الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

[ ص: 130 ] باب الإجارة على أحد الشرطين ( وإذا قال للخياط إن خطت هذا الثوب فارسيا فبدرهم ، وإن خطته روميا فبدرهمين  جاز ، وأي عمل من هذين العملين عمل استحق الأجر به ) وكذا إذا قال للصباغ إن صبغته بعصفر فبدرهم ، وإن صبغته بزعفران فبدرهمين ، وكذا إذا خيره بين شيئين بأن قال : آجرتك هذه الدار شهرا بخمسة أو هذه الدار الأخرى بعشرة ، وكذا إذا خيره بين مسافتين مختلفتين بأن قال : آجرتك هذه الدابة إلى الكوفة بكذا أو إلى واسط بكذا ، وكذا إذا خيره بين ثلاثة أشياء ، وإن خيره بين أربعة أشياء  لم يجز ، والمعتبر في جميع ذلك البيع والجامع دفع الحاجة ، غير أنه لا بد من اشتراط الخيار في البيع ، وفي الإجارة لا يشترط ذلك ; لأن الأجر إنما يجب بالعمل ، وعند ذلك يصير المعقود عليه معلوما ، وفي البيع يجب الثمن بنفس العقد فتتحقق الجهالة على وجه لا ترتفع المنازعة إلا بإثبات الخيار ( ولو قال : إن خطته اليوم فبدرهم ، وإن خطته غدا فبنصف درهم ، [ ص: 131 ] فإن خاطه اليوم فله درهم ، وإن خاطه غدا فله أجر مثله عند أبي حنيفة لا يجاوز به نصف درهم . وفي الجامع الصغير : لا ينقص من نصف درهم ولا يزاد على درهم . وقال أبو يوسف ومحمد : الشرطان جائزان ) قال : زفر : الشرطان فاسدان ; لأن الخياطة شيء واحد ، وقد ذكر بمقابلته بدلان على البدل فيكون مجهولا ، وهذا ; لأن ذكر اليوم للتعجيل ، وذكر الغد للترفيه فيجتمع في كل يوم تسميتان . [ ص: 132 ] ولهما أن ذكر اليوم للتأقيت .

وذكر الغد للتعليق فلا يجتمع في كل يوم تسميتان ; ولأن التعجيل والتأخير مقصود فنزل منزلة اختلاف النوعين . ولأبي حنيفة أن ذكر الغد للتعليق حقيقة . [ ص: 133 ] ولا يمكن حمل اليوم على التأقيت ; لأن فيه فساد العقد لاجتماع الوقت والعمل ، وإذا كان كذلك [ ص: 134 ] يجتمع في الغد تسميتان دون اليوم ، فيصح اليوم الأول ويجب المسمى ، ويفسد الثاني ويجب أجر المثل لا يجاوز به نصف درهم ; لأنه هو المسمى في اليوم الثاني . وفي الجامع الصغير لا يزاد على درهم ولا ينقص من نصف درهم ; لأن التسمية الأولى لا تنعدم [ ص: 135 ] في اليوم الثاني فتعتبر لمنع الزيادة وتعتبر التسمية الثانية لمنع النقصان ، فإن خاطه في اليوم الثالث لا يجاوز به نصف درهم عند أبي حنيفة رحمه الله هو الصحيح ; لأنه إذا لم يرض بالتأخير إلى الغد فبالزيادة عليه إلى ما بعد الغد أولى ( ولو قال : إن سكنت في هذا الدكان عطارا فبدرهم في الشهر ، وإن سكنته حدادا فبدرهمين  جاز ، وأي الأمرين فعل استحق الأجر المسمى فيه عند أبي حنيفة . وقالا : الإجارة فاسدة ، وكذا إذا استأجر بيتا على أنه إن سكن فيه عطارا فبدرهم ، وإن سكن فيه حدادا فبدرهمين فهو جائز عند أبي حنيفة رحمه الله ، وقالا : لا يجوز ) .

التالي السابق


[ ص: 206 ] ( باب موت المكاتب وعجزه وموت المولى )

تأخير باب أحكام هذه الأشياء ظاهر التناسب لأن هذه الأشياء متأخرة عن عقد الكتابة ، فكذا بيان أحكامها ( قوله والثلاث هي المدة التي ضربت لإبلاء الأعذار كإمهال الخصم للدفع والمديون للقضاء ) قال صاحب العناية : والمديون بالجر عطف على كإمهال .

أقول : هذا بحسب ظاهره غير صحيح قطعا ، إذ لا شك أن المديون معطوف على الخصم والمعنى وكإمهال المديون لأجل [ ص: 207 ] القضاء ( قوله ولهما أن سبب الفسخ قد تحقق وهو العجز ، لأن من عجز عن أداء نجم واحد يكون أعجز عن أداء نجمين ) أقول : فيه شيء ، وهو أن دليلهما هذا لا يتمشى في صورة إن عجز عن أداء آخر النجوم التي توافقا عليه بعد أن أدى سائر النجوم بأسرها ، إذ لا يلزمه حينئذ سوى أداء نجم واحد حتى يجتمع عليه نجمان عند إمهاله مدة نجم فيكون أعجز عن أدائهما بل يكون عليه حينئذ أن يؤدي نجما واحدا في ضعف مدته ، ولا ريب أنه أيسر له كما قال أبو يوسف رحمه الله .

وقال بعض الفضلاء : فيه تأمل ، فإنه إذا كان له دين يقبضه أو مال يقدم عليه لا نسلم هذه الشرطية انتهى .

أقول : إن قوله هذه الشرطية ليس بسديد ، إذ الظاهر أن من في قوله من عجز عن أداء نجم واحد موصولة ، وأن قوله يكون أعجز عن أداء نجمين خبر أن في قوله لأن فلا شرط ولا جزاء في الكلام حتى تكون الجملة شرطية ( قوله والآثار متعارضة ، فإن المروي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن مكاتبة له عجزت عن أداء نجم واحد فردها فسقط الاحتجاج بها ) هذا جواب عن استدلال أبي يوسف بأثر علي [ ص: 208 ] رضي الله عنه بأن الأثر المروي عن ابن عمر رضي الله عنهما على ما ذكر في الكتاب يعارضه فسقط الاحتجاج بها : أي بالآثار للتعارض ، لأن الآثار إذا تعارضت وجهل التاريخ سقطت فيصار إلى ما بعدها من الحجة فيبقى ما قالاه من الدليل بأن سبب الفسخ قد تحقق إلخ سالما عن المعارض فيثبت الفسخ به ، كذا في عامة الشروح .

أقول : هنا إشكال ، لأن ما قالاه من الدليل المعقول راجع إلى القياس على مقتضى ما صرحوا به في كتب الأصول عند بيان انحصار الأدلة الشرعية في الأربعة من أن الاستدلال بالمعقول راجع إلى القياس ، وقد صرح به صاحب غاية البيان هاهنا أيضا حيث قال : إن الآثار متعارضة والتاريخ مجهول فيصار إلى ما بعدها من الدليل وهو القياس انتهى .

وقد تقرر في الأصول أيضا أن القياس لا يجري في المقادير ، وما نحن فيه من قبيل المقادير كما أفصح عنه كثير من الشراح حيث قالوا : وما رويناه من حديث ابن عمر كالمروي عن النبي عليه الصلاة والسلام ، لأن ما يقوله الصحابي من المقادير يحمل على السماع لأنه لا يدركه القياس انتهى .

فإذا تعارضت الآثار فيما نحن فيه وتساقطت كما قالوا ولم يصح القياس في المقادير كما تقرر في الأصول والفروع فكيف ينتهض ما قالاه من الدليل المعقول الذي مرجعه إلى القياس حجة لهما في إثبات ما ذهبا إليه في جواب هذه المسألة فليتأمل




الخدمات العلمية