الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

( فصل آخر )

قال ( فإن كان معه ألف بالنصف فاشترى بها بزا فباعه بألفين ثم اشترى بالألفين عبدا فلم ينقدهما حتى [ ص: 478 ] ضاعا  يغرم رب المال ألفا وخمسمائة والمضارب خمسمائة ويكون ربع العبد للمضارب وثلاثة أرباعه على المضاربة ) قال : هذا الذي ذكره حاصل الجواب ، لأن الثمن كله على المضارب إذ هو العاقد ، إلا أن له حق الرجوع على رب المال بألف وخمسمائة على ما نبين فيكون عليه في الأجرة .

ووجهه أنه لما نض المال ظهر الربح وله منه وهو خمسمائة ، فإذا اشترى بالألفين عبدا صار مشتريا ربعه لنفسه وثلاثة أرباعه للمضاربة على حسب انقسام الألفين ، وإذا ضاعت الألفان وجب عليه الثمن لما بيناه ، وله الرجوع بثلاثة أرباع الثمن على رب المال لأنه وكيل من جهته فيه ويخرج نصيب المضارب وهو الربع من المضاربة لأنه مضمون عليه ومال المضاربة أمانة وبينهما منافاة ويبقى ثلاثة أرباع العبد على المضاربة لأنه ليس فيه ما ينافي المضاربة ( ويكون رأس المال ألفين وخمسمائة ) لأنه دفع مرة ألفا ومرة ألفا وخمسمائة ( ولا يبيعه مرابحة إلا على ألفين ) لأنه اشتراه بألفين ، ويظهر ذلك فيما إذا بيع العبد بأربعة آلاف فحصة المضاربة ثلاثة آلاف يرفع رأس المال ويبقى خمسمائة ربح بينهما .

قال: ( وإن كان معه ألف فاشترى رب المال عبدا بخمسمائة وباعه إياه بألف  فإنه يبيعه مرابحة على خمسمائة ) لأن هذا البيع مقضي بجوازه لتغاير المقاصد دفعا للحاجة وإن كان بيع ملكه بملكه إلا أن فيه شبهة العدم ، ومبنى المرابحة على الأمانة والاحتراز عن شبهة الخيانة فاعتبر أقل الثمنين ، ولو اشترى المضارب عبدا بألف وباعه من رب المال بألف ومائتين باعه مرابحة بألف ومائة لأنه اعتبر عدما في حق نصف الربح وهو نصيب رب المال وقد مر في البيوع .

قال: ( فإن كان معه ألف بالنصف فاشترى بها عبدا قيمته ألفان فقتل العبد رجلا خطأ  فثلاثة أرباع الفداء على رب المال وربعه على المضارب ) لأن الفداء مؤنة الملك فيتقدر بقدر الملك وقد كان الملك بينهما أرباعا ، لأنه لما صار المال عينا [ ص: 479 ] واحدا ظهر الربح وهو ألف بينهما وألف لرب المال برأس ماله لأن قيمته ألفان ، وإذا فديا خرج العبد عن المضاربة ، أما نصيب المضارب فلما بيناه ، وأما نصيب رب المال فلقضاء القاضي بانقسام الفداء عليهما لما أنه يتضمن قسمة العبد بينهما والمضاربة تنتهي بالقسمة ، بخلاف ما تقدم لأن جميع الثمن فيه على المضارب وإن كان له حق الرجوع فلا حاجة إلى القسمة ، ولأن العبد كالزائل عن ملكهما بالجناية ، ودفع الفداء كابتداء الشراء فيكون العبد بينهما أرباعا لا على المضاربة يخدم المضارب يوما ورب المال ثلاثة أيام ، بخلاف ما تقدم

قال: ( فإن كان معه ألف فاشترى بها عبدا فلم ينقدها حتى هلكت  يدفع رب المال ذلك الثمن ورأس المال جميع ما يدفع إليه رب المال ) لأن المال أمانة في يده ولا يصير مستوفيا ، والاستيفاء إنما يكون بقبض مضمون وحكم الأمانة ينافيه فيرجع مرة بعد أخرى ، بخلاف الوكيل إذا كان الثمن مدفوعا إليه قبل الشراء وهلك بعد الشراء حيث لا يرجع إلا مرة لأنه أمكن جعله .مستوفيا ، لأن الوكالة تجامع الضمان كالغاصب إذا توكل ببيع المغصوب ، [ ص: 480 ] ثم في الوكالة في هذه الصورة يرجع مرة ، وفيما إذا اشترى ثم دفع الموكل إليه المال فهلك لا يرجع لأنه ثبت له حق الرجوع بنفس الشراء فجعل مستوفيا بالقبض بعده ، أما المدفوع إليه قبل الشراء أمانة في يده وهو قائم على الأمانة بعده فلم يصر مستوفيا ، فإذا هلك رجع عليه مرة ثم لا يرجع لوقوع الاستيفاء على ما مر

التالي السابق


( قوله : وكذا إذا عمل في بيت المستأجر لا يستوجب الأجر قبل الفراغ لما بينا ) قال صاحب النهاية : هذا وقع مخالفا لعامة روايات الكتب من المبسوط ومبسوط شيخ الإسلام ، والذخيرة ، والمغني وشرح الجامع الصغير لفخر الإسلام وقاضي خان والتمرتاشي والفوائد الظهيرية ، فإنه ذكر في المبسوط في باب من استأجر أجيرا يعمل له في بيته . وقالوا : لو استأجر خياطا يخيط له في بيت المستأجر قميصا وخاط بعضه فسرق الثوب فله الأجر بقدر ما خاط ، فإن كل جزء من العمل يصير مسلما إلى صاحب الثوب بالفراغ منه ، ولا يتوقف التسليم في ذلك الجزء على حصول كمال المقصود .

وذكر في الفصل الثاني من الذخيرة وفي الإجارة التي تنعقد على العمل ويبقى له أثر في العين لا يجب عليه أيضا الأجر إلا بعد إيفاء العمل كله ، إلا أن يكون العمل للخياط ، والصباغ في بيت صاحب المال حينئذ يكون الجواب فيه كالجواب في الجمال على قوله الآخر يجب على المؤاجر إيفاء الأجر بقدر ما استوفى من المنفعة إذا كان له حصة معلومة من الأجر كما في الجمال . وذكر الإمام قاضي خان : ولهذا لو استأجر خياطا ; ليخيط له في منزله كلما عمل عملا يستحق الأجرة بقدره ، وهكذا أيضا في غيرها . ولكن نقل في التجريد أن الحكم قد ذكر فيه كما ذكر في الكتاب فيحتمل أن المصنف تبع صاحب التجريد أبا الفضل الكرماني في هذا الحكم ، والله سبحانه وتعالى أعلم بما هو الحق عنده . إلى هنا لفظ صاحب النهاية .

وقال صاحب العناية بعد نقل ما في النهاية : وأقول كلام صاحب الذخيرة على ما نقله يدل على أن استحقاق بعض الأجرة إنما هو إذا كان له حصة معلومة . وأرى أن ذلك إنما يكون إذا عينا لكل جزء حصة معلومة ، إذ ليس للكم مثلا أو للبدن أو للدوامل حصة معلومة من كل الثوب عادة فلم تكن الحصة معلومة إلا بتعيينهما وحينئذ يصير كل جزء بمنزلة ثوب على حدة بأجرة معلومة قد فرغ من عمله فيستوجب أجرة كما في كل الثوب ، ولعل هذا معتمد المصنف . ا هـ كلامه . أقول : ليس ما قاله بشيء ، أما أولا فلأنا لا نسلم ما يدل عليه كلام صاحب الذخيرة من أن استحقاق بعض الأجرة إنما هو إذا كان له حصة معلومة إنما يكون إذا عينا [ ص: 75 ] لكل جزء حصة معلومة ، بل يكون أيضا إذا كان له حصة معلومة عند أهل الخبرة بتوزيع أجرة الكل على كل جزء منه بدون تعيين المتعاقدين لكل جزء منه حصة معلومة ، بل هو مراد صاحب الذخيرة كما سيتضح بما سنذكره . وقوله إذ ليس للكم أو للبدن أو للدوامل حصة معلومة من كل الثوب عادة فممنوع أيضا . نعم ليس بشيء أيضا من ذلك حصة معينة في العقد عادة ، وهذا لا ينافي أن يكون حصة كل منها معلومة بتوزيع أجرة الكل على الأجزاء كما لا يخفى . وأما ثانيا فلأنه لو كان مراد صاحب الذخيرة بما إذا كانت له حصة معلومة ما إذا عينا له حصة معلومة وصار حينئذ كل جزء بمنزلة ثوب على حدة بأجرة معلومة قد فرغ من عمله فاستوجب أجره كما في كل الثوب لزم أن لا يكون فرق بين ما إذا كان عمل الخياط أو الصباغ في بيت نفسه وبين ما إذا كان عمله في بيت صاحب المال في وجوب إيفاء الأجر ، إذ لا كلام لأحد في وجوب إيفاء الأجر بعد الفراغ .

وقد فرق صاحب الذخيرة بينهما حيث قال : وفي الإجارة التي تنعقد على العمل ويبقى له أثر في العين فإنه لا يجب عليه إيفاء الأجر إلا بعد إيفاء العمل كله ، وإن كانت حصة ما استوفى معلومة ، إلا أن يكون العمل للخياط ، والصباغ في بيت صاحب المال فحينئذ يجب على المستأجر إيفاء الأجر بقدر ما استوفى من المنفعة إذا كانت له حصة معلومة من الأجر كما في الجمال . انتهى . وأما ثالثا فلأنه لا معنى لقوله ولعل هذا معتمد المصنف ; لأن ما ذكره المصنف مخالف قطعا لمنطوق ما في الذخيرة وهو وجوب إيفاء الأجر على المستأجر بقدر ما استوفى من المنفعة إذا كان العمل في بيته ، وليس بمطابق أيضا لمفهوم قوله إذا كانت له حصة معلومة من الأجر وهو أن لا يجب عليه أجر أصلا إذا لم يكن لما استوفى من المنفعة حصة معلومة من الأجر ; لأن مدلول كلام المصنف أن لا يجب عليه الأجر مطلقا : أي سواء كانت له حصة معلومة من الأجر أو لا ، فإنه قال : وكذا إذا عمل في بيت المستأجر لا يستوجب الأجر قبل الفراغ ، وكان فيما إذا عمل في غير بيت المستأجر لا يجب الأجر مطلقا قبل الفراغ بلا خلاف ، فدل قوله : وكذا إذا عمل في بيت المستأجر لا يستوجب الأجر قبل الفراغ بلا خلاف على أن لا يجب عليه الأجر مطلقا قبل الفراغ فيما إذا عمل في بيته أيضا ، ولأنه قال لما بينا ، ومراده به على ما صرح به الشراح قاطبة هو قوله : لأن العمل في البعض غير منتفع به ، ولا شك أن ذلك يقتضي أن لا يستوجب الأجر قبل الفراغ مطلقا ، فأنى يصلح ما في الذخيرة ; لأن يكون معتمد المصنف في كلامه المذكور ، ولعمري إن جملة ما ذكره صاحب العناية هاهنا موهوم محض ، فكيف ينبغي أن يصار إلى مثله في توجيه كلام المصنف وهو علم التحقيق وعالم التدقيق .

ثم إن بعض الفضلاء كأنه قصد دفع الوجه الثاني من الوجوه الثلاثة التي ذكرناها آنفا لاختلال رأي الشارح المزبور هاهنا حيث قال في حاشيته على قول ذلك الشارح : وحينئذ يصير كل جزء بمنزلة ثوب على حدة إلخ . وجه الفرق على هذا بين ذلك وبين ما إذا خاط في غير بيت المستأجر أنه إذا خاط في بيته يجب التسليم إذا فرغ من عمل ذلك البعض فيستوجب الأجر ، بخلاف ما إذا خاط في غيره وقال فيه بحث ، فإن استيجاب الأجر بالفراغ لا بالتسليم . ثم قال : وجوابه ظاهر ، فإنه لو هلك قبل التسليم لا يستوجب أجرا . ا هـ كلامه .

أقول : جوابه عن بحثه ليس بتام إذ لا شك أن استيجاب الأجر يتحقق بالفراغ ، ولهذا لو حبس الخياط أو الصباغ الثوب بعد الفراغ من العمل وقال لا أعطيكه حتى تعطيني الأجر فله ذلك عند أئمتنا الثلاثة ، كما أن للبائع أن يحبس المبيع لقبض الثمن ، صرح بذلك في الذخيرة [ ص: 76 ] وعامة المعتبرات ، وسيأتي في الكتاب ، إلا أنه لو هلك المتاع قبل تسليم الخياط أو الصباغ إياه إلى صاحبه ولو بعد الفراغ من العمل سقط الأجر ، كما أنه لو هلك المبيع قبل تسليم البائع إياه إلى المشتري سقط الثمن فكان ابتداء تحقق استيجاب الأجر في استئجار نحو القصار ، والخياط بالفراغ من العمل ، وإن كان بقاؤه وتقرره بتسليم المتاع إلى صاحبه كما أن ابتداء تحقق استحقاق الثمن في المبيع بتمام العقد وإن كان بقاؤه وتقرره بتسليم المبيع إلى المشتري ، والكلام هاهنا في ابتداء تحقيق استيجاب الأجر ، ولهذا قال في الكتاب : وليس للقصار ، والخياط أن يطالب بأجرة حتى يفرغ من العمل ، ولم يقل حتى يسلم المتاع إلى صاحبه ، فلا بد في اندفاع الوجه الثاني من الوجوه التي أوردناها على رأي صاحب العناية من ثبوت الفرق بين ما إذا عمل في بيت المستأجر ، وبين ما إذا عمل في غير بيته من جهة تحقق الفراغ من العمل وعدم تحققه وليس فليس فتأمل ترشد .

( قوله : من استأجر خبازا ليخبز له في بيته قفيزا من دقيق بدرهم لم يستحق الأجر حتى يخرج الخبز من التنور ) قال في العناية : ذكر هذا [ ص: 77 ] لبيان حكمين : أحدهما أن الأجير المشترك لا يستحق الأجرة حتى يفرغ من عمله ، وقد علم ذلك من مسألة الخياط آنفا .

والثاني أن فراغ العمل بماذا يكون . ا هـ . أقول : فيه شيء ، وهو أنه إذا علم من مسألة الخياط آنفا أن الأجير المشترك لا يستحق الأجرة حتى يفرغ من عمله يصير بيان ذلك هاهنا تحصيل الحاصل فلا ينبغي أن يقصده العاقل . فالوجه أن المقصود من ذكر هذه المسألة إنما هو بيان الحكم الثاني وهو أن الفراغ من العمل في الخباز بماذا يكون ويرشد إليه أنه قال : لم يستحق الأجر حتى يخرج الخبز [ ص: 78 ] من التنور ، ولم يقل حتى يفرغ من العمل بإخراج الخبز من التنور ، ولو كان مراده بيان الحكمين معا لقال هكذا تدبر .




الخدمات العلمية