الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

باب ضمان الأجير قال : ( الأجراء على ضربين : أجير مشترك ، وأجير خاص . [ ص: 121 ] فالمشترك من لا يستحق الأجرة حتى يعمل كالصباغ والقصار ) ; لأن المعقود عليه إذا كان هو العمل أو أثره كان له أن يعمل للعامة ; لأن منافعه لم تصر مستحقة لواحد ، [ ص: 122 ] فمن هذا الوجه يسمى مشتركا .

قال ( والمتاع أمانة في يده إن هلك  لم يضمن شيئا عند أبي حنيفة رحمه الله ، وهو قول زفر ، ويضمنه عندهما إلا من شيء غالب كالحريق الغالب والعدو المكابر ) لهما ما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما كانا يضمنان الأجير المشترك ; ولأن الحفظ مستحق عليه إذ لا يمكنه العمل إلا به ، فإذا هلك بسبب يمكن الاحتراز عنه كالغصب والسرقة كان التقصير من جهته فيضمنه كالوديعة إذا كانت بأجر ، بخلاف ما لا يمكن الاحتراز عنه كالموت حتف أنفه والحريق الغالب وغيره ; لأنه لا تقصير من جهته . ولأبي حنيفة رحمه الله أن العين أمانة في يده ; لأن القبض حصل بإذنه ، ولهذا لو هلك بسبب لا يمكن التحرز عنه لم يضمنه ، ولو كان مضمونا لضمنه كما في المغصوب ، والحفظ مستحق عليه تبعا لا مقصودا ولهذا لا يقابله الأجر ، بخلاف المودع بأجر ; لأن الحفظ مستحق عليه مقصودا حتى يقابله الأجر .

قال : ( وما تلف بعمله ، فتخريق الثوب من دقه وزلق الحمال وانقطاع الحبل الذي يشد به المكاري الحمل [ ص: 123 ] وغرق السفينة من مده مضمون عليه ) . وقال زفر والشافعي رحمهما الله : لا ضمان عليه ; لأنه أمره بالفعل مطلقا فينتظمه بنوعيه المعيب والسليم وصار كأجير الوحد ومعين القصار . [ ص: 124 ] [ ص: 125 ] ولنا أن الداخل تحت الإذن ما هو الداخل تحت العقد وهو العمل المصلح ; لأنه هو الوسيلة إلى الأثر وهو المعقود عليه حقيقة ، حتى لو حصل بفعل الغير يجب الأجر فلم يكن المفسد مأذونا فيه [ ص: 126 ] بخلاف المعين ; لأنه متبرع فلا يمكن تقييده بالمصلح ; لأنه يمتنع عن التبرع ، وفيما نحن فيه يعمل بالأجر فأمكن تقييده .

وبخلاف أجير الوحد على ما نذكره إن شاء الله تعالى وانقطاع الحبل من قلة اهتمامه فكان من صنيعه قال : ( إلا أنه لا يضمن به بني آدم ممن غرق في السفينة أو سقط من الدابة وإن كان بسوقه وقوده   ) ; لأن الواجب ضمان الآدمي . وأنه لا يجب بالعقد . وإنما يجب بالجناية ولهذا يجب على العاقلة ، وضمان العقود [ ص: 127 ] لا تتحمله العاقلة . قال : ( وإذا استأجر من يحمل له دنا من الفرات فوقع في بعض الطريق فانكسر  ، فإن شاء ضمنه قيمته في المكان الذي حمله ولا أجر له ، وإن شاء ضمنه قيمته في الموضع الذي انكسر وأعطاه الأجر بحسابه ) أما الضمان فلما قلنا ، والسقوط بالعثار أو بانقطاع الحبل وكل ذلك من صنيعه ، وأما الخيار فلأنه إذا انكسر في الطريق ، والحمل شيء واحد تبين أنه وقع تعديا من الابتداء من هذا الوجه .

وله وجه آخر وهو أن ابتداء الحمل حصل بإذنه فلم يكن تعديا ، وإنما صار تعديا عند الكسر فيميل إلى أي الوجهين شاء ، وفي الوجه الثاني له الأجر بقدر ما استوفى ، وفي الوجه الأول لا أجر له ; لأنه ما استوفى أصلا .

التالي السابق


( قوله وهي أولى بذلك من الأجنبي ) يعني أن هذا العقد على هذا الوجه يجوز في حق الأجنبي ، فلأن يجوز في حق ولدها أولى لأن ولدها أقرب إليها من الأجنبي ، كذا في الشروح .

قال صاحب العناية بعد أن ذكر ذلك : وأقول لعله إشارة إلى ما ذهب إليه بعض المشايخ أن ثبوت الجواز هاهنا قياس واستحسان ، لأن الولد تابع لها ، بخلاف الأجنبي وأرى أنه الحق ا هـ .

وأنا أقول : أرى أن الحق خلافه ، وهو أن يكون ثبوت الجواز هاهنا أيضا على وجه الاستحسان دون القياس كما يدل عليه ما ذكره الإمام قاضي خان في شرح الجامع الصغير ، وما ذكره صاحب الكافي وبعض من شراح هذا الكتاب ، وذلك لأن من ذهب إلى أن ثبوت الجواز هاهنا على وجه القياس والاستحسان إن أراد بوجه القياس هاهنا كون الولد تابعا للأم في الكتابة مطلقا كما هو الظاهر من قول صاحب العناية لأن الولد تابع لها ، بخلاف الأجنبي فليس بتام ، لأن تبعية الولد للأم في الكتابة مطلقا إنما تكون في الولد الذي ولدته في حال الكتابة والولد الذي اشترته في حال الكتابة لا في الولد الذي ولدته قبل الكتابة كما لا يخفى على من أحاط بمسائل كتاب المكاتب خبرا . ولا شك أن وضع مسألتنا هذه في كتابة الأمة عن نفسها وعن ابنين لها مولودين قبل الكتابة فلا يتصور هاهنا التبعية المطلقة ، وأما التبعية الحاصلة بالضم إليها في عقد الكتابة فمثل هذه التبعية متحققة في المسألة الأولى أيضا بلا تفاوت كما صرح به المصنف هناك .

وقال هاهنا لأنها جعلت [ ص: 197 ] نفسها أصلا في الكتابة وأولادها تبعا على ما بينا في المسألة الأولى ا هـ مع أن ثبوت الجواز هناك على وجه الاستحسان دون القياس بالاتفاق ، وإن أراد بوجه القياس هاهنا ثبوت ولاية المكاتبة على أولادها كثبوتها على نفسها فليس بصحيح ، إذ قد صرحوا قاطبة بأن الأم الحرة لا ولاية لها على أولادها فكيف بالأمة ، وقالوا : هذا هو السر في وضع هذه المسألة في الأمة .

إذ لو وضعها في العبد لربما توهم أن الجواز لثبوت ولاية الأب عليهما فلا يعلم تساوي العبد والأمة في حكم هذه المسألة .




الخدمات العلمية