمصالح على الغرماء حق يسهل للغرماء أداء حصص بقية الورثة فيحصل من هذه الجهة فائدة لبقية الورثة .

قلنا : إن حصل لهم فائدة من تلك الجهة يحصل لهم الضرر من جهة أن حصة المصالح لا تضير لهم لا أن حصته تصير لهم حجة عليه لا له، فلا وجه لذكره في تعليل فائدة بقية الورثة . ثم إن صاحب الإصلاح والإيضاح زاد في الطنبور نغمة ؛ حيث قال في هذا المقام: وفى هذا الوجه نوع ضرر لسائر الورثة ؛ حيث لا يمكنهم الرجوع على الغرماء بقدر نصيب المصالح ، ونوع نفع لهم ؛ حيث لا يبقى للمصالح حق على الغرماء فنقصان ذلك الضرر يجبر بهذا النفع . وقال في حاشيته : فيه دخل لصاحب الهداية ؛ حيث اعتبر الضرر المذكور ولم يعتبر النفع، ولصدر الشريعة ؛ حيث عكس، انتهى .

أقول : فيه أيضا بحث ؛ إذ لا يخفى على الفطن أن عدم تمكن سائر الورثة من الرجوع على الغرماء بقدر نصيب المصالح وضياع ذلك القدر من مال التركة بالكلية ضرر فاحش لهم لا ينجبر بمجرد أن لا يبقى للمصالح حق على الغرماء فإن النفع فيه لسائر الورثة أمر وهمي من جهة تأديه إلى سهولة أداء الغرماء حصص باقي الورثة، فأين هذا من ذاك ؟ فالحق ما ذكره صاحب الهداية .

( قوله : ولو لم يكن في التركة دين وأعيانها غير معلومة والصلح على المكيل والموزون. قيل: لا يجوز لاحتمال الربا ) . بين هذا في كثير من الشروح بأن كان له في التركة مكيل أو موزون ونصيبه من ذلك مثل بدل الصلح أو أقل ، وهكذا في الذخيرة أيضا .

أقول : فيه خلل ؛ لأن نصيبه من ذلك إذا كان أقل من بدل الصلح لا يلزم الربا ؛ إذ يكون نصيبه من ذلك حينئذ بمثله من بدل الصلح ، ويكون زيادة البدل بحقه من بقية التركة كم مر في الكتاب ، كما إذا كانت التركة فضة وذهبا وغير ذلك فصالحوه على ذهب أو فضة من أنه لا بد أن يكون ما أعطوه أكثر من نصيبه من ذلك الجنس حتى يكون نصيبه بمثله والزيادة بحقه من بقية التركة احترازا عن الربا . فالحق في البيان هاهنا أن يقال بأن كان في التركة مكيل أو موزون، ونصيبه من ذلك مثل بدل الصلح أو أكثر ولقد أصاب صاحب غاية البيان ؛ حيث علل قوله : لاحتمال الربا، بقوله: لأنه يجوز أن يكون في التركة كيلي أو وزني وبدل الصلح مثل نصيب المصالح من ذلك أو أقل؛ لأن ما زاد على بدل الصلح من نصيب المصالح يكون ربا، انتهى. فإنه اعتبر القلة في جانب بدل الصلح لا في جانب نصيب المصالح من ذلك على عكس ما اعتبره الآخرون ، وكأن صاحب الكافي تنبه أيضا لما ذكرناه من الخلل فاكتفى بذكر المثل ؛ حيث قال في تعليل هذا القليل : لاحتمال أن يكون في التركة مكيل أو موزون ونصيبه من ذلك مثل بدل الصلح فيكون ربا، انتهى .

واقتفى أثره صاحب معراج الدراية ، ولكن الأوجه أن يزاد عليه قيد أو أكثر، كما نبهنا عليه آنفا ؛ لأن فيه توسيع دائرة احتمال الربا، كما لا يخفى .

( قوله : وقيل: يجوز ؛ لأنه شبهة الشبهة ) لاحتمال أن لا يكون في التركة من ذلك الجنس وإن كان فيحتمل أن يكون نصيبه من ذلك أكثر مما أخذ أو أقل، ففيه شبهة الشبهة وليست بمعتبرة ، كذا في العناية ، وعلى هذا المنوال ذكر في الذخيرة وكثير من الشروح .

[ ص: 444 ] وكتب بعض الفضلاء على قول صاحب العناية : فيحتمل أن يكون نصيبه من ذلك أكثر أو أقل ، فيه بحث.

أقول : لعل مراده بالبحث أنه على تقدير أن يكون نصيبه أقل مما أخذه لا يلزم الربا لما بيناه فيما مر فلا وجه لذكره في أثناء بيان احتمال الربا، لكنه ساقط هاهنا ؛ لأن مراد صاحب العناية وغيره يحتمل أن يكون نصيبه من ذلك أكثر فيلزم الربا، أو أقل فلا يلزم الربا إلا أنه على كل تقدير يلزم الربا، فإنهم بصدد بيان شبهة الشبهة التي ليست بمعتبرة فلا بد لهم من بيان احتمال كل واحد من جانبي الصحة والفساد ؛ ألا ترى إلى قولهم: لاحتمال أن لا يكون في التركة من ذلك الجنس ، فإن هذا الاحتمال احتمال جانب الصحة قطعا . كيف ولو كان الاحتمال مقصورا على جانب الفساد لكان اللازم حقيقة الربا لا شبهة الربا، فضلا عن شبهة شبهته تأمل تقف .

ثم اعلم أن صاحب الإصلاح والإيضاح بعد ما بين الاختلاف في هذه المسألة على ما ذكر في الكتاب قال : ولقائل أن يقول : حق الجواب التفصيل بأن يقال: إن كان في التركة جنس بدل الصلح لا يجوز وإن لم يكن يجوز وإن لم يدر حال التركة فعلى الاختلاف، انتهى كلامه .

أقول : فيه نظر: أما أولا فلأنه لا احتياج هاهنا إلى ما ذكره من التفصيل أصلا ؛ إذ الشقان الأولان من تفصيله قد استغني عنهما بالمسألتين المذكورتين سابقا على الاستقلال : إحداهما قوله : وإن كانت التركة فضة وذهبا وغير ذلك فصالحوه على ذهب أو فضة... إلخ. وأخراهما قوله في أول الفصل : وإذا كانت التركة بين ورثة فأخرجوا أحدهم منها بمال أعطوه إياه والتركة عقار أو عروض، جاز قليلا كان ما أعطوه إياه أو كثيرا .

وأما ثانيا : فلأن التفصيل الذي ذكره لا يخلو عن اختلال ؛ لأن قوله : إن كان في التركة جنس بدل الصلح لا يجوز، لا يصح على إطلاقه، فإنه إذا كان في التركة جنس بدل الصلح ولكن كان ما أعطوه أكثر قدرا من نصيب المصالح من ذلك الجنس يجوز الصلح قطعا، كما مر مفصلا ومدللا . وكذا إذا كان في التركة جنس بدل الصلح ولكن كان فيها دراهم ودنانير وكان بدل الصلح دراهم ودنانير أيضا يجوز الصلح قطعا، كما مر أيضا مستوفى .

وأما ثالثا : فلأن مسألتنا هذه لا تقبل التفصيل المذكور جدا ؛ إذ قد اعتبر فيها كون أعيان التركة غير معلومة، فإن عبارة هذا الكتاب في هذه المسألة هكذا ، ولو لم يكن في التركة دين وأعيانها غير معلومة والصلح على المكيل والموزون قيل: لا يجوز، وقيل: يجوز. وعبارة [ ص: 445 ] الوقاية وكذا عبارة متن ذلك القائل في هذه المسألة هكذا . وفي صحة الصلح عن تركة جهلت على مكيل أو موزون اختلاف، انتهى .

فكيف يتصور في هذه الصورة التفصيل المزبور، فهلا هي منحصرة في الشق الثالث منه وهو ما لم يدر حال التركة ، فالجواب بالاختلاف لا غير على ما ذكر في الكتب المعتبرة عامة.




الخدمات العلمية