الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

قال : ( والأجير الخاص الذي يستحق الأجرة بتسليم نفسه في المدة  وإن لم يعمل كمن استؤجر شهرا للخدمة أو لرعي الغنم ) وإنما سمي [ ص: 129 ] أجير وحد ; لأنه لا يمكنه أن يعمل لغيره ; لأن منافعه في المدة صارت مستحقة له والأجر مقابل بالمنافع ، ولهذا يبقى الأجر مستحقا ، وإن نقض العمل .

التالي السابق


( قوله ويضمن شريكه كمال العقر وقيمة الولد ) قيل ينبغي أن لا يضمن شريكه قيمة الولد عند أبي حنيفة رحمه الله لأن حكم ولد أم الولد حكم أمه ، ولا قيمة لأم الولد عنده فكذا لابنها . وأجيب بأن هذا على قولهما .

وأما على قوله فليس عليه ضمان قيمة الولد . قال صاحب العناية بعد ذكر ذاك السؤال : وهذا الجواب وليس بشيء . أقول : يعني أن هذا الجواب ليس بشيء لأن ما ذكره المصنف فيما سيأتي بقوله وهذا الذي ذكرناه كله قول أبي حنيفة ينافي هذا الجواب قطعا .

ثم قال صاحب العناية : وقيل عن أبي حنيفة في تقوم أم الولد روايتان ، فيكون الولد متقوما على إحداهما فكان حرا بالقيمة انتهى .

وقال بعض الفضلاء : [ ص: 200 ] هذا مخالف لما أسلفه الشارح في باب البيع الفاسد من أن الروايتين في حق المدبر ، وأما في حق أم الولد فاتفقت الروايات عن أبي حنيفة أنه لا يضمن بالبيع والغصب لأنه لا تقوم لماليتها انتهى . أقول : لا ضير في مخالفة ما ذكر في هذا الجواب الثاني لما أسلفه صاحب العناية في باب البيع الفاسد ، فإنه وإن أسلفه هناك تبعا لصاحب النهاية إلا أن المصنف صرح هناك بتحقق الرواية عن أبي حنيفة رحمه الله في تقوم أم الولد أيضا حيث قال : وإن ماتت أم الولد والمدبر في يد المشتري فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة رحمه الله ، وقالا : عليه قيمتها وهو رواية عنه انتهى .

والمجيب بهذا الجواب الثاني إنما هو تاج الشريعة وصاحب الكفاية وهما لم يذكرا في باب البيع الفاسد عدم تحقق الروايتين عن أبي حنيفة في حق أم الولد ، وأما صاحب العناية فليس بمجيب بهذا الجواب من عند نفسه بل هو ناقل محض فلا ينافي ما اختاره هناك ( قوله وبخلاف بيع المكاتب إلخ ) هذا جواب عما يقال [ ص: 201 ] هلا قلتم بفسخ الكتابة ضمانا لصحة البيع فيما إذا بيع المكاتب كما قلتم بفسخ الكتابة ضمانا لصحة الاستيلاد ؟ ووجه الجواب أن في تجوز البيع إبطال الكتابة ، إذ المشتري لا يرضى ببقائه مكاتبا ، ولو أبطلناها تضرر به المكاتب ، وفسخ الكتابة فيما يتضرر به المكاتب لا يصح ، هذا ما عليه جمهور الشراح في حمل مراد المصنف بكلامه هذا عليه .

وقد ذكر هذا السؤال والجواب صراحة في الكافي بفإن قيل . قلنا : ثم إن صاحب العناية بعد أن ذكر هذا المعنى لكلام المصنف هذا بقيل قال : ويجوز أن يكون بيانا لقوله وتبقى الكتابة فيما وراءه فإن البيع ما لا يتضرر به فإن المكاتب يتضرر به فتبقى الكتابة كما كانت انتهى .

أقول : لا يخفى على من له ذوق صحيح ما فيه من الركاكة من جهة اللفظ ومن جهة المعنى فليتفكر . وقال بعض الفضلاء : قول المصنف هذا جواب عندي عن قياس أبي حنيفة نقل المكاتبة المفروضة من ملك الثاني إلى ملك الأول على بيعها . ووجهه أن في النقل لا تنفسخ [ ص: 202 ] الكتابة مطلقا كما فصل بخلاف البيع ، إلى هنا كلامه .

أقول : أنت خبير بأن القياس الذي ذكره لم يقع من أبي حنيفة قط فكيف يكون هذا جوابا عن ذاك ( قوله ويضمن الأول لشريكه في قياس قول أبي يوسف نصف قيمتها مكاتبة ، إلى قوله : فللتردد بينهما يجب أقلهما ) قال صاحب العناية في شرح هذا المقام : إذا كاتب الرجلان مشتركا بينهما كتابة واحدة ثم أعتق أحدهما نصيبه يضمن المعتق لشريكه نصف قيمته مكاتبا عند أبي يوسف موسرا كان أو معسرا ، لأنه ضمان التملك وهو لا يختلف باليسار والإعسار ، وعند محمد يضمن الأقل من نصف قيمته مكاتبا ومن نصف ما بقي من بدل الكتابة ، لأن حق شريكه في نصف الرقبة على اعتبار العجز وفي نصف البدل على اعتبار الأداء ، فللتردد بينهما يجب أقلهما لأنه متيقن .

قال صدر الإسلام : لأنه لو بقي من البدل درهم يكون حصته نصف درهم وقد تملكها أحدهما بالاستيلاد فيستحيل أن يجب عليه نصف القيمة وهو خمسمائة إذا كانت قيمتها ألف درهم وقد وصل إليه جميع بدل نصيبه من هذه الرقبة إلا نصف درهم فلهذا أوجبنا الأقل ، هذا قولهما في المكاتب المشترك إذا أعتق أحدهما نصيبه ، وعلى هذا القياس قولهما فيما نحن فيه ، فعلى قياس قول أبي يوسف يضمن الأول لشريكه نصف قيمتها مكاتبة ، وعلى قياس قول محمد يضمن الأول الأقل من نصف قيمتها مكاتبة ومن نصف ما بقي من البدل ، والوجه قد ذكرناه ، إلى هنا كلام صاحب العناية . أقول : هذا شرح فاسد وتحرير مختل .

أما أولا فلأن قوله إذا كاتب الرجلان عبدا مشتركا بينهما كتابة واحدة ثم أعتق أحدهما نصيبه يضمن المعتق لشريكه نصف قيمته مكاتبا عند أبي يوسف موسرا كان أو معسرا خبط فاحش ، إذ قد صرح في عامة المعتبرات حتى الهداية نفسها فيما سيأتي بعد نصف صفحة بأن قول أبي يوسف في تلك المسألة أن يضمن الساكت المعتق قيمة نصيبه مكاتبا إن كان موسرا [ ص: 203 ] ويستسعى العبد إن كان معسرا بناء على أنه ضمان إعتاق فيختلف باليسار والإعسار .

ومن العجائب قول صاحب العناية في الاستدلال على قول أبي يوسف في تلك المسألة لأنه ضمان التملك وهو لا يختلف باليسار والإعسار ، إذ لا يشتبه على أحد أن ضمان الإعتاق ضمان إفساد التملك لا ضمان التملك ، أو لم ير قول صاحب الكفاية بصدد شرح قول المصنف هنا لأنه ضمان تملك فأما إذا أعتقها أحدهما أولا كان هذا ضمان إفساد الملك .

وأما ثانيا فلأن قوله هذا قولهما في المكاتب المشترك إذا أعتق أحدهما نصيبه يدل على أن ما ذكره فيما قبل بأسره كان في حق المكاتب المشترك إذا أعتق أحدهما نصيبه مع أن ما نقله عن صدر الإسلام فيما قبل صريح في أنه في حق المكاتبة المشتركة إذا تملكها أحدهما بالاستيلاد .

وأما ثالثا فلأنه صرف القياس في كلام المصنف هذا إلى قول أبي يوسف ومحمد معا حيث قال : وعلى هذا القياس قولهما فيما نحن فيه . فعلى قياس قولي أبي يوسف يضمن الأول لشريكه نصف قيمتها مكاتبة ، وعلى قياس قول محمد يضمن الأقل من نصف قيمتها مكاتبة ومن نصف ما بقي من البدل انتهى .

مع أن كلام المصنف في المقيس عليه وهو مسألة الإعتاق على ما سيأتي صريح في أن محمدا مع أبي يوسف هناك في أن يضمن الساكت المعتق قيمة نصيبه مكاتبا إذا كان موسرا دون الأقل منها ومن نصف ما بقي من البدل ، فكيف يتم القياس على قول محمد رحمه الله ، نعم يجوز أن يكون عن محمد روايتان في مسألة إعتاق أحد الشريكين المكاتب المشترك بينهما إحداهما ما ذكره المصنف فيما سيأتي ، والأخرى ما يوافقه قياس ما ذكره في مسألة الاستيلاد ، ويدل عليه ما ذكر في بعض الكتب المعتبرة كالكافي والبدائع ، فإن المذكور فيهما في مسألة الإعتاق على قول محمد هو الرواية الأخرى وهي ضمان الأقل من نصف القيمة ومن نصف ما بقي من بدل الكتابة ، لكن كلامنا في عدم مساعدة كلام المصنف نفسه لصرف القياس الذي أقحمه في لفظ الجامع الصغير هاهنا إلى قولهما معا .

ثم أقول : الوجه عندي أن يكون مراد المصنف هاهنا أن قول أبي يوسف فيما نحن فيه من مسألة الاستيلاد على قياس قوله في مسألة الإعتاق .

وأما قول محمد فيه فعلى خلاف قوله في تلك المسألة : يرشدك إلى هذا المعنى قطعا أسلوب تحرير المصنف حيث قال في قياس قول أبي يوسف : وفي قول محمد بزيادة لفظ قياس في الأول وحذفه في الثاني تدبر ترشد ( قوله وهذا قولهم جميعا ) لأن الاختلاف مع بقاء الكتابة وهاهنا ما بقيت لأنه لما استولدها الأول ملك نصف شريكه ولم يبق ملك للمدبر فيها فلا يصح تدبيره ، كذا في العناية وغيرها .

قال بعض الفضلاء فيه : أنه [ ص: 204 ] ينبغي أن يملكها عند محمد بالأقل من نصف القيمة ونصف بدل الكتابة فليتأمل انتهى .

أقول : يمكن الفرق بأن وجه قول محمد بالأقل من نصف القيمة ونصف بدل الكتابة فيما إذا بقيت الكتابة وهو أن حق شريكه في نصف الرقبة على اعتبار العجز وفي نصف البدل على اعتبار الأداء فللتردد بينهما يجب أقلهما .

وهذا الوجه غير متمش فيما إذا لم يبق الكتابة لأن كون حق شريكه [ ص: 205 ] في نصف البدل على اعتبار الأداء إنما يتصور عند بقاء الكتابة ، وأما بعد زوالها فيصير ما أدته إلى شريكه بمنزلة العدم كما هو الحال في كل مكاتب عجز عن أداء تمام البدل فانفسخت الكتابة فحينئذ يتعين حق شريكه في نصف الرقبة فيضمن نصف قيمتها بالاتفاق فليتأمل انتهى .




الخدمات العلمية