الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                جزء صفحة
                                صحيح البخاري 8 - بَابٌ التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ 340 347 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبُو مُوسَى: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا، أَمَا كَانَ يَتَيَمَّمُ وَيُصَلِّي؟ فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِفَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذَا لَأَوْشَكُوا إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ، فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا " وَضَرَبَ بِكَفِّهِ ضَرْبَةً عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ نَفَضَهَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهَا ظَهْرَ كَفِّهِ بِشِمَالِهِ، أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ؟ زَادَ يَعْلَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ لِعُمَرَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَنِي أَنَا وَأَنْتَ، فَأَجْنَبْتُ فَتَمَعَّكْتُ بِالصَّعِيدِ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْنَاهُ فَقَالَ: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ هَكَذَا " وَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ وَاحِدَةً؟ فتح الباري لابن رجب مُحَمَّدُ بْنُ سَلَّامٍ، هُوَ: الْبِيكَنْدِيُّ ، وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي ضَبْطِ " سَلَّامٍ ": هَلْ هُوَ بِالتَّخْفِيفِ أَوْ بِالتَّشْدِيدِ؟ وَالتَّخْفِيفُ أَكْثَرُ فِيهِ وَأَشْهَرُ، وَلِأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْمُنْذِرِيِّ فِي ذَلِكَ جُزْءٌ مُفْرَدٌ. ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ التَّشْدِيدَ فِيهِ أَصَحُّ، فَإِنَّ الَّذِينَ رَجَّحُوا فِيهِ التَّخْفِيفَ اعْتَمَدُوا عَلَى حِكَايَةٍ رُوِيَتْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ ، أَنَّهُ قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ، وَقَدْ أَفْرَدْتُ لِذَلِكَ جُزْءًا، وَذَكَرْتُ فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْحِكَايَةَ لَا تَصِحُّ، وَفِي إِسْنَادِهَا مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ. وَقَدْ خَرَّجَ مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنِ نُمَيْرٍ كُلِّهِمْ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ، إِلَّا أَنَّ لَفْظَهُ: فَقَالَ: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا "، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ. وَخَرَّجَهُ - أَيْضًا - مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَلَفْظُ حَدِيثِهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا " وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى الْأَرْضِ، فَنَفَضَ يَدَيْهِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. وَخَرَّجَ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ الْمَالِكِيُّ حَدِيثَ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ ابْنِ نُمَيْرِ ، عَنْهُ، وَلَفْظُهُ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ تَنْفُضَهُمَا، ثُمَّ تَمْسَحَ يَمِينَكَ عَلَى شِمَالِكَ وَشِمَالَكَ عَلَى يَمِينِكَ، ثُمَّ تَمْسَحَ وَجْهَكَ ". وَخَرَّجَ حَدِيثَ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدِّمِيِّ عَنْهُ، وَلَفْظُ حَدِيثِهِ: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا " وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ إِلَى الْأَرْضِ مَرَّةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، وَمَسَحَ وَجْهَهُ. وَأَمَّا رِوَايَةُ يَعْلَى ، عَنِ الْأَعْمَشِ الَّتِي عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ ، فَخَرَّجَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ " عَنْ يَعْلَى - وَهُوَ: ابْنُ عُبَيْدٍ الطَّنَافِسِيُّ - كَذَلِكَ. وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ - أَيْضًا - عَنْ عَفَّانَ : ثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ ، عَنِ الْأَعْمَشِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَفِيهِ: وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ مَسَحَ كَفَّيْهِ جَمِيعًا، وَمَسَحَ وَجْهَهُ مَسْحَةً وَاحِدَةً بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ. قَالَ عَفَّانُ : وَأَنْكَرَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، فَسَأَلْتُ حَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ ، فَقَالَ: كَانَ الْأَعْمَشُ يُحَدِّثُنَا بِهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، وَذَكَرَ: أَبَا وَائِلٍ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ : إِنْ كَانَ مَا رَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ حَقًّا: رَوَى عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شَقِيقٍ الْقِصَّةَ. فَقَالَ - أَيْضًا -: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَتَابَعَهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ - يَعْنِي: أَحْمَدُ -: فَهَذَانِ جَمِيعًا قَدِ اتَّفَقَا عَلَيْهِ، يَقُولَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. وَإِنَّمَا أَنْكَرَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ هَذِهِ اللَّفْظَةَ، وَتَوَقَّفَ فِيهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ لِأَنَّ شُعْبَةَ وَحَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ وَابْنَ عُيَيْنَةَ وَغَيْرَهُمْ رَوَوْهُ: عَنِ الْأَعْمَشِ وَلَمْ يَذْكُرُوا الضَّرْبَةَ الْوَاحِدَةَ، وَلَا صِفَةَ التَّيَمُّمِ فِي حَدِيثِهِ عَنْ شَقِيقٍ ، عَنْ أَبِي مُوسَى كَمَا سَاقَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي الْبَابِ الْمَاضِي. ثُمَّ ذَكَرَ أَحْمَدُ أَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ وَعَبْدَ الْوَاحِدِ قَدِ اتَّفَقَا عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ، فَزَالَتْ نَكَارَةُ التَّفَرُّدِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ يَعْلَى تَابَعَهُمَا - أَيْضًا. وَقَدْ كَانَ الْأَعْمَشُ يَرْوِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى ، عَنْ عَمَّارٍ عَلَى اخْتِلَافٍ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِهِ، وَذَكَرَ فِيهِ: صِفَةَ التَّيَمُّمِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ زَادَ عَلَى مَسْحِ الْكَفَّيْنِ بَعْضَ الذِّرَاعَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي " بَابٌ: التَّيَمُّمُ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ " وَذَكَرْنَا أَنَّ سَلَمَةَ بْنَ كُهَيْلٍ شَكَّ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْكَفَّيْنِ، وَأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ سُفْيَانُ وَشُعْبَةُ وَالْأَعْمَشُ مَعَ اخْتِلَافٍ عَلَيْهِمْ فِي بَعْضِ الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ، فَرُبَّمَا عَلَّلَ ذِكْرَ الضَّرْبَةِ الْوَاحِدَةِ بِأَنَّهُ كَانَ عِنْدَ الْأَعْمَشِ ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ حَدِيثَ أَبِي وَائِلٍ ، كَمَا قَدْ يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْهُ عَفَّانُ ، إِلَّا أَنَّ الْأَئِمَّةَ اعْتَمَدُوا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَعَبْدِ الْوَاحِدِ وَيَعْلَى ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ شَقِيقٍ وَحْدَهُ لِلضَّرْبَةِ الْوَاحِدَةِ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ مُقَدَّمٌ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَشِ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِيهِ عِنْدَ اخْتِلَافِ أَصْحَابِهِ. وَقَدْ رُوِيَتِ الضَّرْبَةُ الْوَاحِدَةُ عَنْ عَمَّارٍ مِنْ طَرِيقِ قَتَادَةَ ، عَنْ عَزْرَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمَّارٍ - أَيْضًا - وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ - أَيْضًا. وَحَدِيثُ شُعْبَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ ، عَنْ ذَرٍّ ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى الْمُتَّفَقُ عَلَى تَخْرِيجِهِ فِي " الصَّحِيحَيْنِ " كَمَا تَقَدَّمَ يَدُلُّ عَلَيْهِ - أَيْضًا. وَقَدِ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى صِحَّةِ حَدِيثِ عَمَّارٍ ، وَتَلَقِّيهِ بِالْقَبُولِ. قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ هَانِئٍ : سُئِلَ أَحْمَدُ عَنِ التَّيَمُّمِ؟ قَالَ: ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، قِيلَ لَهُ: لَيْسَ فِي قَلْبِكَ شَيْءٌ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ ؟ قَالَ: لَا. وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ الَّذِي خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ هَاهُنَا شَيْئَانِ أُنْكِرَا عَلَى أَبِي مُعَاوِيَةَ : أَحَدُهُمَا: ذِكْرُهُ مَسْحَ الْوَجْهِ بَعْدَ مَسْحِ الْكَفَّيْنِ، فَإِنَّهُ قَالَ: " ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ " وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَلَى أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَلَيْسَتْ هِيَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ كَمَا ذَكَرْنَاهُ. وَكَذَلِكَ خَرَّجَهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَلَفْظُ حَدِيثِهِ: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا " وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ ضَرْبَةً فَمَسَحَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَضَهُمَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، عَلَى كَفَّيْهِ وَوَجْهِهِ. وَخَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْأَنْبَارِيِّ ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَلَفْظُهُ: " إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَا " فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى الْأَرْضِ فَنَفَضَهُمَا، ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ عَلَى الْكَفَّيْنِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ. فَاخْتُلِفَ عَلَى أَبِي مُعَاوِيَةَ فِي ذِكْرِ مَسْحِ الْوَجْهِ، وَعَطْفِهِ: هَلْ هُوَ بِالْوَاوِ، أَوْ بِلَفْظِ: " ثُمَّ "؟ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ عَبَدَةَ : رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ فِي تَقْدِيمِ مَسْحِ الْكَفَّيْنِ عَلَى الْوَجْهِ غَلَطٌ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ أَبَا مُوسَى هُوَ الْقَائِلُ لِابْنِ مَسْعُودٍ : إِنَّمَا كَرِهْتُمْ هَذَا لِهَذَا، فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : نَعَمْ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، عَنِ الْأَنْبَارِيِّ الْمُشَارِ إِلَيْهَا، وَإِنَّمَا رَوَى أَصْحَابُ الْأَعْمَشِ مِنْهُمْ: حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، وَيَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ ، وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ أَنَّ السَّائِلَ هُوَ الْأَعْمَشُ ، وَالْمَسْئُولَ هُوَ شَقِيقٌ أَبُو وَائِلٍ . وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مَسْحَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ، وَهَلِ الْمَمْسُوحُ الْكَفَّانِ خَاصَّةً، أَمِ الْكَفَّانِ وَالذِّرَاعَانِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، أَمْ إِلَى الْمَنَاكِبِ وَالْآبَاطِ؟ وَالْكَلَامُ هُنَا فِي عَدَدِ الضَّرْبِ الْمَمْسُوحِ بِهِ: فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ يَمْسَحُ الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، قَالَ أَكْثَرُهُمْ: يَمْسَحُ ذَلِكَ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ اتِّبَاعًا لِحَدِيثِ عَمَّارٍ ، وَهَذَا هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَنِ الشَّعْبِيِّ وَعَطَاءٍ وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ وَمَكْحُولٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي خَيْثَمَةَ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَدَاوُدَ - وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ -: قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : بِهَذَا نَقُولُ ; لِلثَّابِتِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ ". وَحُكِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ أَنَّهُ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِضَرْبَةٍ، وَكَفَّيْهِ إِلَى الرُّسْغَيْنِ بِضَرْبَةٍ أُخْرَى. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : يُرْوَى هَذَا عَنْ عَلِيٍّ ، وَحَكَاهُ غَيْرُهُ عَنْ عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ. وَنَقَلَ حَرْبٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ : أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُسْتَحَبُّ، وَيُجْزِئُ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ. وَرَوَى حَرْبٌ بِإِسْنَادِهِ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْكَفَّيْنِ. وَبِإِسْنَادِهِ: عَنْ عَطَاءٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ مِثْلَهُ. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّ التَّيَمُّمَ يَبْلُغُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، فَأَكْثَرُهُمْ قَالُوا: يَتَيَمَّمُ بِضَرْبَتَيْنِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَلَفُوا: هَلْ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ، أَمْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ عَلَى الْوُجُوبِ، لَا يُجْزِئُ دُونَهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالشَّافِعِيِّ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَلْ هُوَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَيُجْزِئُ ضَرْبَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لِلْوَجْهِ وَالْأُخْرَى لِلْكَفَّيْنِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنْ أَصْحَابِنَا، غَيْرَ أَنَّ الْمُجْزِئَ عِنْدَهُ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ . وَأَنْكَرَ الْخَلَّالُ وَالْأَكْثَرُونَ ثُبُوتَهَا عَنْهُ. وَقَالَ الْخَلَّالُ : إِنَّمَا أَجَازَ ذَلِكَ أَحْمَدُ لِمَنْ تَأَوَّلَ الْأَحَادِيثَ بِفِعْلِهِ، إِلَّا أَنَّ الْأَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ عَنْهُ ضِعَافٌ جِدًّا فِي الضَّرْبَتَيْنِ. وَأَجَازَ إِسْحَاقُ أَنْ يَتَيَمَّمَ بِضَرْبَتَيْنِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، إِذَا كَانَ يَرَى الِاقْتِصَارَ عَلَى الْكَفَّيْنِ جَائِزًا، فَإِنِ اعْتَقَدَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فَقَدْ أَخْطَأَ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَ فِي الْإِجْزَاءِ عِنْدَهُ غَيْرُ سَائِغٍ. وَقَالَ طَائِفَةٌ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : الْوَاجِبُ عِنْدَهُ إِيصَالُ التُّرَابِ إِلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ، سَوَاءٌ حَصَلَ ذَلِكَ بِضَرْبَةٍ أَوْ ضَرْبَتَيْنِ، وَلَا يَجِبُ عِنْدَهُ تَعَدَّدُ الضَّرْبِ، وَخَالَفَهُمْ غَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ. وَرَوَى دَاوُدُ بْنُ أَبِي هِنْدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ. خَرَّجَهُ حَرْبٌ الْكِرْمَانِيُّ . وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ يَضْرِبُ بِيَدِهِ فِي الْأَرْضِ، فَيَمْسَحُ بِهَا وَجْهَهُ، ثُمَّ يَضْرِبُ يَدَهُ فَيَمْسَحُ بِهَا ذِرَاعَيْهِ. وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ ، قَالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ : أَرِنِي كَيْفَ التَّيَمُّمُ؟ فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ نَفَضَهُمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا عَلَى ذِرَاعَيْهِ. وَعَنْ دَاوُدَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ ، قَالَ: التَّيَمُّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالذِّرَاعَيْنِ. خَرَّجَ ذَلِكَ كُلَّهُ الْقَاضِي إِسْمَاعِيلُ الْمَالِكِيُّ . وَكَذَلِكَ وَصَفَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ التَّيَمُّمَ. وَظَاهِرُ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَفَّيْنِ لَا يُمْسَحَانِ بِانْفِرَادِهِمَا، بَلْ يَكْفِي مَا أَصَابَهُمَا عِنْدَ ضَرْبِهِمَا بِالْأَرْضِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَتَطَايَرَ الْغُبَارُ عَلَى ظَاهِرِهِمَا وَبَاطِنِهِمَا. وَقَدْ قَالَ عِكْرِمَةُ فِي الْمُتَيَمِّمِ: يَضْرِبُ بِكَفَّيْهِ عَلَى الْأَرْضِ فَيُحَرِّكُهَا ثُمَّ يَمْسَحُ بِوَجْهِهِ وَكَفَّيْهِ. وَهَذَا يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ ، أَنَّهُ تَيَمَّمَ بِثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْكَفَّيْنِ، وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ. وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ بِضَرْبَتَيْنِ، يَمْسَحُ بِكُلِّ ضَرْبَةٍ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَا عَلِمْتُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ ذَلِكَ غَيْرَهُمَا. وَلِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ، أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَتَانِ لِلْيَدَيْنِ، لِكُلِّ يَدٍ ضَرْبَةٌ، وَلَهُمْ وَجْهٌ ضَعِيفٌ - أَيْضًا - أَنَّهُ يُشْرَعُ تَكْرَارُ الْمَسْحِ فِي التَّيَمُّمِ كَالْوُضُوءِ. وَقَالَ حَرْبٌ : ثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ : ثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ : صِفِ التَّيَمُّمَ؟ فَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى الْأَرْضِ وَضْعًا رَفِيقًا، ثُمَّ رَفَعَهُمَا، ثُمَّ أَمَرَّ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى مَسْحًا رَفِيقًا، ثُمَّ أَمَرَّ بِهِمَا عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ عَلَى كَفَّيْهِ. قَالَ: وَثَنَا الْمُسَيِّبُ بْنُ وَاضِحٍ : ثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، قَالَ: سَأَلْتُ الشَّعْبِيَّ عَنِ التَّيَمُّمِ؟ فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ ضَرَبَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ. وَظَاهِرُ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَمْسَحُ أَوَّلًا إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالْأُخْرَى، ثُمَّ يَمْسَحُ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَمْسَحُ كَفَّيْهِ. وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ عَمَّارٍ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا قَدْ يُشْعِرُ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَلَا يَبْقَى حِينَئِذٍ إِشْكَالٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ مَسَحَ كَفَّيْهِ مَرَّةً قَبْلَ وَجْهِهِ وَمَرَّةً بَعْدَهُ، وَهَذَا غَرِيبٌ جِدًّا، وَعِنْدَ التَّأَمُّلِ لَا يَدُلُّ حَدِيثُ عَمَّارٍ عَلَى ذَلِكَ ; فَإِنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ مَسَحَ بِالضَّرْبَةِ ظَهْرَ كَفَّيْهِ بِشِمَالِهِ أَوْ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، وَهَذَا إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ ظَهْرَ كَفِّهِ بِبَطْنِ الْأُخْرَى. وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : " مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ "، فَهَذِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ كَفَّيْهِ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى ظَاهِرَهُمَا وَبَاطِنَهُمَا. وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ : " أَنَّهُ مَسَحَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ وَبِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ " وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ كُلَّ وَاحِدَةٍ بِالْأُخْرَى. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُ يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي التَّيَمُّمِ كَمَا يَجِبُ فِي الْوُضُوءِ، فَيَمْسَحُ وَجْهَهُ أَوَّلًا، ثُمَّ يَمْسَحُ كَفَّيْهِ. وَمِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ قَالَ: لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي التَّيَمُّمِ خَاصَّةً ; لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي صِفَةِ التَّيَمُّمِ : إِنَّهُ يَمْسَحُ وَجْهَهُ بِبَاطِنِ أَصَابِعِهِ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ بِرَاحَتَيْهِ، وَيُدَلِّكُ كُلَّ رَاحَةٍ بِالْأُخْرَى وَيُخَلِّلُ الْأَصَابِعَ. قَالُوا: فَيَقَعُ مَسْحُ بَاطِنِ أَصَابِعِهِ مَعَ مَسْحِ وَجْهِهِ، وَهَذَا يُخِلُّ بِالتَّرْتِيبِ. وَهَذَا الَّذِي قَالُوهُ فِي صِفَةِ التَّيَمُّمِ لَمْ يُنْقَلْ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، وَلَا قَالَهُ أَحَدٌ مِنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِهِ كَالْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِمَا. قَالَ الْمَرُّوذِيُّ : قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : أَرِنِي كَيْفَ التَّيَمُّمُ؟ فَضَرَبَ بِيَدِهِ بَاطِنَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ ضَرْبَةً وَاحِدَةً. وَقَالَ: هَكَذَا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَيْهِ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ لِلْوَجْهِ بِمَسْحِ بَاطِنِ الْأَصَابِعِ، وَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الْفَهْمِ مِنَ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ وَمِنْ كَلَامِ مَنْ قَالَ مِنَ السَّلَفِ : إِنَّ التَّيَمُّمَ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ. وَمَا قَالَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ مِنَ الْأَصْحَابِ فَإِنَّمَا بَنَوْهُ عَلَى أَنَّ التُّرَابَ الْمُسْتَعْمَلَ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهِ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ. وَهَذَا ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ التُّرَابَ الْمُسْتَعْمَلَ فِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ بِخِلَافِ الْمَاءِ ; لِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ قَدْ رَفَعَ حَدَثًا، وَهَذَا لَمْ يَرْفَعِ الْحَدَثَ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ بِالتُّرَابِ الْمُسْتَعْمَلِ، فَالْمُسْتَعْمَلُ هُوَ مَا عَلَقَ بِالْوَجْهِ أَوْ تَنَاثَرَ مِنْهُ، فَأَمَّا مَا بَقِيَ عَلَى الْيَدِ الْمَمْسُوحِ بِهَا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَبْقَى فِي الْإِنَاءِ بَعْدَ الِاسْتِعْمَالِ مِنْهُ، وَلَيْسَ بِمُسْتَعْمَلٍ، وَيَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهِ، صَرَّحَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ. وَنَقَلَ حَرْبٌ ، عَنْ إِسْحَاقَ أَنَّهُ وَصَفَ لَهُمُ التَّيَمُّمَ، فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ نَفَخَهُمَا، فَمَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ الثَّانِيَةِ وَلَمْ يَنْفُخْهَا، ثُمَّ مَسَحَ ظُهُورَ الْكَفَّيْنِ الْيُمْنَى بِالْيُسْرَى وَالْيُسْرَى بِالْيُمْنَى، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ مَسَحَ بُطُونَ كَفَّيْهِ؛ اكْتِفَاءً بِمُرُورِ التُّرَابِ عَلَيْهِمَا بِالضَّرْبِ بِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ، وَهَذَا فِي التَّيَمُّمِ بِالضَّرْبَتَيْنِ ظَاهِرٌ، وَلَا يَتَأَتَّى مِثْلُهُ فِي الضَّرْبَةِ الْوَاحِدَةِ ; لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالتَّرْتِيبِ. وَقَدْ صَرَّحَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : بِأَنَّهُ يَسْقُطُ فَرْضُ الرَّاحَتَيْنِ وَمَا بَيْنَ الْأَصَابِعِ حِينَ يَضْرِبُ الْيَدَيْنِ عَلَى التُّرَابِ، ثُمَّ أَوْرَدُوا عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ سَقَطَ فَرْضُهُمَا بِذَلِكَ لَصَارَ التُّرَابُ الَّذِي عَلَيْهِمَا مُسْتَعْمَلًا، فَكَيْفَ يَجُوزُ مَسْحُ الذِّرَاعَيْنِ بِهِ وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمَاءِ الَّذِي غُسِلَ بِهِ إِحْدَى الْيَدَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى، إِلَّا عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ لَهُمْ؟ وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْيَدَيْنِ كَعُضْوٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَصِيرُ التُّرَابُ وَالْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا إِلَّا بِانْفِصَالِهِ، وَلَمْ يَنْفَصِلِ التُّرَابُ، بِخِلَافِ الْمَاءِ فَإِنَّهُ يَنْفَصِلُ فَيَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا. وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي التَّيَمُّمِ لِضَرُورَةٍ، حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُيَمِّمَ الذِّرَاعَ بِكَفِّهَا، فَافْتَقَرَ إِلَى الْكَفِّ الْأُخْرَى فَصَارَ كَنَقْلِ الْمَاءِ مِنْ بَعْضِ الْعُضْوِ إِلَى بَعْضِهِ، وَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ لَا يَجِبُ بَعْدَ ذَلِكَ مَسْحُ إِحْدَى الرَّاحَتَيْنِ بِالْأُخْرَى، بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ. وَمِنْ أَصْحَابِهِمْ مَنْ حَكَى فِي وُجُوبِهِ وَجْهَيْنِ. وَقَالَ الْبَغَوِيُّ مِنْهُمْ: إِنْ قَصَدَ بِإِمْرَارِ الرَّاحَتَيْنِ عَلَى الذِّرَاعَيْنِ مَسْحَ الرَّاحَتَيْنِ حَصَلَ لَهُ ; وَإِلَّا فَلَا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِضَرْبِهِمَا بِالْأَرْضِ. وَمِنْ أَعْيَانِ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ حَكَى قَوْلًا لَمْ يُسَمِّ قَائِلَهُ، وَرَجَّحَهُ فِي التَّيَمُّمِ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ: إِنَّهُ يَمْسَحُ بِبَاطِنِ يَدَيْهِ وَجْهَهُ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا ظَاهِرَ كَفَّيْهِ خَاصَّةً. قَالَ: لِأَنَّ بَاطِنَهُمَا يُصِيبُهُ التُّرَابُ حِينَ يَضْرِبُ بِهِمَا الْأَرْضَ وَحِينَ يَمْسَحُ بِهِمَا الْوَجْهَ وَظَهْرَ الْكَفَّيْنِ، فَلَوْ مَسَحَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى لَتَكَرَّرَ مَسْحُهُمَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَتَكْرَارُ مَسْحِ التَّيَمُّمِ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ، وَهُوَ - أَيْضًا - يُنَافِي أَنْ يَكُونَ التَّيَمُّمُ بِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ. وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ فِيهِ نَظَرٌ ; فَإِنَّ تَكْرَارَ الْمَسْحِ بِتُرَابِ ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ لَا تَتَعَدَّدُ بِهِ الضَّرَبَاتُ كَتَكْرَارِ مَسْحِ الرَّأْسِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ ; فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ تَكْرَارًا، وَقَدْ سَبَقَ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُشْرَعْ تَكْرَارُ التَّيَمُّمِ إِذَا وَقَعَ الْأَوَّلُ مَوْقِعَهُ، وَمَا أَصَابَ بَاطِنَ الْكَفَّيْنِ مِنَ التُّرَابِ قَبْلَ مَسْحِ الْوَجْهِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُ التَّرْتِيبَ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ تَكْرَارًا - أَيْضًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حَدِيثَ عَمَّارٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بَعْدَ الضَّرْبِ ظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَبَاطِنَهُمَا. وَإِنَّمَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ فِي التَّيَمُّمِ عَنِ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ. فَأَمَّا التَّرْتِيبُ فِي التَّيَمُّمِ عَنِ الْجَنَابَةِ فَفِيهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ : أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ وَاجِبٌ - أَيْضًا - لِأَنَّ صِفَةَ التَّيَمُّمِ عَنِ الْجَنَابَةِ وَالْحَدَثِ لَا تَخْتَلِفُ بِخِلَافِ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ، وَأَيْضًا ; فَإِنَّ الْبَدَنَ كُلَّهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ كَالْعُضْوِ الْوَاحِدِ، وَفِي التَّيَمُّمِ عُضْوَانِ مُتَغَايِرَانِ، فَيَلْزَمُ التَّرْتِيبُ بَيْنَهُمَا كَأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ. وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ ; لِأَنَّ التَّيَمُّمَ عَنِ الْجَنَابَةِ يَلْتَحِقُ بِالْغُسْلِ وَلَا تَرْتِيبَ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَلَا إِشْكَالَ فِي تَوْجِيهِ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ الَّتِي خَرَّجَهَا الْبُخَارِيُّ بِتَقْدِيمِ الْكَفَّيْنِ عَلَى الْوَجْهِ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا عَلَّمَ عَمَّارًا مَا كَانَ يَكْفِيهِ مِنَ التَّيَمُّمِ عَنِ الْجَنَابَةِ. وَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمْ عَنِ الْأَعْمَشِ : أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى تَقْدِيمِ مَسْحِ الْكَفَّيْنِ عَلَى الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ مُطْلَقًا، فَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنْهُ دَلَّ عَلَى أَنَّ مَا رَوَى عَنْهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ مَحْفُوظٌ عَنِ الْأَعْمَشِ ، وَأَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ حَفِظَ عَنْهُ وَلَمْ يَهِمْ فِيهِ، كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْأَعْمَشَ فَسَّرَ هَذَا التَّفْسِيرَ مِنْ عِنْدِهِ كَمَا فَسَّرَهُ شُعْبَةُ - أَيْضًا - مِنْ عِنْدِهِ كَذَلِكَ بِتَقْدِيمِ دَلْكِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ طَرِيقِ النَّسَائِيِّ ، أَوْ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ تَفْسِيرِ بَعْضِ الرُّوَاةِ عَنْ شُعْبَةَ وَالْأَعْمَشِ ; فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ لَمْ يَكُنْ يُفَرِّقُ بَيْنَ مَدْلُولِ الْعَطْفِ بِـ " ثُمَّ " وَبِالْوَاوِ. وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                الخدمات العلمية