الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                جزء صفحة
                                صحيح البخاري قَالَ الْبُخَارِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: 330 337 - ثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ: ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الْأَعْرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ عُمَيْرًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَسَارٍ مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي جُهَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ الْأَنْصَارِيِّ، فَقَالَ أَبُو الْجُهَيْمِ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّلَامَ، حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ . فتح الباري لابن رجب هَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " تَعْلِيقًا عَنِ اللَّيْثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ، وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ . وَرَوَاهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى ، عَنْ أَبِي الْحُوَيْرِثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنِ ابْنِ الصِّمَّةِ ، وَزَادَ: أَنَّهُ مَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، وَأَسْقَطَ مِنْ إِسْنَادِهِ " عُمَيْرًا ". وَرَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، عَنْهُ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ - أَيْضًا -: " فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَذِرَاعَيْهِ ". وَأَبُو صَالِحٍ تَغَيَّرَ بِأَخِرَةٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي لَفْظِهِ، وَرِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ أَصَحُّ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ : حَدِيثُ أَبِي الْجُهَيْمِ فِي مَسْحِ الذِّرَاعَيْنِ لَا يَصِحُّ. يَعْنِي: لَا يَصِحُّ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى فِيهِ مَسْحَ الذِّرَاعَيْنِ. وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ ، وَلَكِنَّ التَّيَمُّمَ هُنَا لَمْ يَكُنْ لِمَا تَجِبُ لَهُ الطَّهَارَةُ، بَلْ لِمَا يُسْتَحَبُّ لَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذَا فِي " كِتَابِ الْوُضُوءِ " فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْهُ، وَذَكَرْنَا أَنَّ عُمَرَ كَانَ يَتَيَمَّمُ فِي الْحَضَرِ لِذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مِهْرَانَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بَالَ ثُمَّ أَتَى الْحَائِطَ فَتَمَسَّحَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا لِلذِّكْرِ وَالتَّسْبِيحِ حَتَّى تَلْقَى الْمَاءَ. خَرَّجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا تَيَمَّمَ بِمَكَانٍ لَيْسَ فِيهِ مَاءٌ، وَذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مِنَ السَّلَفِ مَنْ كَانَ يَتَيَمَّمُ لِرِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُ تَيَمَّمَ لِرَدِّ السَّلَامِ. وَفِي "الْمُسْنَدِ" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْرُجُ فَيُهَرِيقُ الْمَاءَ، فَيَتَيَمَّمُ بِالتُّرَابِ، فَأَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْمَاءُ مِنْكَ قَرِيبٌ، فَيَقُولُ: " مَا يُدْرِينِي، لَعَلِّي لَا أَبْلُغُهُ ". وَذَكَرْنَا - أَيْضًا - أَنَّ طَائِفَةً مِنْ أَعْيَانِ الشَّافِعِيَّةِ كَأَبِي الْمَعَالِي الْجُوَيْنِيِّ وَصَاحِبِهِ أَبِي حَامِدٍ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَنْ تَيَمَّمَ فِي الْحَضَرِ، ثُمَّ قَرَأَ الْقُرْآنَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَانَ جَائِزًا، اسْتِدْلَالًا بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَرَدَّ ذَلِكَ بَعْضُ مُتَأَخَّرِيهِمْ، وَقَالَ: لَمْ يَكُنْ تَيَمَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ ، إِنَّمَا كَانَ ظَاهِرًا حَيْثُ لَا يُوجَدُ الْمَاءُ، وَلَكِنْ كَانَ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ ، فَإِنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ قَدْ أَقْبَلَ مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ ، وَهِيَ خَارِجُ الْمَدِينَةِ . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي الْجُهَيْمِ . خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى حَاجَتَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ فِي سِكَّةٍ مِنْ سِكَكِ الْمَدِينَةِ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ، فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ . خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ. وَرَفْعُهُ مُنْكَرٌ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عِنْدَهُمْ -: كَذَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو دَاوُدَ وَالْبُخَارِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ وَالْأَثْرَمُ . وَتَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ مُحَمَّدُ بْنُ ثَابِتٍ الْعَبْدِيُّ ، عَنْ نَافِعٍ . وَالْعَبْدِيُّ ضَعِيفٌ. وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ أَبُو الْوَلِيدِ أَنَّهُ سَأَلَ مُحَمَّدَ بْنَ ثَابِتٍ هَذَا: مَنِ الَّذِي يَقُولُ النَّبِيُّ أَوِ ابْنُ عُمَرَ ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي. فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ تَيَمُّمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي بَعْضِ سِكَكِ الْمَدِينَةِ . وَسَيَأْتِي فِي " بَابِ الشِّعْرِ فِي الْمَسْجِدِ " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَيَمَّمَ عَلَى جِدَارِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ. وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِرَدِّ السَّلَامِ فِي الْحَضَرِ، إِذَا خَشِيَ فَوْتَهُ ; لِأَنَّ الطَّهَارَةَ لِرَدِّهِ مَشْرُوعَةٌ نَدْبًا لَا وُجُوبًا ; فَإِنَّهُ يَجُوزُ الرَّدُّ مَعَ الْحَدَثِ لَكِنْ يَفُوتُ فِعْلُهُ بِالطَّهَارَةِ ; لِأَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ. وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ إِذَا خَافَ فَوْتَ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ، كَمَا هُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ: ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ بَعْدَهُ - وَذَكَرَ الْحَسَنَ وَالنَّخَعِيَّ وَجَمَاعَةً . وَمَنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ كَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ - فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى - فَإِنَّهُمْ قَدْ يُفَرِّقُونَ بِأَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ لِصَلَاةِ الْجِنَازَةِ شَرْطٌ، فَلَا يَسْقُطُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ خَشْيَةَ الْفَوَاتِ، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ لِرَدِّ السَّلَامِ وَنَحْوِهِ مِنَ الذِّكْرِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فَخَفَّ أَمْرُهَا. وَقَدْ أَجَابَ بِهَذَا طَائِفَةٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، مِنْهُمُ: الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ وَنَصْرٌ الْمَقْدِسِيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ حِكَايَتُهُ عَنْ أَبِي الْمَعَالِي وَالْغَزَالِيِّ . وَالْعَجَبُ أَنَّ صَاحِبَ " شَرْحِ الْمُهَذَّبِ " حَكَى ذَلِكَ كُلَّهُ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ " كِتَابِهِ " وَقَالَ فِيمَا حَكَاهُ عَنْ أَبِي الْمَعَالِي وَالْغَزَالِيِّ : لَا نَعْرِفُ أَحَدًا وَافَقَهُمَا، وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَنِ الْمَاوَرْدِيِّ وَغَيْرِهِ يَدُلُّ عَلَى الْمُوَافَقَةِ.

                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                الخدمات العلمية