الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                جزء صفحة
                                                معاني الآثار 3672 3673 ص: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قَوْلِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ أَيْضًا . حَدَّثَنَا يُونُسُ ، قَالَ : ثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، عَنْ حَفْصَةَ : " أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ ؟ فَقَالَ : لَبَّدْتُ رَأْسِي وَقَلَّدْتُ هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ" . فَدَلَّ هَذَا الْحَدَثُ أَنَّهُ كَانَ . لِأَنَّ الْهَدْيَ الْمُقَلَّدَ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِحْلَالِ إِلَّا فِي الْمُتْعَةِ خَاصَّةً هَذَا إِنْ كَانَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنْ بَعْدِ طَوَافِهِ لِلْعُمْرَةِ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ كَانَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ وَقَبْلَ أَنْ يَطُوفَ لِلْعُمْرَةِ ، فَكَانَ ذَلِكَ حُكْمَهُ - لَوْلَا سِيَاقُهُ الْهَدْيَ - يَحِلُّ كَمَا يَحِلُّ النَّاسُ بَعْدَ أَنْ يَطُوفَ ، فَلَمْ يَطُفْ حَتَّى أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فَصَارَ قَارِنًا ، فَلَيْسَ يَخْلُو حَدِيثُ حَفْصَةَ الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ وَعَلَى أَيِّهِمَا كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ فَإِنَّهُ قَدْ نَفَى قَوْلَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ مُفْرِدٌ بِحَجٍّ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا عُمْرَةٌ وَلَمْ يَكُنْ مَعَهَا عُمْرَةٌ . شرح معاني الآثار ش: أَيْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي عَامِ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَمْ يَكُنْ مُفْرِدًا وَهُوَ حَدِيثُ حَفْصَةَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ غَيْرَ التِّرْمِذِيِّ . فَالْبُخَارِيُّ : عَنْ إِسْمَاعِيلَ ، عَنْ مَالِكٍ . وَمُسْلِمٌ : عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، عَنْ مَالِكٍ . وَأَبُو دَاوُدَ : عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ . وَالنَّسَائِيُّ : عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ . وَابْنُ مَاجَهْ : عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي أُسَامَةَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ : "أَنَّ حَفْصَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا شَأْنُ النَّاسِ . . " إِلَى آخِرِهِ نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : "مَا شَأْنُ النَّاسِ" أَيْ مَا لَهُمْ وَمَا حَالُهُمْ . قَوْلُهُ : "إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي" مِنَ التَّلْبِيدِ وَهُوَ أَنْ يُضَفِّرَهُ وَيَجْعَلَ فِيهِ شَيْئًا مِنْ صَمْغٍ وَشِبْهِهِ لِيَجْتَمِعَ وَيَتَلَبَّدَ فَلَا يَتَخَلَّلُهُ الْغُبَارُ وَلَا يُصِيبُهُ الشَّعَثُ وَلَا يَحْصُلُ مِنْهُ قَمْلٌ ، وَإِنَّمَا يُلَبِّدُ مَنْ يَطُولُ مُكْثُهُ فِي الْإِحْرَامِ . وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ لِلرِّفْقِ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ : زَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ نَافِعٍ : "وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ" إِلَّا مَالِكٌ وَحْدَهُ قَالَ : وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ قَدْ قَالَهَا عَنْ نَافِعٍ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ : عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ وَهُمَا وَمَالِكٌ حُفَّاظُ أَصْحَابِ نَافِعٍ . انْتَهَى . وَقَالَ السَّفَاقِسِيُّ فِي قَوْلِهَا : "مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ" : يُحْتَمَلُ أَنْ تُرِيدَ مِنْ حَجِّكَ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ ، يُقَالُ : حَجَّ الرَّجُلُ الْبَيْتَ إِذَا قَصَدَهُ وَاعْتَمَرَهُ إِذَا قَصَدَهُ ، فَعَبَّرَتْ بِأَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ وَإِنْ كَانَ يَقَعُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى نَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِنَ الْقَصْدِ وَالنُّسُكِ . وَقِيلَ : إِنَّهَا لَمَّا سَمِعَتْهُ يَأْمُرُ النَّاسَ بِسَرَفٍ بِفَسْخِ الْحَجِّ فِي الْعُمْرَةِ ظَنَّتْ أَنَّهُ فُسِخَ الْحَجُّ فِيهَا وَقِيلَ : اعْتَقَدَتْ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَمِرًا . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مَعْنَى قَوْلِهَا وَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : "مِنْ عُمْرَتِكَ" أَيْ بِعُمْرَتِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أَيْ بِأَمْرِ اللَّهِ ، عَبَّرَ بِالْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ عَنِ الْقِرَانِ لِأَنَّهَا السَّابِقَةُ فِي إِحْرَامِ الْقَارِنِ قَوْلًا وَنِيَّةً وَلَا سِيَّمَا عَلَى مَا ظَهَرَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مَضْرُوًّا ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَفِي تَسْمِيَتِهَا إِيَّاهُ عُمْرَةً يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ قَالَ : أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ قَارِنًا بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ ، قَوْلُهُ (فَدَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ) أَيْ حَدِيثُ حَفْصَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ مُتَمَتِّعًا ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ الْمُقَلَّدَ - بِتَشْدِيدِ اللَّامِ الْمَفْتُوحَةِ - لَا يَمْنَعُ مِنْ إِحْلَالِ الْمُحْرِمِ إِلَّا فِي الْمُتْعَةِ خَاصَّةً وَبَاقِي الْكَلَامِ ظَاهِرٌ .

                                                ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½ï؟½


                                                الخدمات العلمية