الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
جزء صفحة
الهداية شرح بداية المبتدي

قال ( ومن غصب جارية فزنى بها فحبلت ثم ردها وماتت في نفاسها  يضمن قيمتها يوم علقت ، ولا ضمان عليه في الحرة ، وهذا عند أبي حنيفة ، وقالا : لا يضمن في الأمة أيضا ) لهما أن الرد قد صح ، والهلاك بعده بسبب حدث في يد المالك وهو الولادة [ ص: 354 ] فلا يضمن الغاصب . كما إذا حمت في يد الغاصب ثم ردها فهلكت . أو زنت في يده ثم ردها فجلدت فهلكت منه  ، وكمن اشترى جارية قد حبلت عند البائع فولدت عند المشتري وماتت في نفاسها  لا يرجع على البائع بالثمن . وله أنه غصبها وما انعقد فيها سبب التلف وردت وفيها ذلك فلم يوجد الرد على الوجه الذي أخذ فلم يصح الرد ، وصار كما إذا جنت في يد الغاصب جناية فقتلت بها في يد المالك ، أو دفعت بها بأن كانت الجناية خطأ يرجع على الغاصب بكل القيمة . كذا هذا . بخلاف الحرة ; لأنها لا تضمن بالغصب ليبقى ضمان الغصب بعد فساد الرد . وفي فصل الشراء الواجب ابتداء التسليم . ما ذكرنا شرط صحة الرد والزنا سبب لجلد مؤلم لا جارح ولا متلف فلم يوجد السبب في يد الغاصب . .

التالي السابق


( فصل ) [ ص: 451 ] لما فرغ من بيان الغلط شرع في بيان الاستحقاق ( قوله قال رضي الله عنه : ذكر الاختلاف في استحقاق بعض بعينه وهكذا ذكر في الأسرار ) أي قال المصنف : ذكر القدوري الاختلاف بين أبي حنيفة وأبي يوسف في استحقاق بعض معين من نصيب أحدهما ، وهكذا ذكر الاختلاف في الأسرار . قال صاحب النهاية : وصفة الحوالة هذه إلى الأسرار وقعت سهوا ، لأن هذه المسألة مذكورة في الأسرار في الشائع وضعا وتعليلا من الجانبين وتكرارا بلفظ الشائع غير مرة انتهى . أقول : وتعدية الحوالة بكلمة إلى في قول صاحب النهاية وصفة الحوالة هذه إلى الأسرار وقعت سهوا أيضا ، والمطابق للغة تعديتها بكلمة على . وقال صاحب العناية بعد نقل كلام صاحب النهاية بعين عبارته : وأقول : وفي قوله ذكر الاختلاف في استحقاق بعض بعينه أيضا نظر . فإن قول القدوري وإذا استحق بعض نصيب أحدهما بعينه ليس بنص في ذلك لجواز أن يكون قوله بعينه متعلقا بنصيب أحدهما لا ببعض فيكون تقرير كلامه ; وإذا استحق بعض شائع في نصيب أحدهما بعينه وحينئذ يكون الاختلاف في الشائع [ ص: 452 ] لا في المعين انتهى . أقول : لا يخفى على ذي فطرة سليمة أن كلام القدوري إن لم يكن نصا فيما حمل عليه المصنف فهو ظاهر فيه بحيث لا يشتبه على أحد من فحول العلماء ، لأن قوله بعينه لو لم يكن متعلقا ببعض كان البعض المذكور في هاتيك المسألة مبهما فلا يعلم أن المراد به البعض المعين أو الشائع فيختل وضع المسألة . وأيضا لو كان قوله بعينه متعلقا بقوله نصيب أحدهما كان لمجرد التأكيد بل صار بمنزلة اللغو في مثل هذا المقام ، وأما إذا كان متعلقا ببعض يكون تأسيسا مفيدا للمراد مزيلا للإبهام فأنى هذا من ذلك . على أن الأصل في أمثال هذا التركيب تعلق القيد بالمضاف دون المضاف إليه كما بين في محله ، فتبين أن كلام القدوري ظاهر فيما حمل عليه المصنف ، وقد تقرر في علم الأصول أن الظاهر يوجب الحكم قطعا كالنص على أحد معنيي القطعي وهو ما يقطع الاحتمال الناشئ عن دليل ، إلا أن التفاوت بينهما : أي بين الظاهر والنص إنما يظهر عند التعارض فيقدم النص على الظاهر عنده ولم يعارض الظاهر هنا نص فوجب الحكم بموجبه ( قوله لأبي يوسف إن باستحقاق بعض شائع ظهر شريك ثالث لهما والقسمة بدون رضاه باطلة ) قال صاحب العناية في تعليل هذه المقدمة : أعني قوله والقسمة بدون رضاه باطلة لأن موضوع المسألة فيما إذا تراضيا على القسمة لأنه اعتبر القيمة فيها فلا بد من التراضي انتهى . ومأخذ تعليله هذا ما نقله صاحب غاية البيان عن الإمام علاء الدين الإسبيجابي حيث قال : وقال شيخ الإسلام علاء الدين الإسبيجابي في شرح الكافي : وضع المسألة فيما إذا تراضيا على القسمة لأنه اعتبر القيمة والقسمة بالقيمة عند أبي حنيفة لا تصح إلا عن تراض انتهى . وأورد بعض الفضلاء على [ ص: 453 ] قول صاحب العناية لأن موضع المسألة فيما إذا تراضيا على القسمة حيث قال : لا حاجة إلى القول بوضع المسألة في صورة التراضي ، فإنها إذا كانت بقضاء القاضي تبطل إذا لم يرض الغائب على ما يجيء في شرح قوله ولو أبرأه الغرماء انتهى أقول : ليس ذاك بصحيح ، إذ لا شك أن القسمة بين الورثة إذا كانت بقضاء القاضي لا تبطل بعدم رضا الغائب ، ألا يرى إلى ما مر في الكتاب في أوائل كتاب القسمة من قوله وإذا حضر وارثان وأقاما البينة على الوفاة وعدد الورثة والدار في أيديهم ومعهم وارث غائب قسمها القاضي بطلب الحاضرين وينصب للغائب وكيلا بقبض نصيبه انتهى . ولو بطلت القسمة بعدم رضا الغائب لما ساغ للقاضي القسمة في تلك الصورة بمجرد طلب الحاضرين . ثم إن قوله على ما يجيء في شرح قوله ولو أبرأ الغرماء ليس بحوالة رابحة إذ لا شيء في شرح ذلك ما يوهم بطلانها سوى قول صاحب العناية بخلاف ما إذا ظهر وارث أو الموصى له بالثلث أو الربع بعد القسمة وقالت الورثة : نحن نقضي حقهما فإن القسمة تنقض إن لم يرض الوارث أو الموصى له لأن حقهما في عين التركة فلا ينقل إلى مال آخر إلا برضاهما انتهى لكن المراد بانتقاض القسمة في صورة ظهور الوارث أو الموصى له انتقاضها في قدر حقهما من عين التركة لا انتقاضها في مجموع التركة بالكلية بحيث يحتاج إلى الاستئناف كما هو قول أبي يوسف فيما نحن فيه ، أو المراد انتقاضها بالكلية أيضا لكن في صورة القسمة بالتراضي دون القسمة بقضاء القاضي ، إذ لا تنقض القسمة بالكلية فيما إذا ظهر وارث أو الموصى له إذا كانت القسمة بقضاء القاضي ، نص عليه في البدائع حيث قال فيه : موجب نقض القسمة بعد وجودها أنواع : منها ظهور دين على الميت إذا طلب الغرماء ديونهم ولا مال للميت سواه ولا قضاه الورثة من مال أنفسهم ثم قال : ومنها ظهور الوصية لأن الموصى له شريك الورثة ، ألا يرى أنه لو هلك من التركة شيء قبل القسمة لهلك من الورثة والموصى له جميعا والباقي على الشركة بينهم ولو اقتسموا وثمة وارث غائب تنقض فكذا هذا . وقال : وهذا إذا كانت القسمة بالتراضي ، فإن كانت بقضاء القاضي لا تنقض لأن الموصى له وإن كان كواحد من الورثة لكن القاضي [ ص: 454 ] إذا قسم عند غيبة أحد الورثة لا تنقض قسمته ، لأن القسمة في هذا الموضوع محل الاجتهاد ، وقضاء القاضي إذا صادف محل الاجتهاد ينفذ ولا ينقض . ثم قال : ومنها ظهور الوارث ، حتى لو اقتسموا ثم ظهر أن ثمة وارثا آخر نقضت قسمتهم ، ولو كانت القسمة بقضاء القاضي لا تنقض لما ذكرنا ، إلى هنا لفظه ، ثم إن ذلك البعض أورد أيضا على قول صاحب العناية لأنه اعتبر القيمة فيها فلا بد من التراضي حيث قال : فيه بحث ، فإن القيمة معتبرة فيما إذا كانت القسمة بقضاء القاضي أيضا بل اعتبارها فيه آكد ، ولهذا لو كان بالغبن الفاحش في أحد الطرفين تفسخ على ما مر في الدرس السابق انتهى . أقول : هذا أيضا ليس بصحيح ، لأن القسمة بالقيمة لا تصح عند أبي حنيفة أصلا إلا عن تراض ، وهذا مع كونه مما نص عليه شيخ الإسلام علاء الدين الإسبيجابي في شرح الكافي للحاكم الشهيد بصدد بيان وضع هذه المسألة كما ذكرناه من قبل ظاهر من أصل أبي حنيفة في كثير من المسائل المتقدمة في الكتاب ، فاعتبار القيمة في هذه المسألة على قول أبي حنيفة وغيره كما يقتضيه تصويرها المذكور في عامة الكتب حتى في كتب محمد رحمه الله يدل على أن وضعها فيما إذا تراضيا على القسمة لا فيما إذا كانت بقضاء القاضي ; فقوله فإن القيمة معتبرة فيما إذا كانت القسمة بقضاء القاضي أيضا إن أراد أنها معتبرة عند أبي حنيفة في صورة القضاء أيضا فليس كذلك ، وإن أراد به أنها معتبرة في صورة القضاء أيضا عند غير أبي حنيفة فلا يجدي شيئا ، فإن عدم اعتبارها عند أبي حنيفة كاف في تمام ما قاله صاحب العناية . وقوله بل اعتبارها فيها آكد في عدم الإصابة ، لأن تحقق الغبن الفاحش لا ينحصر في أن يكون قيمة أحد الطرفين أكثر من قيمة الآخر ، بل قد يتحقق الغبن بكون عين أحد الطرفين أكثر من عين الآخر من جهة الوزن أو الكيل أو الذرع أو العدد مما يليق بجنس المقسوم ; فأبو حنيفة يعتبر في غبن القسمة بالقضاء التفاوت في العين بإحدى الجهات المذكورة دون التفاوت في القيمة ، وما مر في الفصل السابق من مسألة فسخ القيمة بالغبن الفاحش لا يدل على كون الغبن من جهة القيمة ألبتة ، بل قد ذكر هناك في بعض الشروح للغبن مثال هو صريح في التفاوت في العين بأن يقال وإن اقتسما مائة شاة فأصاب أحدهما خمس وخمسون شاة وأصاب الآخر خمس وأربعون شاة فادعى صاحب الأكثر الغبن إلى آخر المسألة ( قوله ولو ادعى أحد المتقاسمين دينا في التركة صح دعواه ، لأنه لا تناقض ، إذ الدين يتعلق بالمعنى والقسمة تصادف الصورة ) قال صاحب العناية : ولقائل أن يقول : إن لم تكن دعواه باطلة لعدم التناقض فلتكن باطلة باعتبار أنها إذا صحت كان [ ص: 455 ] له أن ينقض القسمة ، وذلك سعى في نقض ما تم من جهته ، والجواب أنه إذا ثبت الدين بالبينة لم تكن القسمة تامة فلا يلزم ذلك انتهى أقول : في الجواب بحث ، لأنه إذا ثبت الدين بالبينة ، فإن لم تكن القسمة تامة من حيث أصل الاستحقاق فقد كانت تامة من جهته حيث رضي بها أولا فلزم السعي في نقض ما تم من جهته ومدار السؤال عليه ، فإن السعي في نقض ما تم من جهته غير مقبول على قاعدة الشرع كما عرف في نظائره . واعترض عليه بعض الفضلاء بوجه آخر حيث قال : أنت خبير بأن استماع البينة بعد تبين صحة الدعوى لا على العكس ، وهذه الدعوى غير صحيحة لاستلزامها السعي في نقض ما تم من جهته فكيف تسمع البينة . والأولى أن يجاب بمنع استلزامها ذلك الجواز أن يظهر له مال آخر أو يؤديه سائر الورثة من مالهم فليتأمل انتهى كلامه أقول : وأنت خبير بأن كون استماع البينة بعد تبين صحة الدعوى لا على العكس غير مفيد هاهنا ، فإن المجيب لا يقول : إن هذه الدعوى غير صحيحة في ابتداء الأمر ثم تبين صحتها بعد إقامة البينة بل يقول : إنها صحيحة في الابتداء بناء على عدم تقرر تمام القسمة ، بل احتمال ثبوت الدين بالبينة ، فمآل جوابه منع استلزامها ذلك كما أشار إليه بقوله فلا يلزم ذلك ، فالقاطع لعرق ذلك الجواب ما ذكرناه من أن لزوم السعي في نقض ما تم من جهته أمر مقرر لا مرد له بثبوت الدين بالبينة ، وإنما الذي لا يلزم تمام القسمة من حيث أصل الاستحقاق ، وذلك لا يدفع السؤال المزبور . ثم إن قول ذلك البعض : والأولى أن يجاب بمنع استلزامها ذلك لجواز أن يظهر له مال آخر أو يؤديه سائر الورثة من مالهم ، فمما لا ينبغي أن يتفوه به العاقل فضلا عن مثل ذلك القائل ، لأن الكلام فيما إذا لم يظهر له مال آخر ولم يؤده سائر الورثة إذ الحكم فيما إذا بقي من التركة بعد القسمة ما يفي بالدين أو أداه الورثة من مالهم قد مر في المسألة المتقدمة مفصلا ،




الخدمات العلمية