الهداية شرح بداية المبتدي
[ ص: 461 ] ( باب المضارب يضارب )
قال ( وإذا دفع المضارب المال إلى غيره مضاربة ولم يأذن له رب المال لم يضمن بالدفع ولا يتصرف المضارب الثاني حتى يربح ، فإذا ربح ضمن الأول لرب المال ) وهذا رواية الحسن عن أبي حنيفة . وقال أبو يوسف ومحمد : إذا عمل به ضمن ربح أو لم يربح ، وهذا ظاهر الرواية . وقال زفر رحمه الله : يضمن بالدفع عمل أو لم يعمل ، وهو رواية عن أبي يوسف رحمه الله لأن المملوك له الدفع على وجه الإيداع ، وهذا الدفع على وجه المضاربة .
ولهما أن الدفع إيداع حقيقة ، وإنما يتقرر كونه للمضاربة بالعمل فكان الحال مراعى قبله . ولأبي حنيفة [ ص: 462 ] أن الدفع قبل العمل إيداع وبعده إبضاع ، والفعلان يملكهما المضارب فلا يضمن بهما ، إلا أنه إذا ربح فقد أثبت له شركة في المال فيضمن كما لو خلطه بغيره ، وهذا إذا كانت المضاربة صحيحة ، فإن كانت فاسدة لا يضمنه الأول ، وإن عمل الثاني لأنه أجير فيه وله أجر مثله فلا تثبت الشركة به .
ثم ذكر في الكتاب يضمن الأول ولم يذكر الثاني . وقيل ينبغي أن لا يضمن الثاني عند أبي حنيفة رحمه الله وعندهما يضمن بناء على اختلافهم في مودع المودع . وقيل رب المال بالخيار إن شاء ضمن الأول وإن شاء ضمن الثاني بالإجماع [ ص: 463 ] وهو المشهور ، وهذا عندهما ظاهر وكذا عنده ، ووجه الفرق له بين هذه وبين مودع المودع أن المودع الثاني يقبضه لمنفعة الأول فلا يكون ضامنا ، أما المضارب الثاني يعمل فيه لنفع نفسه فجاز أن يكون ضامنا . ثم إن ضمن الأول صحت المضاربة بين الأول وبين الثاني وكان الربح بينهما على ما شرطا لأنه ظهر أنه ملكه بالضمان من حين خالف بالدفع إلى غيره لا على الوجه الذي رضي به فصار كما إذا دفع مال نفسه ، وإن ضمن الثاني رجع على الأول بالعقد لأنه عامل له كما في المودع ولأنه مغرور من جهته في ضمن العقد .
وتصح المضاربة والربح بينهما على ما شرطا لأن قرار الضمان على الأول فكأنه ضمنه ابتداء ، ويطيب الربح للثاني ولا يطيب للأعلى لأن الأسفل يستحقه بعمله ولا خبث في العمل ، والأعلى يستحقه بملكه المستند بأداء الضمان ولا يعرى عن نوع خبث .
قال ( فإذا دفع رب المال مضاربة بالنصف وأذن له بأن يدفعه إلى غيره فدفعه بالثلث وقد تصرف الثاني وربح ، فإن كان رب المال قال له على أن ما رزق الله فهو بيننا نصفان فلرب المال النصف وللمضارب الثاني الثلث وللمضارب الأول السدس ) لأن الدفع إلى الثاني مضاربة قد صح لوجود الأمر به من جهة المالك ورب المال شرط لنفسه نصف جميع ما رزق الله تعالى فلم يبق للأول إلا النصف فيتصرف تصرفه إلى نصيبه وقد جعل من ذلك بقدر ثلث الجميع للثاني فيكون له فلم يبق إلا السدس ، ويطيب لهما ذلك لأن فعل الثاني واقع للأول كمن استؤجر على خياطة ثوب بدرهم واستأجر غيره عليه بنصف [ ص: 464 ] درهم ( وإن كان قال له على أن ما رزقك الله فهو بيننا نصفان فللمضارب الثاني الثلث والباقي بين المضارب الأول ورب المال نصفان ) لأنه فوض إليه التصرف وجعل لنفسه نصف ما رزق الأول وقد رزق الثلثين فيكون بينهما ، بخلاف الأول لأنه جعل لنفسه نصف جميع الربح فافترقا ( ولو كان قال له فما ربحت من شيء فبيني وبينك نصفان وقد دفع إلى غيره بالنصف فللثاني النصف والباقي بين الأول ورب المال ) لأن الأول شرط للثاني نصف الربح وذلك مفوض إليه من جهة رب المال فيستحقه .
وقد جعل رب المال لنفسه نصف ما ربح الأول ولم يربح إلا النصف فيكون بينهما ( ولو كان قال له على أن ما رزق الله تعالى فلي نصفه أو قال فما كان من فضل فبيني وبينك نصفان وقد دفع إلى آخر مضاربة بالنصف فلرب المال النصف وللمضارب الثاني النصف ولا شيء للمضارب الأول )
لأنه جعل لنفسه نصف مطلق الفضل فينصرف شرط الأول النصف للثاني إلى جميع نصيبه فيكون للثاني بالشرط ويخرج الأول بغير شيء ، كمن استؤجر ليخيط ثوبا بدرهم فاستأجر غيره ليخيطه بمثله ( وإن شرط للمضارب الثاني ثلثي الربح فلرب المال النصف وللمضارب الثاني النصف ويضمن المضارب الأول للثاني سدس الربح في ماله ) لأنه شرط للثاني شيئا هو مستحق لرب المال فلم ينفذ في حقه لما فيه من الإبطال ، لكن التسمية في نفسها صحيحة لكون المسمى معلوما في عقد يملكه وقد ضمن له السلامة فيلزمه الوفاء به ، ولأنه غره في ضمن العقد وهو سبب الرجوع فلهذا يرجع عليه ، وهو نظير من استؤجر لخياطة ثوب بدرهم فدفعه إلى من يخيطه بدرهم ونصف .


