الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                            جزء صفحة
                                                                                                                            نهاية المحتاج شرح المنهاج

                                                                                                                            ( ولو ) ( انفض الأربعون ) الحاضرون ( أو بعضهم في الخطبة )   ( لم يحسب المفعول ) من أركانها ( في غيبتهم ) لانتفاء سماعهم له وسماعها واجب { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } إذ المراد به الخطبة كما قاله من المفسرين ، ويعتبر أن يسمع الأربعون جميع أركانها ، ولا يتأتى هنا الخلاف الآتي في الانفضاض في الصلاة لأن كل واحد منهم مصل لنفسه ، فجازت المسامحة في نقصان العدد في الصلاة ، والمقصود من الخطبة إسماع الناس فإذا انفض الأربعون بطل حكم الخطبة ، وإذا انفض بعضهم بطل حكم العدد المعتبر وهو تسعة وثلاثون على الأصح كما مر ، فلو كان مع الإمام الكامل أربعون فانفض منهم واحد  لم يضر ، والانفضاض مثال والضابط النقص ( ويجوز البناء على ما مضى إن عادوا قبل طول الفصل ) عرفا لأن الفصل اليسير لا يعد قاطعا للموالاة ، كما يجوز البناء لمن سلم ناسيا ثم تذكر قبل طول الفصل ، وشبه الرافعي الفصل اليسير بالفصل بين صلاتي الجمع ( وكذا بناء الصلاة على الخطبة إن انفضوا بينهما ) أي فيجوز أيضا إذا عادوا عن قرب ( فإن عادوا بعد طوله ) عرفا ( وجب الاستئناف ) للخطبة ( في الأظهر ) فيهما وإن كان بعذر لأنه لم ينقل عنه ذلك إلا متواليا ، ولأن الموالاة لها موقع في استمالة القلوب .

                                                                                                                            والثاني لا يجب لأن الغرض من الخطبة الوعظ والتذكير ومن الصلاة إيقاع الفرض في جماعة وهو حاصل مع التفريق ، واحترز بعادوا عما لو عاد بدلهم ، فلا بد من استئناف الخطبة طال الفصل أم لا ، وما قررناه من الضبط بالعرف هو الأوجه وإن ضبطه جمع بما يزيد على ما بين الإيجاب والقبول في البيع إذ هو بعيد جدا ( وإن ) ( انفضوا ) أي الأربعون أو بعضهم ( في الصلاة ) بإبطالها أو إخراج أنفسهم من الجماعة في الركعة الأولى   ( بطلت ) الجمعة لفوات العدد المعتبر في صحتها فيتمونها ظهرا . نعم لو عاد المنفضون لزمهم الإحرام بالجمعة إذا كانوا من أهل وجوبها كما أفتى بها الوالد رحمه الله تعالى ، إذ لا تصح ظهر من لزمته الجمعة مع إمكان إدراكها ، وليس فيه إنشاء جمعة بعد أخرى لبطلان الأولى . ولو أحرم الإمام وتباطأ المأمومون أو بعضهم بالإحرام عقب إحرام الإمام ثم أحرموا فإن تأخر تحرمهم عن ركوعه  فلا جمعة لهم [ ص: 310 ] وإن لم يتأخر عن ركوعه ، فإن أدركوا الركوع مع الفاتحة بأن تمت قراءتها قبل رفع الإمام رأسه عن أقل الركوع صحت جمعتهم وإلا فلا ، وسبقه في الأولى بالتكبير والقيام كما لم يمنع إدراكهم الركعة لا يمنع انعقاد الجمعة ، كذا جرى عليه الإمام والغزالي . وقال البغوي : إنه المذهب ، وجزم به صاحب الأنوار وابن المقري وهو المعتمد . وقال الشيخ أبو محمد الجويني : يشترط أن لا يطول الفصل بين إحرامه وإحرامهم . قال الكمال بن أبي شريف : فقد ظهر أن إدراكهم الركعة الأولى معه محل وفاق ، وقد ادعى المصنف في شرحه أنه يؤخذ من الاتفاق على ذلك تقييد لحوق اللاحقين بكونه في الركعة الأولى ، فلو تحرم أربعون لاحقون بعد رفع الإمام من ركوع الأولى ثم انفض الأربعون الذين أحرم بهم أو نقصوا  فلا جمعة ، بل يتمها الإمام ومن بقي معه ظهرا ، لأنه قد تبين بفساد صلاة الأربعين أو من نقص منهم أنه قد مضى للإمام ركعة فقد فيها الجماعة أو العدد ، إذ المقتدون الذين تصح بهم الجمعة هم اللاحقون ولم يحرموا إلا بعد ركوعه .

                                                                                                                            هذا معنى ما ذكره مع تنقيح له وتوشيح . ويجاب عنه بأنهم إذا تحرموا والعدد تام صار حكمهم واحدا كما صرح به الأصحاب ، فكما لا يؤثر انفضاض الأولين بالنسبة إلى عدم سماع اللاحقين الخطبة كذلك لا يؤثر بالنسبة إلى عدم حضورهم الركعة الأولى ( وفي قول لا ) تبطل ( إن بقي ) اثنا عشر مع الإمام للخبر المار مع جوابه وفي قول لا إن بقي ( اثنان ) مع الإمام اكتفاء بدوام مسمى الجمع ، والمراد على الأول انفضاض مسمى العدد لا الذين حضروا الخطبة ، فلو أحرم بتسعة وثلاثين سمعوا الخطبة ثم انفضوا بعد إحرام تسعة وثلاثين لم يسمعوها  أتم بهم الجمعة ، لأنهم إذا لحقوا والعدد تام صار حكمهم واحدا فسقط عنهم سماع الخطبة ، وإن انفضوا قبل إحرامهم به استأنف الخطبة لهم فلا تصح الجمعة بدونها وإن قصر الفصل لانتفاء سماعهم [ ص: 311 ] ولحوقهم .

                                                                                                                            التالي السابق



                                                                                                                            الخدمات العلمية