الهداية شرح بداية المبتدي
( فصل فيما يفعله المضارب )
[ ص: 472 ] قال ( ويجوز للمضارب أن يبيع بالنقد والنسيئة ) لأن كل ذلك من صنيع التجار فينتظمه إطلاق العقد إلا إذا باع إلى أجل لا يبيع التجار إليه لأن له الأمر العام المعروف بين الناس ، ولهذا كان له أن يشتري دابة للركوب ، وليس له أن يشتري سفينة للركوب ، وله أن يستكريها اعتبارا لعادة التجار ، وله أن يأذن لعبد المضاربة في التجارة في الرواية المشهورة لأنه من صنيع التجار .
ولو باع بالنقد ثم أخر الثمن جاز بالإجماع ، أما عندهما فلأن الوكيل يملك ذلك فالمضارب أولى ، إلا أن المضارب لا يضمن لأن له أن يقايل ثم يبيع نسيئة ، ولا كذلك الوكيل لأنه لا يملك ذلك .
وأما عند أبي يوسف فلأنه يملك الإقالة ثم البيع بالنساء . بخلاف الوكيل لأنه لا يملك الإقالة . ولو احتال بالثمن على الأيسر أو الأعسر جاز لأن الحوالة من عادة التجار ، بخلاف الوصي يحتال بمال اليتيم حيث يعتبر فيه الأنظر ، لأن تصرفه مقيد بشرط النظر ، والأصل أن ما يفعله المضارب ثلاثة أنواع : نوع يملكه بمطلق المضاربة وهو ما يكون من باب المضاربة وتوابعها وهو ما ذكرنا ، ومن جملته التوكيل بالبيع والشراء للحاجة إليه والرهن والارتهان لأنه إيفاء واستيفاء والإجارة والاستئجار والإيداع والإبضاع والمسافرة على ما ذكرناه من قبل .
ونوع لا يملكه بمطلق العقد ويملكه إذا قيل له اعمل برأيك ، وهو ما يحتمل أن يلحق به فيلحق عند وجود الدلالة ، وذلك مثل دفع المال مضاربة أو شركة إلى غيره وخلط مال [ ص: 473 ] المضاربة بماله أو بمال غيره لأن رب المال رضي بشركته لا بشركة غيره ، وهو أمر عارض لا يتوقف عليه التجارة فلا يدخل تحت مطلق العقد ولكنه جهة في التثمير ، فمن هذا الوجه يوافقه فيدخل فيه عند وجود الدلالة وقوله اعمل برأيك دلالة على ذلك .
ونوع لا يملكه بمطلق العقد ولا بقوله اعمل برأيك إلا أن ينص عليه رب المال وهو الاستدانة ، وهو أن يشتري بالدراهم والدنانير بعدما اشترى برأس المال السلعة وما أشبه ذلك لأنه يصير المال زائدا على ما انعقد عليه المضاربة ولا يرضى به ولا يشغل ذمته بالدين ، ولو أذن له رب المال بالاستدانة صار المشترى بينهما نصفين بمنزلة شركة الوجوه وأخذ السفاتج لأنه نوع من الاستدانة ، وكذا إعطاؤها لأنه إقراض والعتق بمال وبغير مال والكتابة لأنه ليس بتجارة والإقراض والهبة والصدقة لأنه تبرع محض .
قال ( ولا يزوج عبدا ولا أمة من مال المضاربة ) وعن أبي يوسف أنه يزوج الأمة لأنه من باب الاكتساب ؛ ألا ترى أنه يستفيد به المهر وسقوط النفقة . ولهما أنه ليس بتجارة والعقد لا يتضمن إلا التوكيل بالتجارة وصار كالكتابة والإعتاق على مال فإنه اكتساب ، ولكن لما لم يكن تجارة لا يدخل تحت المضاربة فكذا هذا .
قال ( فإن دفع شيئا من مال المضاربة إلى رب المال بضاعة فاشترى رب المال وباع فهو على المضاربة ) [ ص: 474 ]


