الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                                                                                                              جزء صفحة
                                                                                                                                                                                                                              صحيح البخاري 328 335 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ح. قَالَ: وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ الْفَقِيرُ- قَالَ: أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً". [438، 3122 - مُسْلِمٍ: 521 - فَتْحَ: 1 \ 435] . التوضيح هُوَ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ وَالتَّعَمُّدُ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ. أَعْنِي: التَّعَمُّدَ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سُفْيَانَ. وَهُوَ فِي الشَّرْعِ: إِيصَالُ التُّرَابِ لِلْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِشَرَائِطَ مَخْصُوصَةٍ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [الْمَائِدَةُ: 6] وَهُوَ مَا اسْتَفْتَحَ بِهِ الْبُخَارِيُّ كِتَابَهُ حَيْثُ قَالَ: وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا [الْمَائِدَةُ: 6] الْآيَةَ. وَمِنَ السُّنَّةِ أَحَادِيثُ الْبَابِ وَغَيْرِهِ، وَقَامَ الْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، وَفِي الْجَنَابَةِ أَيْضًا، وَخَالَفَ فِيهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَالنَّخْعِيُّ، وَالْأُسُودُ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ حَزْمٍ. وَقَدْ ذَكَرُوا رُجُوعَ عُمَرَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَفِي "الْمُصَنَّفِ": أَفْتَى أَبُو عَطِيَّةَ بِأَنَّهُ لَا يُصَلَّى بِالتَّيَمُّمِ. وَهُوَ رُخْصَةٌ، وَفَضِيلَةٌ خُصَّتْ بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ دُونَ غَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ. وَالصَّعِيدُ هُوَ: التُّرَابُ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالطَّيِّبُ: الطَّاهِرُ، وَقِيلَ: الْحَلَالُ. ثُمَّ سَاقَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ حَدِيثِينَ: أَوَّلُهُمَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ: قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ -أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ- انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي.. الْحَدِيثُ بِطُولِهِ. وَفِيهِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ. وَهُوَ حَدِيثٌ عَظِيمٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ أُخَرَ: فِي التَّفْسِيرِ، وَفَضَائِلِ أَبِي بَكْرٍ، وَالنِّكَاحِ، وَالْمُحَارِبِينَ. وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الطَّهَارَةِ، وَعِنْدَهُ: فَأَرْسَلَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا، فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلَاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ وَلِلنَّسَائِيِّ: سَقَطَتْ لِي قِلَادَةٌ بِالْبَيْدَاءِ وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ. وَفِي رِوَايَةِ لَهُ: عَرَّسَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِأَوَّلَاتِ الْجَيْشِ. قَالَ عَمَّارُ: فَانْقَطَعَ عِقْدُ عَائِشَةَ. وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ: بَعَثَ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَأُنَاسًا مَعَهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ التَّفَرُّدِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا الصَّلَاةَ حِينَ لَمْ يَجِدُوا الْمَاءَ، فَصَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ: إِذَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ لَا يُصَلِّي. وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ قِلَادَتَهَا سَقَطَتْ لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ. يَعْنِي فِي صَفَرَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ لَمَّا نَزَلَتِ الرُّخْصَةُ، فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّكِ لَمُبَارَكَةٌ. وَلِأَبِي مُحَمَّدٍ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبُسْتِيِّ فِي "تَفْسِيرِهِ" مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْهَا أَنَّ الْقَائِلَ لَهُ: مَا كَانَ أَعْظَمَ بَرَكَةَ قِلَادَتِكِ، رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ: قَالَتْ: لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ عِقْدِي مَا كَانَ، وَقَالَ أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى، فَسَقَطَ أَيْضًا عِقْدِي حَتَّى حُبِسَ النَّاسُ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَطَلَعَ الْفَجْرُ، فَلَقِيتُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مَا شَاءَ اللَّهُ وَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ، فِي كُلِّ سَفَرٍ تَكُونِينَ عَنَاءً وَبَلَاءً! لَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الرُّخْصَةَ فِي التَّيَمُّمِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّكِ مَا عَلِمْتُ لَمُبَارَكَةٌ. وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ "الصَّحِيحِ": أَنَّهُ ضَاعَ عِقْدُهَا فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ الَّتِي كَانَ فِيهَا قِصَّةُ الْإِفْكِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ: وَفِي حَدِيثِ الْإِفْكِ: فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْعٍ ظَفَارٍ، فَحَبَسَ النَّاسَ ابْتِغَاؤُهُ. قَالَ ابْنُ سَعْدٍ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمُرَيْسِيعِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ. وَرَجَّحَهُ الْحَاكِمُ فِي "إِكْلِيلِهِ". وَقَالَ الْبُخَارِيُّ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: سَنَةَ سِتٍّ. وَرَوَى يُونُسُ عَنْهُ فِي "مُغَازِيهِ" أَنَّ ذَلِكَ فِي شَعْبَانَ. قَالَ الْبُخَارِيُّ: وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: سَنَةَ أَرْبَعٍ. إِذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَلْنَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَجْمَعَ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ قِصَّةَ الْإِفْكِ كَانَتْ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ، وَهِيَ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. وَفِي "الصَّحِيحِ" أَنَّهُ ضَاعَ عِقْدُهَا فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ كَمَا سَلَفَ. وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَارِيخِ خُرُوجِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى هَذِهِ الْغَزْوَةِ عَلَى أَقْوَالٍ ثَلَاثٍ: سَنَةَ أَرْبَعٍ، خَمْسٍ، سِتٍّ، وَقَدْ حَكَيْنَاهَا لَكَ آنِفًا. ثُمَّ اخْتَلَفُوا مَتَى فُرِضَ التَّيَمُّمُ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي الْمُرَيْسِيعِ سَنَةَ سِتٍّ، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ وَابْنُ بَزِيزَةَ فِي "شَرْحِ الْأَحْكَامِ الصُّغْرَى". ثَانِيهُمَا: سَنَةَ أَرْبَعٍ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: زَعَمَ ابْنُ حَبِيبٍ أَنَّ عِقْدَهَا سَقَطَ فِي الرَّابِعَةِ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، وَفِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ سَنَةَ سِتٍّ قِصَّةُ الْإِفْكِ. قُلْتُ: يَرُدُّ هَذَا رِوَايَةُ الطَّبَرَانِيِّ السَّالِفَةُ: أَنَّ الْإِفْكَ قَبْلَ التَّيَمُّمِ. ثَانِيهَا: الْبَيْدَاءُ: الشَّرَفُ الَّذِي قُدَّامَ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ كَمَا قَالَهُ الْبَكْرِيُّ، وَزَعَمَ أَنَّ سُقُوطَهُ كَانَ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ: الضُّلْضِلُ، بِمُعْجَمَتَيْنِ. قَالَ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَأَمَّا الْجَوْهَرِيُّ فَذَكَرَهُ بِمُهْمَلَتَيْنِ. وَذَاتُ الْجَيْشِ مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى بَرِيدٍ، ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنِ الْقُتْبِيِّ. ثَالِثُهَا: قَوْلُهَا: (انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي). هُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ، ثُمَّ قَافٍ: كُلُّ مَا يُعْقَدُ وَيُعَلَّقُ فِي الْعُنُقِ، وَيُقَالُ لَهُ: قِلَادَةٌ كَمَا سَلَفَ، وَسَلَفَ أَيْضًا أَنَّهُ مِنْ جَزْعٍ ظَفَارٍ. وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ قِلَادَةً مِنْ أَسْمَاءَ فَهَلَكَتْ. فَإِنْ قُلْتَ: ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ فِي حَالَيْنِ. قُلْتُ: بَلْ كَانَتْ وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا الرِّوَايَةُ تَخْتَصِرُ وَتُخَالِفُ بَيْنَ الْعِبَارَاتِ، فَإِنَّ الْقِلَادَةَ كَانَتْ لِأَسْمَاءَ وَاسْتَعَارَتْهَا مِنْهَا عَائِشَةُ فَأَضَافَتْهَا إِلَيْهَا بِقَوْلِهَا: ضَاعَ عِقْدِي. قُلْتُ: رِوَايَةُ الطَّبَرَانِيِّ السَّالِفَةُ تُخَالِفُ هَذَا، وَيُقَوِّيهِ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ السَّالِفَةُ أَنَّهُ كَانَ سَنَةَ اثْنَيْنِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ بِالتَّعَدُّدِ، وَأَنَّ فِي وَاحِدَةٍ سَقَطَ عِقْدُهَا، وَفِي أُخْرَى: سَقَطَ عِقْدُ أُخْتِهَا. فَائِدَةٌ: هَذَا الْعِقْدُ وَرَدَ فِي خَبَرٍ أَنَّ ثَمَنَهُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ. وَقِيلَ: كَانَ ثَمَنُهُ يَسِيرًا، حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ. رَابِعُهَا: قَوْلُهَا: (فَجَعَلَ يَطْعُنُنِي). هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ، وَحَكَى صَاحِبُ "الْمَطَالِعِ" فَتْحَهَا. وَفِي "الْمُجْمَلِ": الْفَتْحُ بِالْقَوْلِ، وَالضَّمُّ بِالرُّمْحِ. وَقِيلَ: كِلَاهُمَا بِالضَّمِّ، حَكَاهُ فِي "الْجَامِعِ". وَالْخَاصِرَةُ مَعْرُوفَةٌ، وَهِيَ: مُنْقَطَعُ الْأَضْلَاعِ إِلَى الْحَجَبَةِ، كَمَا قَالَهُ صَاحِبُ "الْمُحْكَمِ". خَامِسُهَا: قَوْلُهَا: (فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ). أَيِ: الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ الَّتِي تَلَاهَا الْبُخَارِيُّ. وَكَذَا رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: فَنَزَلَتْ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الْآيَةَ إِلَى قَوْلِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الْمَائِدَةُ: 6]. وَأَمَّا الْوَاحِدِيُّ فَذَكَرَهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، فَقَالَ: قَوْلُهُ تَعَالَى مِنْ سُورَةِ النِّسَاءِ: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [النِّسَاءُ: 43] ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ الْبُخَارِيِّ، ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ، وَفِيهِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ رُخْصَةَ التَّطْهِيرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمُ الْأَرْضَ ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ، وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرَابِ شَيْئًا، ثُمَّ ذَكَرَ كَيْفِيَّةَ التَّيَمُّمِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ: هَذِهِ مُعْضِلَةٌ مَا وَجَدْتُ لِدَائِهَا مِنْ دَوَاءٍ، آيَتَانِ فِيهِمَا ذُكِرَ التَّيَمُّمُ، فِي النِّسَاءِ وَالْمَائِدَةِ، وَلَا نَعْلَمُ أَيَّتُهُمَا عَنَتْ عَائِشَةُ بِقَوْلِهَا: فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ. وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: هِيَ آيَةُ الْمَائِدَةِ وَآيَةُ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ لَازِمًا لَهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ، وَالْآيَتَانِ مَدَنِيَّتَانِ، وَلَمْ تَكُنْ صَلَاةٌ قَبْلُ إِلَّا بِوُضُوءٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ لَمْ يُذْكَرِ الْوُضُوءُ، لِأَنَّهُ مُتَقَدِّمًا (قَالُوا)؛ لِأَنَّ حُكْمَ التَّيَمُّمِ هُوَ الطَّارِئُ عَلَى الْوُضُوءِ، وَقِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلًا نَزَلَ أَوَّلُ الْآيَةِ، وَهُوَ فَرْضُ الْوُضُوءِ، ثُمَّ نَزَلَ عِنْدَ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ آيَةُ التَّيَمُّمِ، وَهُوَ تَمَامُ الْآيَةِ، وَهُوَ: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ [الْمَائِدَةُ: 6] أَوْ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ بِالسُّنَّةِ لَا بِالْقُرْآنِ ثُمَّ أُنْزِلَا مَعًا، فَعَبَّرَتْ عَائِشَةُ بِالتَّيَمُّمِ إِذْ كَانَ هُوَ (الْأَصْلُ) الْمَقْصُودُ. وَجَزَمَ الْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهَا عَنَتْ بِذَلِكَ آيَةَ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ ذُكِرَ فِيهَا الْوُضُوءُ بِالْمَاءِ وَالتَّيَمُّمُ، وَغُسْلُ الْجَنَابَةِ، وَفِي النِّسَاءِ لَمْ يُذْكَرِ الْوُضُوءُ، وَإِنَّمَا ذُكِرَ التَّيَمُّمُ عِنْدَ عُدْمِ الْمَاءِ بِغَيْرِ ذِكْرِ الْأَسْبَابِ الَّتِي كَانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَهُمْ، فَكَانَتِ النِّسَاءُ أَخَصَّ بِهَا مِنَ الْمَائِدَةِ. سَادِسُهَا: قَوْلُهَا: (فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ). هُوَ -بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ الْمَفْتُوحَةِ وَآخِرُهُ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ- ابْنُ سِمَاكِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ رَافِعِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَصَوَابُهُ حَذْفُ رَافِعٍ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ صَوْتًا بِالْقُرْآنِ، وَهُوَ صَاحِبُ الظُّلَّةِ الَّتِي رَآهَا وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ، وَفَسَّرَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَلَائِكَةِ دَنَتْ لِصَوْتِهِ، وَلَوْ قَرَأَ حَتَّى أَصْبَحَ لَرَآهُمُ النَّاسُ، وَهُوَ صَاحِبُ الْعَصَا الَّتِي أُوقِدَتْ مَعَ عَبَّادِ بْنِ بِشْرٍ، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ عِشْرِينَ. سَابِعُهَا: قَوْلُهَا: (فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ، فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ). وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا فَوَجَدَهَا. وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: بَعَثَ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَأُنَاسًا مَعَهُ فِي طَلَبِهَا. زَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّ هَذَا مِمَّا لَا يُشَكُّ فِي تُضَادِهِ. قَالَ: وَلَا أَرَى الْوَهْمَ إِلَّا فِي رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ. يَعْنِي الثَّانِيَةَ. قَالَ: وَحَمَلَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ نُمَيْرٍ، وَجَعَلَهُ مُنَاقِضًا لِحَدِيثِ مَالِكٍ. وَرَدَّ ذَلِكَ ابْنُ أَبِي صُفْرَةَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَبْعُوثُ أُسَيْدًا فَوَجَدَهَا بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ طَلَبِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الشَّارِعُ وَجَدَهَا عِنْدَ إِثَارَةِ الْبَعِيرِ بَعْدَ انْصِرَافِ الْمَبْعُوثِينَ إِلَيْهَا، فَلَا تَعَارُضَ إِذَنْ. وَهَذَا كُلُّهُ إِنَّمَا يَأْتِي إِذَا قُلْنَا بِاتِّحَادِ الْوَاقِعَةِ، فَإِنْ قُلْنَا بِتَعَدُّدِهَا كَمَا سَلَفَ فَلَا. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعْنِيَ بِالرَّجُلُ الْأَمِيرَ عَلَى جَمَاعَةٍ، وَعَيَّنَهُ بَعْضُهُمْ بِأُسَيْدٍ وَأَصْحَابِهِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ. ثَامِنُهَا: فِي فَوَائِدِهِ: الْأُولَى: ابْتِدَاءُ مَشْرُوعِيَّةِ التَّيَمُّمِ، وَذَكَرَ الْبَرْقِيُّ فِي "مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ" أَنَّ الْأَسْلَعَ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمًا: إِنِّي جُنُبٌ وَلَيْسَ عِنْدِي مَاءٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ، وَحَكَاهُ الْجَاحِظُ فِي "بُرْهَانِهِ" قَوْلًا، وَهُوَ غَرِيبٌ. وَفِي "الْمُصَنَّفِ" عَنْ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ، عَنْ بُرْدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ لَمْ أَدْرِ كَيْفَ أَصْنَعُ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَضَرَبَ بِيَدِهِ ضَرْبَةً إِلَى الْأَرْضِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ إِذِ التَّيَمُّمُ كَانَ قَبْلَ إِسْلَامِهِ. ثَانِيهَا: حُرْمَةُ الْأَمْوَالِ الْحَلَالِ، وَلَا تَضِيعُ وَإِنْ قَلَّتْ. ثَالِثُهَا: جَوَازُ حُفِظِ الْأَمْوَالِ، وَإِنْ أَدَّى إِلَى عُدْمِ الْمَاءِ (فِي الْوَقْتِ، قَالَهُ ابْنُ مَسْلَمَةَ الْمَالِكِيُّ فِي "مَبْسُوطِهِ" وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ سُلُوكُ طَرِيقٍ يَتَيَقَّنُ فِيهِ عُدْمَ الْمَاءِ) طَلَبًا لِلْمَالِ. رَابِعُهَا: شَكْوَى الْمَرْأَةِ إِلَى وَالِدِهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ. خَامِسُهَا: خُرُوجُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْأَسْفَارِ وَالْغَزَوَاتِ، وَذَلِكَ مُبَاحٌ إِذَا كَانَ الْعَسْكَرُ (كَثِيرًا) يُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْغَلَبَةُ. سَادِسُهَا: الْإِقَامَةُ (عَلَى) مَوْضِعٍ لَا مَاءَ فِيهِ لِلْمَصْلَحَةِ؛ إِذْ فِي الْحَدِيثِ: وَلَيْسُوا عَلَى مَاءِ. سَابِعُهَا: جَوَازُ الْقِلَادَةِ لِلنِّسَاءِ. ثَامِنُهَا: جَوَازُ السَّفَرِ بِهَا بِإِذْنِ الْغَيْرِ. تَاسِعُهَا: جَوَازُ وَضْعِ الرَّجُلِ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِ زَوْجَتِهِ. عَاشِرُهَا: جَوَازُ دُخُولِ وَالِدِ الزَّوْجَةِ إِلَى بَيْتِهَا وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا نَائِمًا بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَالْإِنْصَافِ مِنْهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ. الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ: تَأْدِيبُ الرَّجُلِ وَلَدَهُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالضَّرْبِ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَارِجًا عَنْ بَيْتِهِ مُتَزَوِّجًا. الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: احْتِمَالُ الْمَشَقَّةِ لِأَجْلِ الْمُصْلِحَةِ؛ لِقَوْلِهَا: وَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى فَخِذِي. الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مُعَاتَبَةُ مَنْ نُسِبَ إِلَى ذَنْبٍ أَوْ جَرِيمَةٍ كَمَا عَاتَبَ الصِّدِّيقُ ابْنَتَهُ عَلَى حَبْسِ الْجَيْشِ بِسَبَبِهَا. الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: نِسْبَةُ الْفِعْلِ إِلَى مَنْ هُوَ سَبَبُهُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهُ؛ لِقَوْلِهِمْ: أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ. إِلَى آخِرِهِ، فَنُسِبَ الْفِعْلُ إِلَيْهَا إِذْ كَانَتْ سَبَبَهُ. الْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ يَزِيدَ الْفَقِيرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا: "أُعْطِيتُ خَمْسًا.. " الْحَدِيثُ. وَالْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَيْضًا فِي الصَّلَاةِ، وَبَعْضُهُ فِي فَرْضِ الْخُمْسِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّلَاةِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الطَّهَارَةِ. وَيَزِيدُ هَذَا لَيْسَ فَقِيرًا، وَإِنَّمَا لُقِّبَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَكْسُورَ فِقَارِ ظَهْرِهِ. قَالَ فِي "الْمُحْكَمِ": رَجُلٌ فَقِيرٌ وَفِقِّيرٌ: مَكْسُورُ فِقَارِ الظَّهْرِ. ثَانِيهَا: عَدَّ كَوْنَ الْأَرْضِ مَسْجِدًا وَطَهُورًا خَصْلَةً وَاحِدَةً، وَإِلَّا كَانَتْ سِتًّا. وَفِي مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: "فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ، وَأُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ، وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ" وَعِنْدَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ: "فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا، وَتُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ" وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ: "وَتُرَابُهَا" بَدَلٌ "وَتُرْبَتُهَا" وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهَا، وَالْأَعْدَادُ لَا تَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَوَّلًا بِالْقَلِيلِ ثُمَّ بِالْكَثِيرِ. ثَالِثُهَا: قَوْلُهَا: "لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي" أَيْ: لَمْ تُجْمَعْ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ. رَابِعُهَا: النَّصْرُ: الْعَوْنُ. وَالرُّعْبُ: الْخَوْفُ وَالْوَجَلُ. وَالشَّفَاعَةُ: الطَّلَبُ أَوِ الدُّعَاءُ. وَالْمَسْجِدُ: بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: مَوْضِعُ السُّجُودِ. وَقَوْلُهُ: "فَأَيُّمَا رَجُلٍ" مَا زَائِدَةٌ؛ لِتَوْكِيدِ الشَّرْطِ، وَالْفَاءُ فِي "فَلْيُصَلِّ" جَوَابُ الشَّرْطِ، وَالطَّهُورُ هُوَ الْمُطَهِّرُ. وَفِيهِ: إِظْهَارُ كَرَامَةِ الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ وَتُرَابٍ، فَجَعَلَهُمَا اللَّهُ طَهُورَيْنِ لِهَذَا. خَامِسُهَا: اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ جَوَّزَ التَّيَمُّمَ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ، حَتَى جَوَازِهِ بِصَخْرَةٍ مَغْسُولَةٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ (مِنَ) الدَّالَّةَ عَلَى التَّبْعِيضِ فِي الْآيَةِ تَقْتَضِي أَنْ يَمْسَحَ بِشَيْءٍ يَحْصُلُ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بَعْضُهُ. وَقَدْ أَنْصَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَهُوَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، فَإِنَّهُ أَبْرَزَ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي صُورَةِ سُؤَالٍ يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ بِالْحَجْرِ وَنَحْوِهِ، وَأَجَابَ بِقَوْلِهِ: قُلْتُ: هُوَ كَمَا نَقُولُ الْحَقُّ أَحَقُّ مِنَ الْمِرَاءِ. وَأَبْعَدَ ابْنُ كَيْسَانَ، وَابْنُ عُلَيَّةَ فَقَالَا بِجَوَازِهِ بِالْمِسْكِ وَالزَّعْفَرَانِ، نَقَلَهُ عَنْهُمَا النَّقَّاشُ فِي "تَفْسِيرِهِ". سَادِسُهَا: قَوْلُهُ: "فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ" هَذَا عَامٌّ إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ، كَالْمَكَانِ الْمَغْصُوبِ وَنَحْوِهِ، وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي مُوَاطِنَ كَالْحَمَّامِ، وَغَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي الْفُرُوعِ. وَلَمْ يَأْتِ فِي أَثَرٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ، عَنِ الْمُهَلَّبِ: أَنَّ الْأَرْضَ مُنِعَتْ مِنْ غَيْرِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَسْجِدًا، وَقَدْ كَانَ عِيسَى -عَلَيْهِ السَّلَامُ- يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ وَيُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ. فَالْمَجْمُوعُ ثَبَتَ، وَغَيْرُهُ لَمْ تُجْعَلْ لَهُ طَهُورًا. سَابِعُهَا: قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ أَيْضًا تَيَمُّمُ الْحَضَرِيِّ إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ وَخَافَ فَوْتَ الصَّلَاةِ. ثَامِنُهَا: الْغَنَائِمُ: جَمْعُ غَنِيمَةٍ، وَكَانَتْ قَبْلَنَا مِمَّنْ لَهُ الْجِهَادُ إِذَا حَصَّلُوهَا جَاءَتْ نَارٌ فَأَحْرَقَتْهَا، فَأَبَاحَهَا اللَّهُ لَنَا ........................... تَاسِعُهَا: الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي الشَّفَاعَةِ لِلْعَهْدِ، وَهِيَ الْعُظْمَى الْمُخْتَصَّةُ بِهِ، وَلَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْعُ شَفَاعَاتٍ أُخَرُ ذَكَرْتُهَا فِي "غَايَةِ السُّولِ فِي خَصَائِصِ الرَّسُولِ" فَرَاجِعْهَا مِنْهُ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي "شَرْحِ الْعُمْدَةِ"، وَمِنْ ذَلِكَ بَعْثُهُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً. وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْحُجَّةَ تُلْزِمُ بِالْخَبَرِ كَمَا تُلْزِمُ بِالْمُشَاهَدَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْآيَةَ الْمُعْجِزَةَ بَاقِيَةٌ -وَهِيَ الْقُرْآنُ- قَائِمَةً بِمَا فِيهِ؛ لِبَقَاءِ دَعْوَتِهِ، وَوُجُوبِهَا عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ إِلَى آخِرِ الزَّمَانِ.

                                                                                                                                                                                                                              ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                                                                                                                                                                                              الخدمات العلمية